كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نتنياهو وفلسفة إعادة إنتاج النار: إدارةُ الهزيمةِ في الخطاب الاستعماري ومقارنتها بالخطاب السُلطوي العربيّ

نتنياهو وفلسفة إعادة إنتاج النار: إدارةُ الهزيمةِ في الخطاب الاستعماري ومقارنتها بالخطاب السُلطوي العربيّ

تاريخ النشر: 2025-12-16 | 14:45

الهدف من البحث
يسعى هذا البحث إلى تفكيك منطق التعاطي العربي – ولا سيما لدى دول الوساطة – مع قرار وقف إطلاق النار في غزة، عبر فهم الدوافع والعلل الكامنة وراء القبول بتطبيقٍ مختلّ وغير عادل للقرار. إذ بدا هذا التطبيق، في صورته العملية، أقرب إلى تنفيذٍ أحاديّ الجانب، وكأنّ إسرائيل قد وقّعت الاتفاق بوصفها الطرف المنتصر في الحرب. غير أنّ هذا التصوّر يصطدم بحقيقةٍ أساسية في تعريف الحسم داخل الحروب غير المتكافئة؛ حيث تُظهر معاييرها السياسية والاستراتيجية والرمزية، بما لا يدع مجالًا للشك، أنّ إسرائيل هي الطرف الذي مُني بالخسارة، وأنّ إدارة الخطاب حول “وقف النار” لم تكن سوى محاولة لإعادة إنتاج وهم الانتصار بعد سقوطه ميدانيًا وأخلاقيًا، وترميم أسطورة القوّة المزعومة بأنّ إسرائيل هي “الجيش الذي لا يُقهر”.

المقدمة
لم تعد الهزيمة في السياقات السياسية المعاصرة حدثًا عسكريًا صرفًا، بل تحولت إلى أزمة خطابية تتعلق بكيفية إنتاج المعنى وضبط السرد السياسي. فالسلطة لا تُهدَّد بالهزيمة ذاتها بقدر ما تُهدَّد بخروجها من السيطرة التأويلية (فوكو، 1980). في هذا السياق، يُبرِزُ خطابُ بنيامين نتنياهو نموذجًا متقدمًا لإدارة الهزيمة عبر ما يمكن تسميته «فلسفة إعادة إنتاج النار»، أي تحويل الخسارة والتعثر إلى طاقة رمزية تُعيد إنتاج الشرعية وتحمي السردية المؤسِسة للكيان (الشريف،٢٠٢٥).
في المقابل، تتعامل الأنظمة العربية السلطوية مع الهزيمة بوصفها تهديدًا مباشرًا لبقاء النظام، لا للسردية أو الأسطورة، ما يؤدي إلى نمط مختلف جذريًا من إدارة الخسارة (غليون، 1990).

الهزيمة بوصفها أزمة سردية
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن السلطة الحديثة تُمارَس بقدر كبير عبر الخطاب، أي عبر التحكم في ما يمكن قوله، وكيف يمكن تفسيره (فوكو، 1972). ومن هذا المنظور، تصبح الهزيمة خطرًا مزدوجًا:
خطرًا ماديًا يكشف حدود القوة ، وخطرًا رمزيًا يهدد مشروعية السرد السياسي المبني على الأسطورة (الشريف،٢٠٢٥).
ووفق تصور رولان بارت، تعمل الأسطورة السياسية على تحويل الحدث التاريخي إلى حالة طبيعية، بما يؤدي إلى تحييد طابعه النقدي (بارت، 1972). وعليه، فإن إدارة الهزيمة لا تعني إنكارها، بل إعادة إدماجها داخل نسق تفسيري أعلى يمنع تحولها إلى سؤالٍ سياسيّ مفتوح.

فلسفةُ إعادَةِ إنتاج النار: تحديد المفهوم
تشير «إعادة إنتاج النار» (حسب الباحث: محمد عزت الشريف) إلى استراتيجية خطابية تقوم على إبقاء الصراع مشتعلاً رمزيًا حتى في لحظات التراجع الواقعي. فالنار هنا ليست عنفًا ماديًا فحسب، بل رمز للخطر الدائم وأداة للتعبئة السياسية.
تتلاقى هذه الآلية مع ما يسميه المفكر العربي إدوارد سعيد «استمرارية السرد مع الإمبريالي»، حيث لا يُسمح للانكسار بأن يُقرأ بوصفه نهاية، بل بوصفه مرحلة ضرورية ضمن مسار تاريخي أطول. وبذلك، تتحول الهزيمة من لحظة مراجعة إلى ذريعة للاستمرار.

نتنياهو وإدارة الهزيمة في الخطاب الإسرائيلي
يكشف تحليل خطاب نتنياهو عن بنية خطابية تتسم بعدة خصائص:
أولًا، إعادة توصيف الهزيمة بوصفها جولة ضمن صراع ممتد، لا فشلًا نهائيًا، وهو ما ينسجم مع آليات الخطاب الاستعماري الكلاسيكي (سعيد، 1993).
ثانيًا، أخلاقنة الصراع، حيث تُعاد صياغة الخسارة ضمن ثنائية الخير/الشر، ما يؤدي إلى نقل النقاش من مستوى النتائج السياسية إلى مستوى القيم الوجودية حسل المفكر الفلسطيني عزمي بشارة ( 2017).
ثالثًا، تغليب السرد على الواقع، إذ تصبح حماية صورة الدولة ورمزيتها أهم من مساءلة الأداء السياسي أو العسكري، وهو ما يحوّل الخطاب إلى أداة لإنتاج الهيبة لا لمساءلتها (بارت، 1972).
رابعًا، إدامة حالة الاستثناء، حيث يُستخدم استمرار التهديد لتبرير تعليق المحاسبة السياسية، بما ينسجم مع تصور كارل شميت لحالة الطوارئ بوصفها أساسًا للشرعية السلطوية (2005).

الخطاب الاستعماري وإدارة الخسارة
تُدرج فلسفة إعادة إنتاج النار ضمن تقاليد الخطاب الاستعماري الذي لا يقوم على الانتصار الدائم، بل على القدرة على إدارة التراجع دون انهيار السردية. فالاستعمار، وفق سعيد، يعيش على الحكاية بقدر ما يعيش على القوة (سعيد، 1993).
كما يوضح عبد الله الغذامي أن الخطاب المهيمن يعمل عبر أنساق مضمرة، تجعل بعض الأسئلة غير قابلة للطرح أصلًا (2000). وفي هذا الإطار، تُحوَّل الهزيمة إلى معنى “مؤجل” لا يُسمح له بالاكتمال.

الخطاب السلطوي العربي: الهزيمة كتهديد للنظام
على النقيض من ذلك، لا يمتلك الخطاب السلطوي العربي سردية كبرى قادرة على امتصاص الهزيمة. فبحسب محمد عابد الجابري، يعاني العقل السياسي العربي من أزمة في إنتاج الشرعية خارج منطق القوة المباشرة ( 1990).
وعليه، تُدار الهزيمة عبر:
تعليقها على عوامل خارجية أو مؤامرات (غليون، 1990)
أو تحويلها إلى ذريعة لتكثيف القمع الداخلي (الحاج صالح، 2017)
في هذا السياق، تغيب الهيمنة الثقافية بالمعنى الغرامشي، ويحل محلها القسر العاري (غرامشي، 1971).

مقارنة تحليلية
يتضح أن الفرق بين النموذجين لا يكمن في وجود الهزيمة، بل في وظيفتها داخل الخطاب:
في الخطاب الاستعماري، تُستثمر الهزيمة لإعادة إنتاج المعنى والأسطورة (سعيد، بارت).
في الخطاب السلطوي العربي، تُدار الهزيمة بوصفها خطرًا أمنيًا يجب احتواؤه، لا حدثًا سياسيًا يجب تفسيره (غليون).

الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أن الهزيمة، في الخطاب السياسي المعاصر، ليست نهاية بقدر ما هي اختبار لقدرة السلطة على التحكم في السرد.
ففي حالة نتنياهو، تتحول الهزيمة إلى «نار» رمزية تُعاد إنتاجها لحماية الأسطورة الاستعمارية (الجيش الذي لا يُقٔهَر). أما في الحالة العربية السلطوية، فتتحول الهزيمة إلى فراغ معنوي يُملأ بالقمع و الترهيب بدل السرد والتبرير.
وبذلك نؤكد في هذه الدراسة أن اللغة ليست مُلحَقًا للصراع، بل أحد ميادينه الأساسية، وأن أخطر ما في الهزيمة ليس وقوعها، بل خروجها من السيطرة الخطابية ومن ثم تَفَكُّك أّسطورة المَنَعَةِ والقوة المزعومة.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط