كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نحو منظومة أمنية عربية وشرق أوسطية

نحو منظومة أمنية عربية وشرق أوسطية

تاريخ النشر: 2026-03-16 | 11:50

كتبت هذه الأفكار قبل اندلاع الأحداث الأخيرة المرتبطة بإيران ثم استبدلتها لاحقاً بمقالة أخرى تتناول الأزمة الراهنة، غير أنني رأيت الآن أهمية نشر المقالة الأصلية من دون تعديل، لأنها تطرح قضية تتجاوز أزمة بعينها وهي ضرورة التعامل مع الأمن الإقليمي بصورة منهجية وشاملة لا بوصفه مجرد رد فعل على تطورات طارئة، ومع ذلك فمن الطبيعي أن تفرض التطورات المستقبلية تعديل بعض المقترحات أو تطويرها.

يظل الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم اضطراباً وتعقيداً حيث تتداخل الصراعات الممتدة مع تأثيرات خارجية كبيرة وعدة، وخلال الأعوام الأخيرة تزايدت حدة التوترات والنزاعات في المنطقة، في وقت يظل غياب آلية إقليمية فعالة للأمن الجماعي أحد أبرز مظاهر الخلل في النظام الإقليمي، وقد طرحت في هذا السياق أفكاراً لإنشاء منظمة أمنية إقليمية للشرق الأوسط.

وعلى رغم جاذبية هذا الطرح من حيث المبدأ فإن الظروف الراهنة قد لا تسمح بتحقيقه بصورة عملية، فالمنطقة تشهد تصاعداً في اللجوء إلى القوة، بما في ذلك عبر الحدود، كما توجد توجهات لدى بعض الأطراف لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بطرق قد تفضي إلى تقليص أو تهميش الهوية العربية الغالبة في المنطقة.

إن الوضع الأمني في الشرق الأوسط شديد التعقيد ولا يمكن تجاهله أو الاكتفاء بردود فعل متفرقة تجاه أزماته المتلاحقة، ومع ذلك فإن الخيار ليس بين الإهمال أو التسرع في إنشاء منظومة أمنية شاملة للمنطقة بأكملها في ظروف قد لا تكون مواتية للمصالح العربية، والأجدى هو التحرك بقدر من الحكمة والتدرج لتحقيق الأمن والاستقرار على أساس قوة القانون وشرعيته، بدلاً من الاعتماد على الحسابات الأمنية المنفردة أو توازنات القوة المتغيرة.

ومن هذا المنطلق يبدو أن المدخل الأكثر واقعية خلال المرحلة الحالية هو بلورة مفهوم عربي للأمن الجماعي أولاً، على أن يتطور بالتدريج لاحقاً إلى إطار إقليمي أوسع يشمل الشرق الأوسط، ويقوم هذا التوجه على البناء على ما هو قائم من مؤسسات وآليات عربية بدلاً من استبدالها مع تطويرها وتعزيز فاعليتها، ويشمل ذلك طرح مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى العربي، مثل تعزيز آليات تجنب الأزمات وإدارتها، وتشجيع تسوية المنازعات بالطرق السلمية، وتطوير التعاون في مجالات الأمن الإقليمي ونزع السلاح، إضافة إلى التنسيق في مواجهة الكوارث والأزمات الإنسانية وقضايا الأمن المائي وأمن الملاحة.

وكذلك يمكن تطوير آليات عملية للتعاون الأمني العربي ومن بينها إعداد قراءات استباقية للأزمات المحتملة، وتبادل المعلومات حول المناورات والتحركات العسكرية، وتفعيل قنوات الاتصال المباشر بين القيادات العسكرية والسياسية، بما في ذلك إنشاء خطوط اتصال ساخنة لتجنب سوء التقدير في أوقات الأزمات.

ومن المفيد أيضاً تشجيع الدراسات العربية المشتركة حول قضايا الأمن الإقليمي والوطني بين المؤسسات البحثية والإستراتيجية القائمة أو التفكير في إنشاء كلية عربية للدراسات الأمنية والدفاعية تسهم في تطوير فهم مشترك للتحديات الأمنية، ويمكن الاستفادة في هذا السياق من خبرات ترتيبات أمنية قائمة في مناطق أخرى من العالم من، حيث آليات بناء الثقة وإدارة الأزمات.

وقد يكون من العملي أن تبدأ هذه الجهود بصيغ ثنائية أو بين عدد محدود من الدول العربية القادرة والراغبة في التحرك بسرعة، على أن يجري توسيع نطاقها تدريجاً لتشمل الإطار العربي الأوسع، وفي هذا الإطار ينبغي أن تظل جامعة الدول العربية نقطة الارتكاز الأساس في بلورة مفهوم عربي متكامل للأمن يجري تطويره تدريجياً ليشمل لاحقاً البعد الشرق أوسطي، ويمكن أن يقود ذلك في النهاية إلى إنشاء منظمة أمنية للعالم العربي والشرق الأوسط، بما يحافظ على مركزية الهوية العربية في المنطقة مع استيعاب الأطراف الأخرى في إطار متوازن.

ويختلف هذا الطرح عن بعض المبادرات السابقة التي دعت إلى إنشاء منظومة أمن شرق أوسطية تتجاوز البعد العربي أو تهمشه، فقد أنشئت جامعة الدول العربية عام 1945 لتكون إطاراً للتنسيق السياسي بين الدول الأعضاء، وأقرت "معاهدة الدفاع العربي المشترك" التي تنص على الرد الجماعي على أي اعتداء، غير أن تنفيذ هذه المعاهدة ظل دون مستوى الطموحات بسبب تباين الأولويات الوطنية والخارجية بين الدول الأعضاء، ونجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية في تحقيق قدر من التكامل الأمني بين أعضائه من خلال مبادرات مثل قوة درع الجزيرة والتدريبات العسكرية المشتركة وتبادل المعلومات، ومن ثم فإن الحفاظ على هذه المؤسسات وتطويرها يظل عنصراً أساساً في أي تصور مستقبلي للأمن الإقليمي.

ومع التمسك بمبدأ التدرج من الإطار العربي إلى الإطار الشرق أوسطي، يصبح من المهم الاستعداد لمرحلة الحوار مع الأطراف غير العربية، ويتطلب ذلك بلورة مجموعة من المبادئ الأساس للأمن والتعاون الإقليمي التي ينبغي أن تلتزم بها أية دولة ترغب في المشاركة في بناء منظومة أمن إقليمي، ومن أهم هذه المبادئ الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إضافة إلى تحقيق مبدأ الأمن المتساوي لجميع الدول، ويمثل بناء الثقة بين الأطراف عنصراً أساساً في أية منظومة أمنية مستقبلية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إجراءات عملية مثل تجنب الهجمات المفاجئة والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وعدم استهداف الأعيان المدنية أثناء النزاعات.

إن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط يتطلب عملاً جاداً ومتواصلاً يواكب التحولات المتسارعة في المنطقة، وقد أثبتت تجارب الأعوام الأخيرة بوضوح أن الأخطار الإقليمية تظل التحدي الأساس، وأن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية في القضايا الأمنية لا يحقق بالضرورة الأمن والاستقرار المنشودين، ومن هنا فإن بلورة مفهوم متدرج للأمن يبدأ بالمستوى الوطني ثم العربي ثم الإقليمي الشرق أوسطي، تظل ضرورة إستراتيجية للحفاظ على أمن المنطقة ومصالح شعوبها.

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط