كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نتنياهو والمرحلة الثانية: بين تعطيل التقدم وامتحان الدور الفلسطيني


لا يمكن قراءة تصريحات رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشروطه للمرحلة الثانية من أي اتفاق، بمعزل عن السياق السياسي الذي يتحرك داخله، ولا عن إدراكه العميق لطبيعة اللحظة الراهنة: لحظة انتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق إدارة ما بعد الإبادة، وهو انتقال يحاول نتنياهو تعطيله أو تفريغه من مضمونه السياسي قدر الإمكان.

يتعامل نتنياهو مع المرحلة الثانية بوصفها تهديداً سياسياً لا استحقاقاً تفاوضياً. فهذه المرحلة، إن كُتب لها التقدم، تعني فتح ملفات الانسحاب، وإعادة الإعمار، وإعادة ترتيب الوضع في قطاع غزة، وانتقال مركز الثقل من القتل والتدمير إلى تنفيذ بنود الاتفاق عبر الطاولة السياسية.

لهذا يحرص نتنياهو على فرض معادلة واضحة: لا إعادة إعمار قبل نزع السلاح، ولا تقدم سياسي قبل تثبيت “الواقع الأمني” الذي فرضته الحرب. وهي معادلة لا تهدف عملياً إلى نزع السلاح، بقدر ما تهدف إلى إبقاء غزة في حالة تعليق دائم، لا حرب ولا سلم ولا إعادة بناء حقيقية.

في الداخل الإسرائيلي، لا يبدو نتنياهو محاصَراً كما يُروَّج. فمختلف الأطياف السياسية، من اليمين المتطرف إلى الوسط، تتقاطع عند نقطة واحدة: عدم الرغبة في أي تغيير جوهري للوضع القائم. هكذا تتحول غزة إلى ملف للمزايدات الداخلية، ويصبح التجميد خياراً مريحاً للجميع.

أما الرهان على ضغط أميركي حاسم، فيبدو حتى الآن رهاناً ضعيف الأساس. تجربة المرحلة الأولى أظهرت أن إدارة ترامب، رغم خطابها “الجاد”، لا تمارس ضغطاً فعلياً على نتنياهو، بل تكتفي بإدارة التوازنات. وقد تكون محدودية هذا الضغط، في ذاتها، دافعاً لقلق إسرائيلي متزايد، تكشفه حملات الإعلام اليميني ضد كوشنير وويتكوف، خشية أن يتحول محيط ترامب إلى عامل ضغط يدفع نحو إنجاز المرحلة الثانية، بما فيها بدء الإعمار بالتوازي مع مسار نزع السلاح لا كشرطٍ مسبق له، بما يجعل التوقيت الفلسطيني عاملاً حاسماً في وضع نتنياهو في الزاوية لا غزة.

الضغط الحقيقي لا يتشكل إلا في حالة واحدة: إذا وُضعت الإدارة الأميركية نفسها في زاوية سياسية، عبر تقديم رؤية فلسطينية، ومن حماس على وجه الخصوص، متماسكة للمرحلة الثانية، مدعومة من الوسطاء، بحيث يصبح التعطيل الإسرائيلي عبئاً أميركياً لا يمكن تجاهله.

من هنا نفهم حساسية التوقيت، وأهمية ألّا يُترك المجال لنتنياهو كي يعيد ترتيب أوراقه الداخلية (قانون الموازنة، أو قانون الحريديم، شبكة الأمان الائتلافية، وسلاح حلّ الكنيست) قبل أن تتشكل معادلة ضغط مقابلة.

في ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن التقدم في المرحلة الثانية ليس معطَّلاً فقط بسبب إسرائيل، مع التأكيد أن المسؤولية هنا غير متكافئة ولا تماثل بين الاحتلال والطرف الواقع تحت الإبادة، بل قد يكون اتهام للفلسطينيين بسبب غياب مبادرة فلسطينية سياسية واضحة المعالم. استمرار الغموض يمنح نتنياهو وقتاً إضافياً، ويحوّل “المرحلة القادمة” إلى مجرد امتداد للمرحلة الحالية بأدوات مختلفة.

الأخطر أن تأخير الانتقال السياسي يسمح لإسرائيل بفرض وقائع جديدة تحت عناوين: “إعادة الإعمار المشروط”، و“الخرائط الجديدة”، و“المناطق الأمنية”، ومشاريع إعادة البناء المرتبطة بمصالح استثمارية خارجية، لا بحقوق السكان الفلسطينيين.

هنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو الدور الفلسطيني المطلوب في هذه اللحظة؟ الدور لم يعد يقتصر على الصمود أو إدارة الأزمة، بل يتطلب طرح رؤية متكاملة للمرحلة الثانية، تشمل الإعمار، وإدارة غزة، والترتيبات الأمنية، والبعد السياسي، بما ينزع الذرائع الإسرائيلية ويُحرج الأطراف الدولية، والتعامل مع الإعمار كمعركة سيادية؛ إذ إن إعادة البناء ليست ملفاً فنياً أو إنسانياً، بل ساحة صراع على الأرض، والملكيات، وشكل وهوية قطاع غزة المستقبلية. وأي فراغ هنا سيُملأ إسرائيلياً أو دولياً على حساب الفلسطينيين.

إن استثمار الشقوق الدولية والإقليمية يمر عبر تحويل قطاع غزة من عبء تفاوضي إلى قضية اختبار للمجتمع الدولي: هل هو شريك في إعادة الحياة، أم شريك في إدارة آثار الإبادة؟ رغم فداحة الدمار، تفتح لحظة ما بعد حرب الإبادة نافذة نادرة لإعادة بناء غزة وطنياً وسياسياً، لا عمرانياً فقط. لكن هذه الفرصة لا تُمنَح، بل تُنتَزع.

إن ترك زمام المبادرة بيد نتنياهو يعني إعادة إنتاج الحصار بصيغة “ناعمة”، وتحويل الإعمار إلى أداة ضبط سياسي، وتثبيت نتائج الحرب كأمر واقع. أما التقدم الحقيقي، فيبدأ حين يدرك الفلسطينيون أن المرحلة الثانية ليست امتداداً للمواجهة، بل ساحة جديدة لها، ساحة تُدار فيها المعركة ليست بالتمسك فقط بما كانت عليه الأوضاع سابقاً، بل بالخرائط، والرواية، والوقت.

المعضلة اليوم ليست في نوايا نتنياهو، فهي مكشوفة، ولا في تردد ترامب، فهو متوقع، بل في السؤال الفلسطيني الداخلي: هل نريد إدارة ما بعد الإبادة، أم تغيير قواعدها؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد إن كانت المرحلة القادمة خطوة نحو إعادة بناء غزة وفتح أفق سياسي، أم مجرد استراحة قصيرة في مسار الإبادة المستمرة بأدوات أخرى.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط