كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نزع السلاح في غزة تحدي حماس القادم

نزع السلاح في غزة تحدي حماس القادم

تاريخ النشر: 2026-03-12 | 11:51

تشير التسريبات الدبلوماسية في الأشهر الأخيرة إلى إعداد ورقة أمريكية – إقليمية تتضمن مقترحات لإعادة ترتيب الوضع في قطاع غزة بعد الحرب، وعلى رأسها مسألة نزع سلاح الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها حركة حماس. وتتحدث هذه المقترحات عن حزمة من الحوافز السياسية والأمنية، مثل دمج جزء من عناصر الحركة في أجهزة أمنية جديدة أو شرطة مدنية، ومنح عفو لبعض القيادات أو المقاتلين، إضافة إلى إطلاق برنامج واسع لإعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولي وإقليمي.
وكان من المفترض أن يتسلم الوسطاء هذه الورقة الأمريكية خلال الأسبوع الماضي تمهيداً لعرضها على حركة حماس، إلا أن عملية التسليم تأجلت بسبب اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي. وقد أدت العمليات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى تعليق المباحثات المتعلقة بخطة غزة. وكان من المقرر عقد اجتماع بين حركة حماس والوسطاء المصريين والقطريين والأتراك في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه الحرب، إلا أن الاجتماع أُلغي دون تحديد موعد جديد. وأكد مسؤول في الحركة أن المحادثات المتعلقة بالخطة الأمريكية جُمّدت مؤقتاً، في حين وصف مصدر مطلع على عمل “مجلس السلام” التابع للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هذا التأخير بأنه مؤقت وطفيف، مرجعاً إياه أساساً إلى اضطرابات السفر التي أعاقت تنقل الوسطاء والممثلين في المنطقة.
في حال موافقة الحركة على الورقة، تتضمن المقترحات فتح مكتب للوسطاء لمراقبة سلوك الحركة بالتنسيق مع لجنة وطنية فلسطينية، إضافة إلى الإشراف على عملية تسليم السلاح. وتشير المعلومات إلى أن نزع سلاح حماس سيكون تحت إشراف مراقبين دوليين مستقلين، مع برنامج تمويل دولي يهدف إلى إعادة شراء الأسلحة وإعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنية. كما تتضمن الترتيبات تشكيل لجنة وطنية من فصائل غزة تعمل بالتعاون مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة لضمان تسليم جميع الأدوات اللازمة للعمل الحكومي وإعادة تنظيم الإدارة المدنية.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن أن تستجيب حماس فعلاً لمثل هذه الطروحات؟ من الناحية التاريخية، شكل السلاح أحد أهم ركائز شرعية حماس السياسية والتنظيمية. فمنذ تأسيسها خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قدمت الحركة نفسها باعتبارها حركة مقاومة مسلحة قبل أن تكون فاعلاً سياسياً. لذلك فإن التخلي عن السلاح لا يمثل مجرد تعديل تكتيكي في استراتيجيتها، بل تحولاً بنيوياً في طبيعة الحركة وهويتها السياسية. ولهذا السبب ظلت القيادة السياسية والعسكرية للحركة ترفض في معظم المحطات السابقة أي طرح يتضمن نزعاً كاملاً للسلاح، معتبرة أن هذا السلاح يمثل ضمانة في مواجهة إسرائيل.
ومع ذلك، فإن الواقع الإقليمي بعد الحرب في غزة قد يفرض معادلات جديدة. فالحرب الطويلة وما رافقها من دمار واسع في القطاع خلقت ضغطاً إنسانياً واجتماعياً هائلاً، وهو ما قد يدفع شريحة من النخبة السياسية الفلسطينية إلى البحث عن حلول براغماتية تسمح بإعادة إعمار غزة ورفع الحصار، حتى لو تطلب الأمر تعديلات جوهرية في بنية السلطة الأمنية داخل القطاع. كما أن القوى الإقليمية، خصوصاً الدول العربية المنخرطة في الوساطة، تميل إلى صيغة توازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلي ومتطلبات الاستقرار الفلسطيني، وقد حصلت الخطة بالفعل على تعهدات بمليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة من دول الخليج العربية.
عامل آخر قد يؤثر في موقف الحركة يتمثل في البيئة الإقليمية الأوسع، ولا سيما العلاقة مع إيران ومحور الدعم العسكري التقليدي للمقاومة. ويرى بعض صناع القرار في واشنطن أن الحرب على إيران قد تؤدي على المدى الطويل إلى تسريع حل قضية نزع السلاح من خلال إضعاف النفوذ الإيراني الذي لطالما وفر دعماً مالياً وعسكرياً لحماس. فإذا أدت التوترات أو المواجهات الإقليمية إلى تقليص هذا الدعم، فقد تجد الحركة نفسها أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً، ما قد يدفعها إلى التفكير في خيارات سياسية أوسع، مثل التحول التدريجي نحو نموذج شبيه بحركات تحرر أخرى انتقلت من العمل العسكري إلى العمل السياسي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود تيار قوي داخل الحركة يرى أن التخلي عن السلاح، حتى بشكل تدريجي، قد يؤدي إلى تآكل مكانتها داخل الساحة الفلسطينية، خصوصاً في ظل التنافس التاريخي مع القوى الأخرى. ويعتقد هذا التيار أن أي صيغة لنزع السلاح قد تتحول عملياً إلى عملية تفكيك للحركة وإقصائها من المعادلة السياسية والأمنية في غزة، ولهذا تصر الحركة على أن ملف السلاح ليس قضية تخصها وحدها، بل شأن فلسطيني عام يجب أن يُناقش في إطار توافق وطني مع سائر الفصائل.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن تصور عدة مسارات محتملة. يتمثل المسار الأول في رفض حماس لأي خطة تتضمن نزعاً كاملاً للسلاح، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار حالة الجمود السياسي والأمني. أما المسار الثاني فيقوم على القبول المشروط، حيث قد توافق الحركة على مناقشة وضع السلاح تحت وصاية هيئة فلسطينية متفق عليها أو ضمن ضمانات الوسطاء بما يمنع نزعه بالقوة. بينما يتمثل المسار الثالث في القبول بصيغة وسط، وهو المسار الذي تراهن عليه الأطراف الدولية، حيث تقبل الحركة التخلي عن الإدارة المباشرة للقطاع لصالح اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع دمج جزء من كوادرها في أجهزة أمنية مدنية تحت إشراف دولي، مقابل تأجيل ملف السلاح أو تقليصه تدريجياً ضمن ترتيبات طويلة الأمد. أما المسار الرابع، وهو الأقل احتمالاً لكنه غير مستبعد، فيتعلق بإمكانية حدوث تحول استراتيجي داخل الحركة يقود إلى إعادة تعريف دورها كحركة سياسية في المقام الأول.
من منظور تحليلي، يبدو من المستبعد أن تقدم حماس على نزع سلاحها بالكامل في المدى المنظور، لسبب جوهري يتمثل في أن السلاح يمثل ورقة التفاوض الأساسية التي تملكها الحركة. غير أن التطور المحتمل قد يتمثل في تحول تدريجي في وظيفة هذا السلاح من أداة لإدارة الصراع العسكري إلى عنصر ردع دفاعي ضمن تهدئة طويلة الأمد. وقد تسعى الحركة إلى نموذج يجمع بين العمل السياسي والوجود العسكري الرمزي ضمن إطار وطني أوسع.
كما أن تأجيل تسليم الورقة بسبب الحرب على إيران قد يمنح الحركة مساحة إضافية لإعادة تقييم موقفها في ضوء التحولات الإقليمية. فإذا أدت تلك الحرب إلى إضعاف محور الدعم الإيراني، فقد تجد الحركة نفسها مضطرة للتكيف مع بيئة سياسية جديدة تفرض قدراً أكبر من البراغماتية.
في المحصلة، ستتحدد استجابة حماس وفق مزيج معقد من العوامل، من بينها موازين القوى العسكرية على الأرض، والضغوط الإقليمية والدولية، والوضع الإنساني في غزة، إضافة إلى النقاشات الداخلية داخل الحركة نفسها. ولهذا فإن ملف نزع السلاح لا يبدو مجرد بند تقني في مفاوضات سياسية، بل عقدة مركزية قد تحدد ملامح النظام السياسي والأمني في غزة، وربما في الإقليم بأكمله خلال السنوات المقبلة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط