كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نَحْنُ لمْ نُعْمِل العَقْلَ!

نَحْنُ لمْ نُعْمِل العَقْلَ!

تاريخ النشر: 2019-04-21 | 06:35

لئن قيل إنَّ الحرية هي ‘‘الزُّبرجدة الخَضراء‘‘ التي تتلهف إليها قلوب البشر، وهي ‘‘القلب‘‘ المراد إنعاشه لِيُنْبِضَ في حياة الناس مُجَدِّداً دمَ الحياة، وروحَ الإبداع، والتَّجدُّد الخلَّاق، فإنَّ طرائق السَّعي الإنسانيِّ للعثور على هذه الزُّبرجدة المنيرة قد تعدَّدَت سبلاً، فأنار السَّعي إليها عقول السَّاعين، وألهب قلوبهم وضمائرهم، بقدر ما أدمى أقدامهم السَّائرة فوق أشواك لم يكفَّ أعداءُ الحرية؛ الغازون المستعمرون وأشياعهم المستبدون المحلِّيون على تنوِّع أضرابهم، عن غرسها في ذلك الطريق المتشعب الصَّعب الذي عَبَرَهُ كُتَّابٌ ومفكرون ومبدعون ومناضلون سياسيون، وفاعلون اجتماعيون، وقادة وطنيون، تعدَّدت طرق بحثهم، وتنوَّعت مشاربهم الفكرية، وتغايرت عقائدهم، غير أنهم توحَّدوا في الهدف، وأضاءت بصائرهم أنوارُ البحث عن منابع أنوار تُضيءُ الدياميس.

 ويبدو أنه ما كان لبصيص تلك الأنوار أنْ يُبرقَ إلا في سياق حركة تنويرٍ فكريِّ وثقافيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ تتعدَّد أوجهها، وتتشعَّبُ مساراتها، وتتحرَّك في جميع بلاد العرب، عُمقاً وامتداداً، وتفصيلاً إدراكياً عميقاً ومؤصَّلاً، يُحدِّد القواسم المُشتركة، ويُدركُ التنوُّع والتَّباين، وذلك على نحوٍ موضوعيٍّ مترابطٍ ومُتشابكٍ يتأسَّس، منذُ البدءِ، على تحليل عميق لـمكونات "الواقع القائم" كي يستنبطُ، وفقَ رؤية مستقبليةٍ مُؤصَّلةٍ، تمَّت في السياق نفسه بلورتها، ملامح "الواقع الممكن" عبر إدراكِ ما ينبغي استئصاله تماماً، أو التَّخلِّي عنه نهائِيَّاً، من مكونات "الواقع القائم" الرَّاسخة في الأزمنة والمجتمعات والعقول المُكبَّلة بأنطمة التَّابو، وعبر استدعاء ما يُوجبُ العقلُ المُتفتِّحُ المستنيرُ استدعاؤهُ من فضاءات مستقبل مفتوحٍ على التَّقدُّم الحضاري، والكمال الإنساني، وصيرورة الحياة في شتى مدارات الوجود.

ويبدو جَليَّاً الآن، أنَّ ما كانت عيون الأجيال العربية المتعاقبة على مدار ما يربو على الألف عامٍ ونيِّفٍ قد لمحتهُ من بصيص نورٍ نهضويٍّ أبرق هنا أو هُنَاك، في هذا الحيِّز أو في ذاكَ الحيِّزِ  من بلاد العرب، لم يكن إلاَّ بَرْقَاً خُلَّبَاً، أي برقاً زائفاً لا يعقبة رعدٌ، ولا يأتي بعدهُ مطرٌ مُخْصبٌ، بل يُلازمه سرابٌ يُعزِّز الوهمَ بوهمٍ سرابيٍّ ينبئُ انبثاق ربيع يعقبهُ، فلا يعقبهُ، في واقعِ الحال العربيِّ القائم منذ ألف عام أو يزيد، إلا خريفٌ أخطبوطيٌ لا يني ينسجُ شِبَاكَهُ الشَّائكةَ في دياميس عتمة لزجةٍ، فيتمدَّدُ ويرسخ!

وإلى ذلك، يبدو جلياً الآن، ومن غير إيغالٍ في إعمال مصطلحاتٍ فلسفية وفكرية ذات امتدادات معرفية، أو استدعاء تصورات ومكونات آيديولوجيات متشعبةٍ ومتباينة ومتصارعة، أنَّ الأمرَ كُلُّهُ إنَّما يعودُ إلى أننا لم نحسن اختيار الطَّريق المُفْضِي إلى الخروج من دياميس الأقبية السَّوداء لإطلاق مسيرة نهوضٍ حضاريٍّ تحملنا إلى فضاءات القباب وسطوع أنوارها، وذلك لأننا، بإيجاز قاطعٍ، لم نُعْمِلِ العَقْلَ!

نحنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حين اكتفينا بقراءة سطح الواقع القائم دون الولوج إلى اكتشاف أغواره العميقة وتحليلها والكشف عن أسباب حلكتها، وإدراك امتداداتها وأبعادها، وتحديد موقف حاسمٍ وقاطع: أخذاً أو تركاً، تواصلاً متفاعلاً أو قطعاً نهائياً جازماً، بشأن كُلِّ مكوِّن من مكوناتها!

نحنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حينَ ملأنا عقولنا بتصوُّر زائفٍ جعلناهُ عقيدةً تقولُ إنَّ في الثَّباتِ والقُعُود عن الإبداع والفعلِ خُلوداً، وإنَّ الصيَّرورةَ الحقَّةُ إنما تكونُ في العَودِ الأبدي إلى أبعد نقطةٍ تقعُ في ماضٍ بعيدٍ مضى إذْ كانت هي، في التَّصوُّر السُّكوني الجامد، لحظة ميلاد أسمى تحقُّق وجوديٍّ يمكن للبشرية بأسرها أنْ تصلَ إليه في سعيها اللَّاهب نحو إدراك إنسانيتها ومراتب سموِّها، وتجلية نبل مَقَاصدها، وتأكيدِ حُسن إصغائها إلى وصايا السَّماء، وتجسيد عُمْقِ التزامها بهذه الوصايا على نحوٍ يُرسِّخُ حميمية علاقتها بالإله الخالق!

 

نحنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حينَ ارتضينا أنْ نَسْجِنَ أنفسنا، ضمائرَ وعقولاً ووجداناتٍ وأفكاراً وأحاسيس ومشاعرَ وآفاقَ تأمُّلٍ وخيال، في أقبية "المُقدَّس" و"المُحَرَّم" و"المحْظُور" التي مدَّدتها أنظمة الاستعمار والاستغلال والاستبداد وآيديولوجياتهما الظَّلامية العمياءُ في حياة مجتمعاتنا وتاريخنا، ورسَّخت الممارسةُ المزمنةُ والمتراكبةُ حضورها التَّكلُّسيِّ العَفِن في أنسجة خلايانا، وفي ثنايا عقولنا، وفي أطواء ضمائرنا وطياتها!

نحنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حينَ اعتقدنا، واهمين بالطَّبعِ ومنقسمين على أنفسنا وغافلين عمَّا يحيط بنا ويستهدف وجودنا، أنَّ مستقبلَ وطننا، ومستقبل أمتنا وأجيالنا الأتية، لا يكونُ فضيلاً وسامياً ومُشرقاً، إلا إنْ نحنُ استدعينا صورة مستقبل يَخُصُّنا تَسْكُنُ ماضي التَّاريخ وتحملها الذّاكرة المُشوَّشة، أو تتبدَّى في صورة حاضرٍ قائمٍ الآن تبصرهُ أعيننا الخفشاءُ في واقع الآخر المختلف، ولا سيما الأوروبي أو الأمريكيى، وذلك لأننا مسكونون بالقعود والعجز المهيض، وبفكرة باتت عقيدة تقول إنَّ المستقبلَ لا يأتي من المستقبل، بل من ماضٍ بعيدٍ، أو من حاضرٍ قائمٍ الآن في مكانٍ آخر ولدى شعوبٍ أخرى، أو لدى أمم متحضرة، وثَّابة في خطوها الواثق صوب مستقبل لا يأتي إلا من المستقبل الذي لا يأتي به إلا الفعل الإنساني المتضافر الخلاق!

لذلك كلِّه، ولكثير غيره سنذهب إلى إضاءته في مقالات قادمة، نحْنُ لمْ نُعْمِل العقل!

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط