كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

«نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية

«نازا».. عندما تتحول الشهادة من ساحة المعركة إلى معركة الرواية

تاريخ النشر: 2026-09-16 | 15:28

علي أبوحبلة
علي أبوحبلة

لم يعد فيلم «نازا» مجرد عمل وثائقي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي؛ فقد خرج سريعاً من قاعة السينما إلى قلب المعركة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، ليفتح سؤالاً يتجاوز مضمون الفيلم ذاته: ماذا يحدث عندما تأتي الشهادة من داخل المؤسسة العسكرية، وتصبح الكاميرا طرفاً في معركة الرواية؟

الفيلم، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، يستند إلى شهادات 24 من أفراد المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم وأصواتهم وملامحهم لدواعٍ أمنية، ويتناول، بحسب منتجيه، آليات استهداف في الحرب على غزة واستخدام تقنيات تعتمد على معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي. وقد حاز العمل جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية وسط اهتمام دولي واسع.

لكن أهمية «نازا» السياسية لا تكمن في التصفيق الذي استقبله في البندقية، ولا في الضجة التي أحدثها في إسرائيل، بل في أنه نقل النقاش إلى منطقة أكثر حساسية: من المسؤول عن القرار عندما يتحول المدنيون من ضحايا محتملين إلى أرقام في معادلة عسكرية؟

وهنا ينبغي التمييز بين مستويين.

الأول هو ما يقوله الفيلم وشهادات المشاركين فيه، وهي مادة صحفية ووثائقية تستحق الفحص والتحقيق والمساءلة المهنية.

أما المستوى الثاني فهو الحقيقة القانونية والقضائية، التي لا يحسمها فيلم ولا تصريح سياسي، وإنما تحتاج إلى أدلة مستقلة وتحقيقات ذات اختصاص.

وهذا التمييز مهم حتى لا تتحول المعركة حول «نازا» إلى معركة شعارات.

فالجيش الإسرائيلي رفض بصورة واضحة عدداً من الادعاءات التي تضمنها الفيلم، وقال إن بعض المقاطع والاتهامات عُرضت بصورة مجتزأة أو مشوهة، مؤكداً أن قرارات الاستهداف يتخذها بشر وفق إجراءات عسكرية، وأنه يعمل، بحسب روايته، وفق القانون الدولي. كما نفى الجيش تحديداً الرواية المتعلقة بالموافقة على ضربة كان متوقعاً أن تقتل 500 مدني.

 

لكن المفارقة اللافتة أن الرد الرسمي لم يتوقف عند تفنيد المحتوى، بل اتسع ليشمل بحث الإجراءات القانونية ضد الفيلم ومَن يقف وراءه، والتحقيق في كيفية وصول مواد سرية إلى صانعيه. وأعلن رئيس الأركان إيال زامير تشكيل آلية لمواجهة ما وصفه بالادعاءات الكاذبة، فيما دعا وزير الثقافة ميكي زوهار إلى إجراءات بحق المخرجين وصلت إلى التلويح بسحب الجنسية.

 

وهنا تحديداً تبدأ القصة السياسية الأهم.

 

فالرد على الوثيقة يكون بالوثيقة، وعلى الشهادة بالشهادة، وعلى الادعاء بالدليل؛ أما تحويل أصحاب الرواية إلى القضية نفسها، فينقل النقاش من مضمون الاتهام إلى حرية التعبير.

 

ولافت أن الصحافة الإسرائيلية لم تتعامل مع «نازا» بصوت واحد. فقد أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى اجتماع عسكري عاجل لمواجهة ما اعتبرته المؤسسة العسكرية ادعاءات خطيرة، وإلى تحرك إعلامي رسمي لإنتاج رواية مضادة. وفي المقابل، أفادت التقارير بتوقيع أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي على عريضة تضامن مع المخرجين، اعتراضاً على مهاجمتهما قبل عرض الفيلم كاملاً.

أما الصحافة العالمية فقد ذهبت إلى قراءة مختلفة. صحيفة «الغارديان»، المنتجة للفيلم، دافعت عن العمل باعتباره نتاج تحقيق استمر أكثر من ثلاث سنوات، فيما ركزت «أسوشيتد برس» على المفارقة بين الرواية الرسمية الإسرائيلية ومضمون شهادات العسكريين السابقين، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن إسرائيل تنفي الاتهامات.

حتى المراجعة النقدية في «الغارديان» نفسها لم تتعامل مع الفيلم باعتباره حكماً قضائياً نهائياً؛ فقد أشارت إلى أن مجهولية الشهود تضعف، من الناحية الصحفية، إمكانية التحقق المستقل من بعض شهاداتهم، وإن كانت ترى أن العمل يسلط ضوءاً مقلقاً على طريقة إدارة الحرب.

 

وهذه نقطة تستحق التوقف.

قوة «نازا» ليست في أن نصدقه لمجرد أنه يروي رواية فلسطينية أو ينتقد إسرائيل، كما أن قوة الرواية الإسرائيلية ليست في أن نرفض الفيلم لمجرد أن المؤسسة العسكرية ترفضه.

القوة الحقيقية في أن تخضع الروايتان للاختبار المهني والقانوني المستقل.

فإذا كانت الشهادات صحيحة، فإنها تطرح أسئلة ثقيلة حول قواعد الاشتباك، ومعايير اختيار الأهداف، والتناسب، وحماية المدنيين، والمسؤولية القيادية، واستخدام التكنولوجيا في اتخاذ القرارات العسكرية.

 

وإذا كانت بعض الشهادات غير دقيقة، فإن تفنيدها يتطلب تقديم الوقائع والوثائق والأدلة، لا الاكتفاء بالاتهام السياسي.

ومن هنا فإن «نازا» قد يكون أهم من مجرد فيلم عن حرب غزة؛ لأنه يكشف أن الحرب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، وإنما أيضاً بالبيانات والخوارزميات والصور والروايات.

لقد أصبحت معركة غزة، بالتوازي مع المعركة الميدانية، معركة على الذاكرة الدولية: من يحدد معنى الضحية؟ ومن يعرّف الخطأ العسكري؟ ومن يقرر أين تنتهي الضرورة العسكرية وتبدأ المسؤولية؟

 

ولذلك فإن حالة الاستنفار التي أثارها الفيلم داخل إسرائيل تستحق القراءة بذاتها، بصرف النظر عن الحكم النهائي على كل شهادة وردت فيه.

 

فالدول تستطيع أن تواجه الانتقادات بالبيانات، والجيوش تستطيع أن تقدم روايتها المهنية، والقضاء يستطيع أن يفحص الأدلة؛ لكن التاريخ لا يُكتب بالبيانات وحدها.

 

وفي النهاية، سيبقى السؤال الأهم مفتوحاً:

 

هل المطلوب إسكات الشاهد، أم التحقيق في الشهادة؟

 

ذلك هو الفارق بين إدارة الصورة وإدارة الحقيقة.

والحقيقة، في زمن الحروب، لا تحتاج إلى صخب إضافي؛ تحتاج إلى أدلة، وشهود، وتحقيق مستقل، وقانون لا يميز بين الضحية والفاعل على أساس الهوية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط