كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نحو لحظة عربية فاصلة

نحو لحظة عربية فاصلة

تاريخ النشر: 2026-05-24 | 11:28

الأمن الديني… الحلقة الخامسة في بناء عقيدة الأمن القومي العربي

إذا كانت الأجزاء السابقة من هذه السلسلة قد تناولت تحولات البيئة الإستراتيجية العربية، وإشكالية الوكالة الوظيفية، وعقيدة الأمن القومي، وأزمة الشرعية والبُنية الفصائلية، فإنّ هذه الحلقة تتناول بُعدًا غالبًا ما جرى التعامل معه بوصفه ملفًا دعويًا أو ثقافيًا منفصلًا، رغم أنه بات في صميم معادلة الاستقرار: الأمن الديني.

فالدولة الوطنية العربية لم تعد تواجه فقط تهديدات الحدود والجيوش، بل باتت تواجه اختراقًا من نوع آخر؛ اختراقًا يستهدف الوعي الجمعي، ويعيد تشكيل منظومة الانتماء والولاء، ويوظف الدِّين في إنتاج هويات سياسية موازية للدولة أو متجاوزة لها. ومن هنا، يصبح الأمن الديني جزءًا لا ينفصل عن مفهوم الأمن القومي الشامل، لا باعتباره أداة قمع أو ضبط، بل باعتباره سياسة وقائية لحماية المجال الديني من التسييس، وحماية الدولة من الاختراق الأيديولوجي، وصون الدِّين ذاته من التحول إلى أداة صراع سياسي.

خلال العقد الأخير، أظهرت دراسات دولية متعددة تصاعد توظيف الفضاء الرقمي في نشر الخطابات الدِّينية المتطرفة، ما نقل المواجهة من الساحة الأمنية التقليدية إلى ساحة فكرية–رمزية مفتوحة. وهذا التحول ينسجم مع ما طُرح في الحلقات السابقة حول انتقال الصراع من المجال العسكري الصلب إلى مجالات أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الحرب النفسية، والتعبئة الرمزية، والهويات العابرة للدولة.

حين يتحول الدين إلى أداة سياسية

تكمن الإشكالية الأساسية في بعض أنماط التدين المؤدلج المرتبطة بحركات سياسية ذات مرجعيات دينية، حيث يجري خلط الدِّين بالاجتهاد التنظيمي، وإضفاء قداسة على خيارات بشرية قابلة للنقد والمراجعة. ومع الوقت، يتحول الانتماء الحركي إلى معيار للتدين، ويُختزل الإيمان في الولاء السياسي، فيما تُنقل قضايا الحكم والسياسة من دائرة الاجتهاد البشري إلى مجال "القطعيات"، بما يغلق باب النقاش العام ويصادر التعدد.

وهنا تتقاطع هذه الظاهرة مع ما جرى تحليله سابقًا في بُنية "الأبائية السياسية"، حيث تتحول الجماعة أو التنظيم إلى مرجعية مغلقة تحتكر الحقيقة، وتعيد إنتاج الشرعية عبر الطاعة لا عبر النقد والمساءلة. وحين تكتسب هذه البُنية غطاءً دينيًا، تصبح أكثر قدرة على صناعة الاصطفاف، وأكثر صعوبة في التفكيك.
خطورة هذا النمط لا تكمن في بعده العقدي فحسب، بل في أثره على التماسك الاجتماعي وشرعية الدولة، إذ يُنتِج وعيًا منقسمًا، ويؤسس لثنائية "نحن/هم"، ويبرر الإقصاء باسم الدين.

من المواجهة الأمنية إلى إدارة الوعي
التجربة أثبتت أنّ المقاربة الأمنية الصرفة عاجزة عن معالجة هذا النوع من التحديات. فالقضية ليست أمنية فقط، بل فكرية وثقافية ومجتمعية. ومن هنا، يصبح الأمن الديني جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي، قائمًا على إدارة الوعي لا ملاحقته، وعلى الوقاية لا رد الفعل.

ويبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للدور العلمي والمؤسسي للمرجعيات الدينية، وتقديم خطاب واضح يميز بين الثابت الديني والمتغير السياسي، ويعيد التأكيد على أنّ قضايا الحكم ونظم الدولة تقع في دائرة الاجتهاد والمصلحة، كما استقر في التراث الفقهي الإسلامي.
كما يتطلب الأمر مراجعة الخطاب الديني الموروث عبر آليات مؤسسية، وتنقية الوعي الديني من التأويلات التاريخية غير الأصيلة والمرويات الدخيلة التي راكمت عبر الزمن تصورات مغلقة عن الدولة والمجتمع.

أزمة المعنى والفراغ السردي
ولا يمكن فهم صعود الخطابات المؤدلجة بوصفه نتيجة للفقر والتهميش فقط، رغم أهمية هذه العوامل، إذ إنّ كثيرًا من الحركات الجهادية أو ذات المرجعية الإخوانية وجدت امتدادًا داخل شرائح متعلمة وطبقات وسطى أيضًا. فالمسألة ارتبطت بأزمة معنى وهوية تشكلت بعد تعثر المشاريع القومية العربية، وما تبعها من فشل الدولة الوطنية في إنتاج سردية جامعة قادرة على إنتاج الانتماء والثقة، ومَنْح المجتمع تفسيرًا متماسكًا لذاته ومستقبله.
وفي هذا الفراغ الرمزي، أعادت هذه الحركات تقديم نفسها بوصفها بديلًا أخلاقيًا وتاريخيًا شاملًا يمتلك تفسيرًا شاملًا للهزيمة والتاريخ والواقع والمصير معًا، ويمنح الأفراد يقينًا هوياتيًا في مقابل حالة السيولة والانكشاف.

وفي المقابل، أظهرت بعض التجارب العربية المعاصرة أنّ بناء سردية وطنية جامعة ليس نتاجًا للاستقرار فقط، بل أداة من أدوات إنتاجه. وفي هذا السياق تبرز تجربة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجًا على محاولة بناء سردية دولة تقوم على التنمية والمواطنة والانفتاح وربط الهوية بمشروع الدولة والمستقبل. فالسردية ليست ترفًا سياسيًا، بل أداة من أدوات الأمن الوطني إذا أُدرك معناها الحقيقي، لأنها تعيد تشكيل الوعي الجمعي وتمنح المجتمع تفسيرًا جامعًا لذاته وموقعه وتاريخه.
ومن هنا، لم يعد الصراع يدور فقط حول السلطة أو الاقتصاد، بل حول من يمتلك القدرة على إنتاج المعنى الجمعي، وصياغة الرواية التي يفسر المجتمع من خلالها تاريخه وواقعه وموقعه في العالم.

التاريخ كساحة صراع
لا يقل الصراع على الذاكرة التاريخية خطورة عن الصراع على الواقع. فبعض الحركات السياسية ذات المرجعية الدينية تلجأ إلى قراءات انتقائية للتاريخ، تُبرز ذاتها بوصفها الفاعل الأخلاقي النقي، وتغفل إخفاقاتها وتناقضاتها، بما يعزز سرديات المظلومية والاصطفاف.

وهذا يتقاطع مباشرة مع أزمة السرديات التي تعاني منها المنطقة العربية عمومًا، حيث تتحول الذاكرة إلى أداة تعبئة سياسية، لا إلى مجال للفهم النقدي. لذلك، فإنّ مواجهة هذا النمط لا تكون بالدعاية المضادة، بل بدعم إنتاج معرفي تاريخي رصين، يُقدِّم روايات متوازنة، ويُدمَج في الخطاب الإعلامي والثقافي عبر أدوات فنية وإعلامية تشجع التفكير النقدي لا التلقين.

الجذور الاجتماعية للتطرف
الخطاب المؤدلج لا ينتشر في فراغ. فهو يجد بيئات حاضنة في سياقات الفقر، والبطالة، والتهميش، وضعف الثقة بالمؤسسات العامة، لكنه في الوقت نفسه يتغذى على اختلالات أعمق في البُنية الاجتماعية المعاصرة، حيث يتراجع الإحساس بالعدالة والتمثيل، وتضعف قدرة الدولة على إنتاج الثقة والمعنى في الحياة اليومية. ومع تآكل الروابط الاجتماعية الجامعة، تصبح المجتمعات أكثر قابلية للاستقطاب الهوياتي، وأقل قدرة على إنتاج مناعة داخلية ضد الخطابات المغلقة.
لذلك، فإنّ أي معالجة فكرية تظل منقوصة ما لم تُقترن بإصلاحات اجتماعية واقتصادية حقيقية، تشمل تعزيز العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وإعادة الاعتبار لدور الدولة في الرعاية والتنمية.

الإعلام والفضاء الرقمي
في عصر المنصات المفتوحة، باتت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مركزية للصراع على العقول، خاصة لدى فئة الشباب. وهنا، لا تكفي لغة الوعظ التقليدية ولا المواجهة الخطابية المباشرة. المطلوب هو خطاب ديني معرفي، بلغة عصرية، ومحتوى رقمي ذكي يقوم على التفكيك النقدي، ويستفيد من أدوات التحليل الرقمي في الرصد المبكر دون المساس بالحريات.
فالفراغ الرقمي لا يبقى فراغًا؛ إمّا أنْ تملأه الدولة الوطنية بخطاب عقلاني متوازن، أو تملؤه الخطابات العابرة للدولة والهويات المغلقة.

المواطنة كإطار جامع
يتقاطع الأمن الديني في جوهره مع سؤال الهوية. فحين تُستثمر الهويات الفرعية لتقويض الانتماء الوطني، يصبح تعزيز مفهوم المواطنة ضرورة أمنية وثقافية في آنٍ واحد. المواطنة هنا لا تُناقِض التدين، بل تشكل إطاره الجامع، وتعيد وصل الفرد بالدولة على أساس الحقوق المتساوية والانتماء المشترك.
ومن دون بناء هذا الإطار الجامع، ستظل الدولة العربية معرضة للتشظي بين ولاءات ما دون وطنية، أو فوق وطنية، تتقدم على فكرة الدولة نفسها.

الأمن الديني كسياسة عامة
الخلاصة أنّ الأمن الديني ليس ملفًا ثانويًا ولا إجراءً ظرفيًا، بل حلقة مركزية في مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية العربية. وإذا كانت الحلقات السابقة قد ناقشت الأمن العسكري، والسياسي، والاجتماعي، والسردي، فإنّ الأمن الديني يمثل البعد الذي تتقاطع عنده الهوية بالشرعية، والدِّين بالسياسة، والوعي بالاستقرار.
إنّ الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الوعي، ومن رد الفعل إلى بناء المناعة المجتمعية، هو الشرط الضروري لصون الدِّين من التوظيف الأيديولوجي، وتعزيز استقرار الدولة الوطنية، وترسيخ السلم المجتمعي.

خاتمة السلسلة: من الانتظار إلى التخطيط الموازي

إذا كانت هذه السلسلة قد انطلقت من سؤال الأمن القومي العربي في زمن التحولات الكبرى، فإنها تنتهي إلى حقيقة أكثر عمقًا: أنّ أزمة الدولة العربية ليست عسكرية فقط، ولا اقتصادية فقط، بل هي أيضًا أزمة معنى، وسردية، ووعي جمعي.

لقد أثبتت التجربة أنّ انتظار "اللحظة المثالية" لإعادة بناء الدولة الوطنية ليس خيارًا محايدًا، بل شكل من أشكال الاستنزاف البطيء. فحين تُؤجِل الدولة بناء سرديتها الجامعة إلى ما بعد اكتمال الاستقرار، فإنها تترك المجال مفتوحًا أمام الهويات الفرعية والخطابات المؤدلجة والقوى العابرة للدولة كي تملأ الفراغ الرمزي وتعيد تشكيل الوعي الجمعي وفق مشاريعها الخاصة.

ومن هنا، يصبح التخطيط المتوازي ضرورة وجودية لا ترفًا إداريًا؛ أي العمل المتزامن على مسارات متعددة: بناء السردية الوطنية، وتنقية الخطاب الديني، وإصلاح التعليم، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وإعادة إنتاج الثقة بين الدولة والمجتمع. فغياب "شاطئ النجاة" الواضح لا يعني الاستسلام للغرق، بل يعني إدارة النجاة الممكنة بأدوات واقعية ومتدرجة.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الانهيار المباشر، بل في البقاء داخل "مصيدة الفئران": تلك الحلقة المغلقة من النزاعات الهوياتية والطائفية والجهوية التي تعمل كَسُمٍّ بطيء يفتت المجال الوطني ويستنزف قدرة المجتمع على الفعل التاريخي.

وفي هذا السياق، لا يصبح الأمن الديني ملفًا منفصلًا عن مشروع الدولة، بل أحد شروط بنائها. فالأمن الديني لا يُبنى بانتظار دولة قوية، بل يُبنى من خلاله دولة قوية. والسردية الوطنية ليست ترفًا سياسيًا، بل أداة من أدوات الأمن القومي إذا أُدرك معناها الحقيقي.

وفي النهاية، قد لا تمتلك الدولة العربية اليوم كل أدوات النهوض الكامل، لكنها لا تملك أيضًا رفاهية الانتظار. فإمّا أنْ تملأ الدولة الوطنية الوعي الجمعي بمشروعها، أو ستملؤه مشاريع التفكيك. والمهمة الأكثر إلحاحًا الآن هي: البدء من حيث نحن، وبما نملك، قبل أنْ يتحول التأجيل ذاته إلى شكلٍ آخر من أشكال الهزيمة.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط