كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نزع السلاح في غزّة والأوهام الثلاثة

نزع السلاح في غزّة والأوهام الثلاثة

تاريخ النشر: 2026-02-11 | 14:48

بعد مضي أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، توقّفت حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل في غزّة، لكن العدوان لم يتوقّف، فقد حلّت محلها حرب أخرى بوتيرة أقلّ حدّةً من جانب واحد، أسفرت عن نحو 600 شهيد وأكثر من 1500 جريح، وتدمير آلاف المنازل والمنشآت، مع توسيع "المنطقة الصفراء" وتقليص المساحة القابلة للحياة في القطاع. لم يُفتح معبر رفح إلا قبل أيام، رغم أنه كان من المفترض أن يُفتح في المرحلة الأولى من الاتفاق، وفتحه أقربُ إلى الإغلاق، بفعل تقليص أعداد المسافرين، وفرض شروط مهينة، والتحكّم بتدفق المساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار. ورغم تشكيل اللجنة التكنوقراطية قبل شهر بقرار من الإدارة الأميركية وبالتنسيق مع إسرائيل، ومرجعيتها "مجلس ترامب" والمكتب التنفيذي بإشراف المبعوث الأممي نيكولاي ميلادينوف وقيادته، لم يُسمح لها بعد بدخول قطاع غزّة، في رسالة واضحة أنّ إسرائيل صاحبة اليد العليا، وكلّ شيء يجري بموافقتها.
يفرض الواقع الجديد الإقرار بأن الكفاح المسلّح ليس الطريق الوحيد من دون التخلّي عن حقّ المقاومة
حتى بعد تسليم آخر جثّة إسرائيلية، لم يتغيّر شيء، بل تصاعد العدوان، وارتفع عدد الشهداء، وأعلن بنيامين نتنياهو صراحةً أن إسرائيل لن تقبل بقوة استقرار دولية ذات طابع رقابي أو لحفظ السلام، بل تريدها قوةً لنزع السلاح، مع رفض مشاركة قوات تركية وغيرها، ورفض عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، ورفض قيام دولة فلسطينية لا في الضفة الغربية والقطاع معاً، ولا حتى في القطاع وحده. وتتصرّف الحكومة الإسرائيلية على أساس أن الوقائع الحالية نهائية، فتبني التحصينات والمنشآت العسكرية، وتؤكّد أن السيادة الأمنية الإسرائيلية ستبقى حتى إشعار آخر.
في هذا السياق، وجد الفلسطينيُّ نفسَه أمام معادلة قسرية: إمّا الإبادة الجماعية أو الفصل العنصري، إمّا الاحتلال المباشر أو "مجلس ترامب" الذي يوفّر المظلّةَ السياسيةَ للاحتلال. وقد سقط الرهان على ترامب والثقة به، ولم يعد من بديل سوى الرهان على الذات الفلسطينية أولاً، وعلى حركة التضامن العالمية ثانياً، ثم على العرب والأصدقاء، مع التمسّك بالحكمة والواقعية والتركيز في الصمود وبقاء الشعب في أرضه وقضيته حيّةً، من دون خضوع أو استسلام، ومن دون مغامرة أو انتحار سياسي.
أمام هذا الواقع، يبرز خطر التمسّك بثلاثة أوهام رئيسة يجب الإقلاع عنها فوراً. الأول أن مرحلة رخاء وإعمار قريبة على الأبواب. هذا وهم منفصل عن الواقع، مع استمرار العدوان، والتحكّم الإسرائيلي بمفاصل الحياة كلّها، واستخدام الإعمار سلاحاً سياسياً مشروطاً بنزع السلاح واستدامة السيطرة الأمنية. الثاني الرهان على عودة السلطة الفلسطينية إلى غزّة بصيغتها الحالية. فالسلطة تُقوَّض في الضفة الغربية وتصبح أكثر وأكثر سلطةً بلا سلطة، ويُدفع بها إلى التحوّل وكيلاً وظيفياً يخدم أهداف الاحتلال، أو إلى الانهيار، تمهيداً لاستبدالها بلجان محلّية إدارية معزولة، على غرار نموذج اللجنة التكنوقراطية في غزّة. ويتمثّل الوهم الثالث في بقاء سلطة الأمر الواقع في غزّة، بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا الوهم أخطرها، لأنه يمكن أن تستخدمه دولة الاحتلال، دولة الفصل العنصري، ذريعةً لاستمرار الحرب الحالية أو العودة إلى حرب الإبادة. فإسرائيل، وفق عقيدتها الأمنية الجديدة بعد 7 من أكتوبر (2023)، لن تسمح بعودة الأمور إلى ما كانت عليه، لا اليوم ولا غداً، وستواصل سياسة الضربات الاستباقية، والمناطق العازلة، والوجود العسكري المباشر، ودعم وكلاء محلّيين، ولن تسمح ببقاء سلطة "حماس".
نيات حكومة نتنياهو واضحة: إبقاء الوضع الراهن والتذرّع بسحب السلاح، إلى حين استكمال التحضير وإيجاد الحقائق على الأرض للضمّ والحسم والتهجير وتعميق الفصل العنصري، وصولاً إلى تجسيد مشروع "إسرائيل الكبرى". وقد أعلنت دولة الاحتلال بوضوح استعدادها لاستخدام القوة لنزع السلاح إذا لم يُنزع بالوسائل "الناعمة"، من دون أيّ استعجال، لأن استمرار الوضع الحالي يخدم أهدافها.
في المقابل، لم نسمع أيَّ إدانةٍ أميركيةٍ للخروقات الإسرائيلية، بل إشادة بما تسمّيها "إنجازات"، وتشديداً متكرّراً على ضرورة نزع سلاح غزّة، ما يوفّر غطاءً وضوءاً أخضرَ لاستمرار العدوان. والأخطر أن الشهور تمضي من دون بدء تفاوض فعلي حول السلاح، رغم إمكانية ذلك في المرحلة الأولى، لاستخدامه ذريعةً لاستمرار العقوبات الجماعية، وبقاء غزّة منطقةً غير قابلة للحياة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لمسألة السلاح، تقوم على التحلّي بأقصى درجات المرونة، وتتضمّن عدم ربط نزع السلاح بأفق سياسي أو بقيام الدولة الفلسطينية أو بالوحدة الوطنية، لأن هذا وذاك شرطان غير قابلين للتحقّق حالياً، وعدم ربطه بمطالب فئوية فصائلية، لأن الحقوق ومصلحة الشعب أهم من مصلحة الأفراد والفصيل؛ بحث خيار تجميع السلاح الثقيل، خصوصاً الصواريخ، ووضعه في أيدٍ صديقة ضمن ترتيبات واضحة، وربط تنظيم السلاح مباشرةً بإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي، فالإعمار الجدّي والسريع وحده يقطع الطريق على التهجير؛ رفض تسليم ما تبقّى من سلاح فردي في ظلّ استمرار الاغتيالات وتسليح العصابات العميلة واعتداءاتها، بما يهدّد السلم الأهلي بالفوضى والفلتان الأمني، إلا إذا توافرت قوة أمنية محلية أو قوة استقرار دولية موثوقة.
الهدف منع تحويل السلاح ذريعةً لاستمرار الحرب أو العودة إلى الإبادة، ومنع عرقلة الإعمار وفتح معبر رفح فتحاً حقيقياً. لا سيّما أن المقاومة نفسها أبدت استعداداً لتنظيم السلاح ووضعه عند جهة صديقة، ولهدنة طويلة الأمد يمكن أن تستمرّ عشر سنوات، تجمّد المقاومة المسلّحة في قطاع غزّة، في ضوء النتائج الكارثية التي وقعت، بعدما دفع أهل القطاع أثماناً تفوق طاقتهم.
تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لمسألة نزع السلاح تقوم على عدم ربطه بالدولة الفلسطينية أو بالوحدة الوطنية
هناك حاجة ملحّة اليوم إلى نقاش وطني جادّ حول أشكال النضال والمقاومة بعد "طوفان الأقصى". فالواقع الجديد يفرض الإقرار بأن الكفاح المسلّح ليس الطريق الوحيد ولا الرئيس في هذه المرحلة، من دون التخلّي عن الحقّ في المقاومة بكل أشكالها، فالمقاومة أوسع من السلاح، والهدف الحقيقي للاحتلال كسر إرادة المقاومة وكسر صمود الشعب وتمسّكه بحقوقه والنضال لتحقيقها، لا مصادرة البنادق.
لقد علّمتنا التجارب السابقة أن تأجيل القرارات تحت أوهام لن تتحقّق، من قبيل الرهان على ترامب أو على تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، وبحجة تحسين شروط التفاوض، قد يؤدّي في النهاية إلى شروط أسوأ، كما حدث في ملفّات التبادل وغيرها. من هنا، فإن المطلوب اليوم هو تقليل الخسائر، وتوفير شروط الصمود الفاعل، وإحباط مخطّط تصفية القضية، وقطع الطريق على فرض الوصاية والبدائل التي تطلّ برأسها بقوة، والعمل الجادّ بمقاربات جديدة لترتيب البيت الفلسطيني على أساس رؤية شاملة للوضع الراهن وآفاقه، وأخذ كل السيناريوهات في الحسبان، خصوصاً المرجّحة، واعتماد سياسات واقعية وطنية وثورية، بالاستناد إلى القواسم المشتركة، وتكامل وطني حول ما يمكن الاتفاق عليه أولاً وصولاً إلى شراكة حقيقية ووحدة وطنية على أساس إجراء تغيير شامل وإعادة صياغة المشروع الوطني والاستراتيجيات المناسبة، بما يحفظ وحدة القضية والأرض والشعب والرواية والحقوق والأهداف، وتشكيل قيادة وطنية موحّدة قادرة على تحقيقه.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط