كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نتفة عن الراهب الفرنسيّ والعربيّة الفلسطينيّة

نتفة عن الراهب الفرنسيّ والعربيّة الفلسطينيّة

تاريخ النشر: 2022-07-27 | 19:37

قبل سنتين توفي في القدس الراهب الكاثوليكيّ  الفرنسيّ يوحنان إليحاي (Jean Leroy, جان لاروا، المعروف بكتبه عن تعليم اللهجات الفلسطينيّة وإعداد المعاجم لها وكان آخرها: The Olive Tree Dictionary. A Transliterated Dictionary of Conversational Eastern Arabic (Palestinian), Minerva, Jerusalem, 2004. يضمّ هذا المعجم العربي الفلسطيني- الإنجليزي ٧٦٣ صفحة، العربيّة فيه مكتوبة كالعادة في الدراسات اللهجيّة الغربيّة بالرسم اللاتينيّ؛ فيه تسعة آلاف مادّة، سبعة عشر ألف عبارة وفهرس قوامه أربعة عشر ألف لفظة إنجليزيّة. 

يقال إنّ يوحنان إليحاي، كان أوّل من أقام مراسم العشاء الربّاني باللغة العبريّة في البلاد العام ١٩٥٦. له مساهمات في نقل الليتورجيا اللاتينيّة إلى العبريّة وخلق موسيقى كاثوليكيّة بالعبريّة.  عندما بلغ سنّ العشرين من عمره، سافر إلى لبنان في إطار الخدمة الوطنيّة، وأخذ بتدريس اللغة الفرنسيّة من ناحية، وشرع في تعلّم العربيّة  المحكيّة من الناحية الأُخرى. في العام ١٩٥٦ وصل إسرائيل، وسكن أوّلًا في رمات غان  فيافا فقرية ترشيحا في الجليل الغربيّ فحيفا فالعفولة  فالقدس منذ ١٩٨٦ حتى وفاته؛ حصل على الجنسيّة الإسرائيليّة في العام ١٩٦٠.

للعربيّة الفلسطينيّة التي يتحدّث بها عرب الثمانية والأربعين وعرب الضفّة الغربية، علاقة وطيدة بالعبريّة الإسرائيلية، الشقّ الأوّل مند عام النكبة والشقّ الثاني منذ عام النكسة. وقد كرّس الراهب إليحاي جلّ وقته وجهوده في توثيق هذه العربيّة في الميدان من جهة، وبالتسجيل الصوتيّ من الجهة الثانية. في العام ١٩٧٧ نشر إليحاي معجمًا عربيًّا -عبريًّا، وفي العام ١٩٩٩ صدر عن وزارة الأمن الإسرائيليّ وقيست المعجمُ الجديد للعربيّة المحكيّة.

وهذا المعجميّ المتجوّل في المدن والقرى العربيّة في البلاد، كان يستمع، يسجّل، يسأل، يلاحظ ويتقصّى. ومن الطرائف أو النهفات التي ذكرها أو حصلت عليها أذكر:

يُروى عن إليحاي قوله: عندما يلتقي رئيس جمهوريّة لبنان برئيس حكومته فهما يتحدّثان بالعامّية، أمّا تلميذ الصفّ السادس فيكتب ملحوظة ما لصديقه في الصفّ بالفصحى (لا علم لي بما ورد في الشقّ الأخير من الجملة).

سأل  إليحاي راويًا لبنانيًّا مُسنًّا: كيف تُسمّي مَن ظهرُه مقوّس فردّ: أحْدب، والمرأة؟ قال: حَدْبه، والجمع؟ عندها ردّ العجوز مندهشًا: لم أرَ أناسًا بهذه الهيئة مجتمعين. (في لهجتي، كفرياسيف بالقرب من عكّا، نستعمل: إمْحَرْدِب، إمْحَرِدْبِه، إمْحَرِدْبين،  إمْحَرِدْبات؛ في قاموس  شجرة الزيتون لإليحاي نفسه ذُكرت صيغة الجمع: حُدُب، hunchback. هذه الرواية قد تذكّر بعض القرّاء المطلعين على التراث اللغويّ العربيّ، ببعض ما كان يسمعه النحويّون من الأعراب، الذين تحدّثوا بالعربيّة الفصيحة بالسليقة، مثل العبارة الشهيرة‪ ”أيشٍ هذا‪! اختلفت جهتا الكلام“: أنظر مثلًا: أبو الفتح عثمان بن جنّي، الخصائص، تحقيق محمد علي النجّار، ج‪. ١، بيروت: دار الهدى للطباعة والنشر، ط‪. ٢، ١٩٥٢، ص‪. ٧٦، ٢٤٢، ٢٤٩، ٢٥٠.

بعد ذلك ּأراد إليحاي أن يعرف ماذا يسمّي العرب الـ  bubbles سائلًا ما اسم ما نراه يتمايل في قارورة الكازوز وجاء الجواب ”فقاقيع“، وأردف إليحاي مستفسرًا وما صيغة المفرد من تلك؟ دُهش الرواة من هذا السؤال وردّوا قائلين: من رأى واحدة منها، إنّها تظهر مجتمعة وبكثرة دوما. (في الأبحاث اللهجيّة الميدانيّة يفضّل عدم طرح مثل هذه الأسئلة المباشرة بل استقاء المعلومة من خلال المحادثة بدون أن يعلم الراي ما تريد).

ويضيف إليحاي قائلًا: توجّهتُ ذات يوم إلى بنّاء، كان يعمل في منطقة باب الجديد في القدس، وسألته ما اسم هذه الدائرة الكبيرة  الظاهرة في مركز ميزان الماء؟ أجابه البنّاء: هَوا!، وقد تبيّن لإليحاي لاحقًا أنّ هنالك كلمة ”فقيعة“.

وعن تجربة أخرى، اختبرها إليحاي في مشواره الطويل في رصد اللهجات الفلسطينيّة وتوثيقها، نرى أنّّه أراد أن يعرف ماذا يقول الفلسطينيّون عن شلافشتوندي/Schlafstunde (حرفيًا: ساعة نوم أي: القيلولة)، استراحة الظهيرة المسماة siest بالفرنسيّة، فسأل امرأة عن معنى اللفظة فلم تدري عمّا يتكلّم، إذ لا وجود لاستراحة الظهيرة/القيلولة بشكل منظّم  في ثقافتها. عندها أخذ الراهب يصف لها بحركات اليدين ما يقصد، وعندها انتصبت قائمة وقالت ”آه، هذا ما يقومون به في الأديرة...“ (ثمة غرابة في الأمر، لماذا لغة الإشارة هذه والراهب يتكلّم العربيّة!)

في العربيّة لهجات كثيرة، ومن الممكن أحيانًا سماع أنماظ لفظ مختلفة للكلمة ذاتها في قرى مجاورة، وبالطبع في مدن متفاوتة. ذات يوم، أخذ إليحاي امرأة مثقّفة من أم الفحم لمساعدته في عمله المعجميّ فسألته: عن أيّة عربيّة تبحث؟ أفحماويّة أم مقدسيّة؟ يذكر أنّ إليحاي في معجمه يحاول الإتيان بالنمط اللغويّ المشترك لدى أغلبيّة الفلسطينيّين في البلاد؛ إنّه اختار مثلًا ”قبَداي“ في حين أنّ اللفظة الشائعة في العامّيّة العبرية في البلاد هي ”أبداي“، المقصود ”قبضاي“ من التركية Karadayi. ومتصفّح معاجم إليحاي يلاحظ تأثير العربيّة الكبيرَ على العامّيّة أو السلانچ العبريّ، على سبيل المثال: ”نقلة“  العربيّة صارت ”نَچْلة“ في العبريّة الدارجة و”شَقْفِه“ أي ”قطعة“ تلفظ  بالقاف أو الكاف أو الهمزة ومعناها ”امرأة/فتاة فاتنة“؛ والكلمة ”دَوَوين“ دخلت العبريّة العامّيّة بمعنى ”كلام فارغ“؛ و ”مْعَفّن“ أصبحت تعني ”كلمة ذمّ“ في العبريّة المحكيّة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط