كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ناصر أبو حميد.. معاناة يفاقمها السجن والسرطان

ناصر أبو حميد.. معاناة يفاقمها السجن والسرطان

تاريخ النشر: 2022-01-11 | 05:57

عبد الناصر عوني فروانة
عبد الناصر عوني فروانة

لم أكن قد تجاوزت الثالثة من عمري حين وقفت للمرة الأولى أمام بوابة سجن غزة المركزي بانتظار زيارة أبي، وبعدها تنقلت بين السجون لزيارته على مدار خمسة عشر عاماً وما يزيد، قبل أن أكبر وأتحول أنا الآخر إلى أسير لأربع مرات. ومنذ عرفت السجون، رأيت صوراً مؤلمة واستمعت إلى شهادات قاسية روت بشاعة الاعتقال والسجن وما يرافقهما من تعذيب وحرمان، وقرأت العديد من تجارب الألم، الجسدي والنفسي والعاطفي، التي وثّقتها ألسن الأسرى وأفراد عائلاتهم. لكنني لم أجد أصعب من ذاك الألم الذي يعانيه أسرى فلسطينيون يقبعون في سجون الاحتلال في ظل ظروف احتجاز قاسية، ويعانون في آنٍ واحد ألم السجن وعذاباته، وألم السجّان الإسرائيلي وقسوة معاملته، وألم المرض ووجعه.

والأسير ناصر أبو حميد واحد من أولئك الذين يجمعون ما بين ألم السجن والسجّان والمرض، فيزداد الوجع وتتفاقم المعاناة ويتسع الألم، ألم الأسير وأسرته. نحن نُدرك أن الأسرى ليسوا وحدهم ضحايا الاعتقال، وإنما أفراد عائلاتهم، هم ضحايا مثلهم.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت ناصر أبو حميد (50 عاماً) للمرة الأولى وهو قاصر، ثم توالت الاعتقالات عدة مرات، من دون أن ينكسر أو تُثني إرادته إجراءات السجّان، ومن دون أن تتزعزع قناعاته بعدالة قضيته وحقوق شعبه، وفي كل مرة خرج فيها من السجن كان أكثر صلابة وشموخاً، وأكثر نشاطاً ودفاعاً عن وطنه وحقوق شعبه، فظل وفياً للأرض والقضية، ومقاتلاً شرساً في وجه المُحتل ومستوطنيه. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000، شارك في تأسيس كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة "فتح"، وأصبح قائداً لها في الضفة الغربية، وقاد العديد من العمليات البطولية ضد المحتل وجنوده ومستوطنيه، وحاول الاحتلال اغتياله أكثر من مرة بعد أن تحول إلى مطارَد، إلى أن تمكنت قوات الاحتلال من اعتقاله في 22 نيسان/أبريل 2002 برفقة أخيه نصر في مخيم قلنديا للاجئين، وتعرّض لتحقيق قاسٍ، وتعذيب جسدي ونفسي، وبتاريخ 24 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، أصدرت المحكمة المركزية في القدس بحقه حكماً بالسجن المؤبد المفتوح سبع مرات، بالإضافة إلى 50 عاماً أُخرى، وبعد اعتقاله أصبح من قادة الحركة الأسيرة، ومثَّل الأسرى في كثير من المواجهات مع إدارة السجون الإسرائيلية، وكان نداً، عملاً بوصية الشهيد غسان كنفاني: "لا تمت قبل أن تكون نداً". وما زال قائداً صلباً ومدافعاً قوياً عن حقوق إخوانه ورفاقه الأسرى، ونستذكر هنا كلماته بعد ثلاثين يوماً من إضراب الكرامة في سنة 2017: "ما زلنا نطرق أبواب الزنازين، نصرخ مكبّرين ومهلّلين ومتحدّين السّجان وبطشه وإجرامه الوحشي، وما زلنا نتنفس الحرية والكبرياء، نسير إلى الموت مبتسمين، ونتربع على بطانية سوداء، هي كل ما تركوه لنا، حول كأس ماء وقليل من الملح، نغني للوطن ولربيع الانتصار القادم. عن أجسادنا لا تسألوا، فلقد خانتنا وتهاوت منذ أيام، أمّا عن أرواحنا وإرادتنا فنطمئنكم أنها بخير، صامدون كما الصخر في عيبال والجليل، أقسمنا اليمين على أن نواصل حتى النصر أو الشهادة، وعاهدنا أرواح الشهداء ألّا تكون هذه المعركة إلّا شمعة انتصار نضيئها بأرواحنا وأجسادنا على درب الحرية والاستقلال".

وتمر الأيام والسنين وتمضي الأعمار في السجون، ليمضي ناصر ما يزيد عن ثلاثين عاماً في سجون الاحتلال، وهو بذلك يكون قد أمضى في السجن عمراً يفوق ما أمضاه خارجه، ولا يزال أسيراً مع أربعة أشقاء آخرين يقضون جميعاً أحكاماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، على خلفية الانتماء إلى حركة "فتح" ومقاومتهم الاحتلال، وهم:  نصر، المحكوم بخمسة مؤبدات، ومحمد، المحكوم بمؤبدين وثلاثين عاماً، وشريف، المحكوم بأربعة مؤبدات، وإسلام، المحكوم بمؤبد وثمانية أعوام. عدا عن ذلك، هو شقيق الشهيد عبد المنعم أبو حميد الذي اغتالته قوات إسرائيلية خاصة في 31 أيار/مايو 1994.

وفي آب/أغسطس من العام الماضي، طرأ تدهور خطير على الوضع الصحي للأسير ناصر، فتبين أنه مصاب بمرض سرطان الرئة وفي مرحلة متقدمة. هذا المرض الخبيث أصابه خلال فترة سجنه الطويلة، جرّاء ظروف الاحتجاز الصعبة وسوء المعاملة وتدنّي مستوى الخدمات الصحية المقدمة وغياب الفحوصات الدورية واستمرار سياسة الإهمال الطبي المتعمد. وبعد مطالبات المؤسسات الحقوقية وخطوات احتجاجية من الأسرى، أُجريت له في تشرين الأول/أكتوبر عملية جراحية لاستئصال الورم، و10سم من محيطه، إلّا إن إدارة السجون - كعادتها- أعادته إلى السجن قبل تماثله للشفاء من دون أن توفر له الرعاية اللازمة، الأمر الذي أدى إلى تدهور حالته الصحية مجدداً، وبصورة خاصة بعد تلقّيه الجرعة الثانية من العلاج الكيميائي، وهو ما اضطر إدارة سجن عسقلان إلى نقله، مؤخراً، إلى مستشفى "برزلاي" الإسرائيلي القريب من السجن، لكن هذه المرة كان وضعه الصحي خطيراً للغاية، فأُدخل مباشرة إلى العناية المكثفة تحت أجهزة التنفس الاصطناعي، إذ يعاني جرّاء التهاب حاد أصاب رئتيه بسبب تلوث جرثومي أدى إلى انهيار عمل الرئتين وجهاز المناعة لديه، الأمر الذي أدخله في غيبوبة، بحسب أقوال الطبيب لأسرته التي تمكنت من زيارته صباح يوم الجمعة الماضي.

ولا يمكن الحديث عن الأسير ناصر أبو حميد من دون التطرق إلى عائلته المناضلة، المكونة من ابنتين، وعشرة من الأبناء الذكور، الذين ذاقوا جميعهم مرارة السجن، خلال مراحل النضال الطويلة، كما قالت لي والدته الصابرة. وعائلة أبو حميد، التي تقيم في مخيم الأمعري وسط مدينة رام الله، هي واحدة من العائلات الفلسطينية المناضلة، والمتميزة بعطائها الذي لا ينضب، لكنها تُعتبر العائلة الفلسطينية الوحيدة التي تضم خمسة أشقاء أسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي يواجهون حكم السجن المؤبد (مدى الحياة)، وقد حُرمت والدتهم الحاجة لطيفة زيارتهم أعواماً طويلة، ومُنعت كذلك من السفر، وتوفي والدهم الحاج محمد "أبو يوسف" صباح يوم السبت الموافق 13 كانون الأول/ديسمبر 2014، من دون أن يتحقق حلمه باحتضانهم في رحاب الحرية، ومن دون أن يُسمح لهم بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على والدهم. كما تعرّض منزل العائلة للإغلاق مرة، ثم للهدم أربع مرات على يد قوات الاحتلال، كان آخرها سنة 2019. وبعد كل مرة تهدم فيها قوات الاحتلال بيت العائلة، كانت والدتهم أم يوسف، أو كما يحلو للبعض مناداتها بأم ناصر، والتي أُطلق عليها لقب "خنساء فلسطين"، أو "سنديانة فلسطين"، تقف على الجانب الآخر تردد بشموخ: اهدموا بيتنا، فلن تنهار إرادتنا، ولن تُهدم عزيمتنا، فهي لا تعترف بأن الأحلام تُدفن إن هُدمت البيوت واعتُقل أصحابها وهُجّر ساكنوها. فما أعظم هذه الأم، وما أرفع شأنها حين تكون قامتها بحجم السنديانة شموخاً، وحين تكون إرادتها أصلب من الفولاذ قوة.

وفي سنة 2013، التقيتها في بيروت وبقينا معاً أياماً عديدة للمشاركة في أنشطة وفعاليات نُظّمت هناك لمساندة الأسرى، وخلال أحد اللقاءات التلفزيونية التي جمعتني بها داخل استوديو الميادين ضمن برنامج "لعبة الأمم"، سألها الإعلامي سامي كليب: لو خيروكِ ما بين الإفراج عن أبنائك أو الأسرى المرضى، ماذا تختارين؟

فأجابت من دون تردد: الأسرى المرضى، لهم الأولوية.

حينها، لم يكن أحد من أبنائها المعتقلين يعاني المرض، لكنها كانت تشعر بالأسرى المرضى وتحس بألمهم، وتقدّر حجم الوجع بداخلهم، بينما اليوم يتسع ألمها ويزداد وجعها وهي تُراقب من بعيد ما آلت إليه أوضاع ابنها الحبيب، وهي بحاجة إلى مَن يقف إلى جانبها ويساند مطلبها ويضغط من أجل الإفراج عن  ابنها ناصر الذي يواجه وضعاً صحياً خطيراً جرّاء إصابته بسرطان الرئة.

في الختام، نجدد دعوتنا إلى كافة المؤسسات، الحقوقية والإنسانية، بضرورة التحرك الفوري والضغط الفاعل والمؤثر من أجل ضمان الإفراج عن الأسير ناصر أبو حميد، وتقديم العلاج اللازم له لإنقاذ حياته قبل فوات الأوان. ونحمّل حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياته وحياة كافة الأسرى المرضى الذين يعانون أمراضاً خطيرة ويواجهون أوضاعاً صحية مقلقة وأُخرى مشابهة.

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط