كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نخبة تحرس الظل: حين تتحول السمعة إلى درع يحمي الجريمة

نخبة تحرس الظل: حين تتحول السمعة إلى درع يحمي الجريمة

تاريخ النشر: 2026-03-08 | 13:11

لم يكن اسم جيفري إبستاين ليحتل صدارة المشهد العالمي لو كان مجرد رجل يملك ثروة هائلة؛ فالعالم مليء بالمليارديرات، غير أن ما منحه تلك القوة الاستثنائية لم يكن المال وحده، بل شبكة العلاقات التي نسجها بعناية داخل قلب النظام العالمي للنخبة. في نيويورك، المدينة التي لم تعد مجرد جغرافيا بل مركزًا تتقاطع فيه السياسة والمال والنفوذ، وجد إبستاين البيئة المثالية لصناعة شرعيته الاجتماعية، وهناك، حيث تتجاور مقار الأمم المتحدة مع إمبراطوريات المال والثقافة، تتشكل دوائر مغلقة من النفوذ تُحسم داخلها الكثير من مصائر العالم بعيدًا عن أعين الجمهور.

في تلك البيئة، لم يكن إبستاين مجرد رجل ثري، بل وسيطًا بين العوالم المختلفة للنخبة الدولية، كان قادرًا على جمع جنرال متقاعد مع حائز جائزة نوبل، وعلى ترتيب لقاءات بين قادة سياسيين ونجوم مال وأعمال، في شبكة علاقات تبنى فيها المكانة بقدر ما تشترى، ومع مرور الوقت، تحولت تلك الشبكة إلى مظلة سمعة واسعة، جعلت من الصعب على كثيرين تخيل أن الرجل الذي يتنقل بين أروقة النفوذ ويشارك في حفلات الصفوة يمكن أن يخفي خلف صورته العامة عالمًا مظلمًا من الانتهاكات.

لم يكن السؤال الأهم فيما كشفته التحقيقات اللاحقة: من زار جزيرته؟ بل كيف استطاع أن يحيط نفسه بأسماء تعدّ في الوعي العام رموزًا للسلطة أو الأخلاق أو الفكر، فلقد عملت تلك الأسماء، من حيث تدري أو لا تدري، كدرع واقٍ يمنحه الشرعية ويضعف الشكوك. ففي مجتمعات النخبة، غالبًا ما يُستبدل التدقيق الأخلاقي بمعايير المكانة الاجتماعية: من يجلس على موائد الأثرياء ويظهر في مناسباتهم يُفترض تلقائيًا أنه جزء من الدائرة الموثوقة.

ضمن هذه الدائرة ظهرت شخصيات ذات وزن عالمي، فإيهود باراك، الجنرال الإسرائيلي السابق ورئيس الوزراء الأسبق، ارتبط بعلاقة طويلة مع إبستاين امتدت لسنوات، وفي الصورة العامة كان باراك يقدَّم بوصفه رجل دولة وقائدًا عسكريًا لامعًا، اعتاد التفكير الاستراتيجي ومواجهة الأخطار، غير أن هذه الصورة بدت متناقضة مع واقع علاقة استمرت سنوات مع رجل تحيط به شبهات خطيرة، والمفارقة أن القائد الذي بنيت سمعته على الحذر والقدرة على قراءة التهديدات لم يرَ الخطر في محيطه القريب، ربما لأن البيئة التي جمعتهما كانت بيئة نخبوية تُغري بتعليق الأسئلة الصعبة.

وفي السياق ذاته، يبرز اسم شمعون بيريز، السياسي الإسرائيلي المخضرم والحائز على جائزة نوبل للسلام، بيريز، الذي كرّس جزءًا كبيرًا من نشاطه بعد خروجه من السلطة للعمل في مشاريع الحوار والسلام، كان يبحث باستمرار عن داعمين لمؤسساته ومبادراته، وفي مدينة مثل نيويورك، التي تعد مركزًا عالميًا للعمل الخيري والتمويل السياسي، بدا إبستاين في نظر كثيرين مجرد مانح آخر ضمن شبكة واسعة من المتبرعين، غير أن هذه العلاقة تكشف مفارقة عميقة في عالم السياسة: حين يصبح المال عنصرًا حاسمًا في تمويل المبادرات الكبرى، قد تتراجع الأسئلة الأخلاقية حول مصدره، ويختزل الحكم في الأرقام لا في الأشخاص.

أما إيلي فيزل، الكاتب والناجي من المحرقة وأحد أبرز الأصوات الأخلاقية في العالم، فقد مثّل حضوره في تلك الدائرة رمزًا أكثر تعقيدًا، فالرجل الذي كرّس حياته للتذكير بمآسي التاريخ والدفاع عن الضحايا، وجد نفسه ضمن شبكة اجتماعية تضم رجلًا سيُكشف لاحقًا أنه ارتكب انتهاكات جسيمة، وجود شخصية بحجم فيزل في محيط إبستاين لم يكن دليلًا على معرفة مسبقة بما يجري، لكنه يعكس إلى أي حد يمكن للمكانة الاجتماعية أن تصنع وهم الثقة وتغلق الباب أمام الشك.

لم تكن هذه العلاقات صدفة عابرة، بل جزءًا من آلية أوسع في عالم النخب، فكل اسم كبير يرتبط بشخصية مثيرة للجدل يمنحها طبقة إضافية من الشرعية الاجتماعية، ومع تراكم هذه الطبقات، يصبح من الصعب على المجتمع أن يتصور أن شخصًا محاطًا بكل هذا البريق يمكن أن يكون مركزًا لفضيحة أخلاقية بهذا الحجم، وهكذا تتحول السمعة إلى مظلة حماية، ويصبح الضحايا غير مرئيين خلف الضجيج الاجتماعي الذي تصنعه المكانة والنفوذ.

تكشف هذه القصة خللًا أعمق في بنية النخبة العالمية. ففي مجتمعات تمنح فيها السلطة الأخلاقية لشخصيات عامة ذات تأثير واسع، يصبح سقوط تلك الشخصيات أو انخراطها غير المباشر في دوائر مشبوهة ضربة لفكرة المصداقية ذاتها، فعندما يجتمع قادة سياسيون ورموز فكرية وناشطون في فضاء واحد مع شخصية ستنكشف لاحقًا كمرتكب لانتهاكات خطيرة، فإن المسألة لا تتعلق بسمعة أفراد فقط، بل بقدرة النظام الاجتماعي كله على التمييز بين المكانة والأخلاق.

في هذا المعنى، لم تكن نيويورك مجرد مسرح للأحداث، بل نموذجًا لنظام عالمي تُقاس فيه القيمة الاجتماعية بالثروة والنفوذ بقدر ما تقاس بالمعايير الأخلاقية، مدينة تجمع أعلى الخطابات عن العدالة وحقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تحتضن شبكات نفوذ قادرة على إعادة إنتاج الشرعية لمن يملكون المال والعلاقات.

قصة إبستاين، في جوهرها، ليست فقط قصة رجل استغل السلطة والمال لارتكاب جرائم، بل قصة منظومة اجتماعية سمحت بأن يتحول القرب من النخبة إلى شهادة حسن سلوك، إنها تذكير قاسٍ بأن السمعة، مهما بدت براقة، قد تتحول إلى ستار يحجب الحقيقة. والسؤال الذي يظل معلقًا بعد انكشاف كل شيء ليس فقط كيف حدث ذلك، بل إلى أي حد ما زالت تلك الآليات تعمل في صمت داخل عالم لا يزال يمنح النفوذ سلطة تعريف الأخلاق.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط