كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نجيب بنداوود : الشعر ولغة الحب في ديوان "حنان"

نجيب بنداوود : الشعر ولغة الحب في ديوان "حنان"

تاريخ النشر: 2017-02-07 | 22:44

إن نجيب بنداوود، شاعر، لا ينفك أن يجعل من جسد المرأة لوحة فنية تندمج فيها كل مشاعر الإنسانية، من فرح وألم ومعاناة وطول انتظار. إذ يكتب بالفرنسية، حيث لا شيء يعلو فوق جمالية الحس المرهف والدقة في التصوير الشعري. فقصائد نجيب بنداوود ذات الطابع الحر، تميل إلى الجانب الرومانسي، حيث يكشف لنا الشاعر عمق العلاقة الوجدانية التي تربطه بالمرأة في كل تجلياتها. ولعل ديوان "حنان" من النصوص، التي دفعت العديد من القراء إلى اكتشاف الفضاء الشعري، حيث القصيدة فرصة اللقاء بين الشاعر العاشق وحبيبته البعيدة هنا وهناك. ومن ثمة، فهو لا يبحث عن الكمال في الكتابة، بقدر ما يعتبر الكتابة تعبيرا عن إنسانيته، ووجوده المتجذر في كيانه، وعقله، وفي العلاقة التي تربطه بالآخر. فتجربة الشاعر الأكاديمية والسيكولوجية تظهر بكل جلاء في وصفه لجسد المرأة، ومحاولة تحريره عن طريق التمرد على قانون التقاليد والعرف. أي أنه يجعل من حبه بحثا عن الجمال، ومحاولة لقاء الذات عند نقطة اللقاء بين الجنسين "الذكر والأنثى".

وتظهر لغة التحرر هذه، عند وصف الشاعر لجسد المرأة والتوغل في حيثياته الصغيرة، خاصة التركيز على المناطق الحساسة كـ "النهد والشفتين والعيون’". إنه، بهذا المعنى، يعتمد لغة شعرية سلسة، لكنه يجعل من الاستعارة آلية الوصف الأولى، خالقا بذلك عالما رمزيا يختلط فيه الملموس باللاملموس، والخيال بالواقع واللغة بالرمز.

إن ديوان "حنان"، ليس فقط، تعبيرا حرا عن حالة الحب والحنين، بل إنه يجعل من جسد المرأة نقطة اللقاء بين جميع عناصر الطبيعة، وليس غريبا أن يتغزل الشاعر بحبه عن طريق مناجاة السماء، أو عن طريق الليل وانتظار صباح لا يأتي إلا بحضور الحبيبة. وكل هذا، يجعل من شعر نجيب بنداوود لوحة سيريالية حيث "الأنا" في حالة من الفوضى العارمة، والروح بين مصرعين: اللقاء والانتظار. وهكذا، فإنه يجعل من القصيدة رصيف انتظار، حلما نرجسيا تخلد فيه كل لحظة بلحظة. وتخليد هذه اللحظات لا يمكن أن يتأتى إلا عن طريق التغني بمحاسن الحبيبة الغائبة/الحاضرة في النص وخارجه. فالشاعر يعكس حالته النفسية على جسد المرأة الذي يتحول الى مرآة أحاسيسه ونزواته ورغباته العاطفية. كما أنه يكتب انطلاقا من تجربة معاشة، تظهر من خلال التركيز على وصف الذات وتحولاتها النفسية في حضور وغياب الآخر "الحبيبة":

 

 

"وعينيك الهادئتين العميقة الزرقة

تحكيان عن السكينة لعيني الحالمتين

أعشق ليلة بيضاء لا ينبلج صبحها

تحدثني عن رقصك

أعشق غناء جسدك

وارتعادة قلبك". (تعريب محمد صلاح بنعمر)

تبعا لذلك أو بناء عليه، فإن نجيب بنداوود ينطلق بنا إلى عالم يحمل ألوان الروح المضطربة، ويتغير حسب تغير مناخ القلب الغارق في بحر من الحلم والحب. إذ يجعل من القصيدة جدار يثبت عليها كل اللحظات العابرة، ويكون البوح على إيقاع الثمالة العاطفية ورحلة البحث عن نواقص "الأنا" في أعين السماء "الحبيبة"، كما يصورها لنا غالبا في معظم قصائده. إن لغة الصمت تجتاح كل القصائد، والحلم عابر كالطيف لا يترك أثرا ولا صوتا. فالشاعر في حالة حب تتحول من العشق إلى الهيام. مما تقدم، فإن نجيب بنداوود يجعل من ديوان "حنان" أغنية الحب خلال الوداع الأخير، بالرغم من أنه ليس هناك مكان للوداع، بقدر ما هناك ولادة بعد ولادة أخرى. لذا فهو يشبه الحبيبة في بعض الأحيان بالورد، وفي بعض آخر بالعالم، أي الحبيبة تتجاوز كل الصفات رغم محاولات الشاعر العديدة لوصفها. وعادة ما يجعل الشاعر من لغة الغزل لغة تواصلية يتواصل من خلالها مع الآخر "الحبيبة"، في تجاوز واضح لكل الأزمنة والأمكنة. ولهذا كله، فهو يعتبر حبيبته الزمان والمكان الوحيدين حيث كل شيء ممكن، فلا وجود للمكان والزمان إلا بوجود أثر هذه الأخيرة:

"سأنتظرك محتشما

لن أفكر في شيء

الفراغ يعيق كأسي".

 

إذن، فالشاعر في حالة الضياع والتيه في ألوان الحبيبة، وما القصيدة إلا الفضاء الرمزي، الذي يعيد فيه الشاعر تكوين العلاقة العاطفية، التي عاشها بغية الوصول إلى الجنة الخالدة : "ما وراء الحب". وليس أعمق وأكثر أهمية من وراء الحب إلا لقاء الذات بعد فصول من التيه والضياع. فلغة الحب والغزل عند نجيب بنداوود لا تستقر إلا باستقرار الذات، واستمرار الفوضى الحسية يعني بالأساس استمرار المعاناة العاطفية، واستمرار المناجاة الساكنة لسماء ليست كالسماء. وديوان "حنان" كالرعشة بعد الوقع في الحب. فالرقة والإحساس المرهف يجعل من شعر بنداوود لونا شعريا فريد من نوعه وشكله. إذ إن هذه اللغة تستوجب إعادة القراءة، والتأمل الدقيق لفهم ألغاز القصيدة، والهدف من كتابتها. فالتشخيص من أهم مقومات الكتابة عند الشاعر، لنجد الكون كله حاضر في جسد المرأة، وجسد المرأة لا يكتمل إلا بارتداء جماليات الكون وألوانه الساحرة:

"منك، من هذه الابتسامة

لا أريد شيئا

غير بعض القطع

من سماءك الزرقاء".

ويرحل بنا الشاعر إلى أصيلا، حيث تختلط ألوان السماء بروائح القهوة، ويتزاوج البحر والريح في جو هادئ، حيث الحب والجنون وجهان لعملة واحدة. فمدينة أصيلا من المدن الساحرة التي عادة ما تؤثر على الشعراء والفنانين التشكيليين وتترك بداخلهم أثرا خالدا. فالشاعر يجعل من زيارة هذه المدينة لحظة التأمل في عبثية الحياة، وفرصة للنبش في نظرات الحبيبة باحثا عن السعادة المفقودة، سعادة الحب الضاحك كالطفل يلامس شفاه حبيبته. وتكرار مطلح "اللون" في قصائد نجيب بنداوود دليل على تشبع وتأثر الشاعر بالفنون التشكيلية. فالألوان في ديوان "حنان" هي تلك الكلمات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بجمال الحبيبة. ومدينة أصيلا ما هي إلا تأكيد على أن الشاعر يستلهم قصائده من جماليات الفن التشكيلي، ليتحول من شاعر إلى رسام بالكلمات.

وكما قلنا سابقا، فالقصيدة أشبه بالجدار يرسم عليه الشاعر بورتريه لحبيبته، تختلط فيه ألوان الحلم والكون والمسافات. بالإضافة إلى التركيز على الموسيقى، فديوان "حنان" يمكن اعتباره ملتقى الفنون الجميلة من شعر ونثر وتشكيل وموسيقى. وربما الغرض من خلط كل هذه الفنون، هو خلق فضاء شعري متعدد الأوجه، فاللغة الشعرية ذات الإيقاع الموسيقي الداخلي الرنان، تجعل من نصوص بنداوود أغان للجمال والحياة. فالموسيقى ليست حاضرة فقط كتيمة، وإنما حاضرة بقوة في إيقاع القصيدة الداخلي والخارجي، وكأننا أمام أغنية تنسجم فيها الأحرف مع القافية. إن نجيب بنداوود ليس فقط شاعرا، وإنما إنسانا حالما بكل اللغات والفنون، ولغته في الحب لغة عمياء حيث الكلمة للحواس، فالحبيبة هي الإيقاع الوحيد في فضاء القصيدة .

ومن الصعب ترجمة قصائده، فالترجمة من الفرنسية إلى العربية تفقدها جماليتها الموسيقية، فغالبا ما تكون ترجمة الشعر خيانة للرعشة الأولى التي كانت سبب القصيدة. لذلك يجب قراءة نجيب بنداوود بالفرنسية، لغة الجمال والرومانسية والعاطفة. هذا ويمكن القول، إن ديوان "حنان" من النصوص الشعرية المغربية الأكثر جمالية من حيث التصوير والكتابة. نص عميق، نحت من أجل الخلود في عالم الكتابة الرومانسية. وليس غريبا أن تترجم أعمال هذا الشاعر إلى العربية والإسبانية لما تشكله من إبداع وازن، تختلط فيه كل الأساليب والأشكال الأدبية والإبداعية. فالشعر رعشة الحب الأولى وبدايته ومنتهاه. والشاعر أراد أن يجعل منه سبب الحياة، فالحبيبة أشبه بالحلم يطارده في كل مكان.

وبصفة إجمالية، فإن نجيب بنداوود يكتب بلغة الروح، ويجعل من نفسه الشاهد الوحيد على كل لحظة يعيشها. وعلى القارئ أن يقرأ قصائده بوجدانه لأنها لغة من القلب إلى القلب، لغة لا لون لها ولا تستقر أبدا كالزمان العابر في متاهات الحلم. هي، إذن، لغة القصيدة، وما الخلود إلا للقصيدة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط