كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نسائم "ربيع أوروبي"

أطلقوا عليه الزلزال الذي هز أسس الوحدة الأوروبية وقضى على آمال الوحدويين الأوروبيين. آخرون راحوا بعيدا جدا، فاستعاروا من جنوب المتوسط، ما يعرف بثورة الربيع ليصفوا به هذا التطور المذهل، بينما اعتبرت الصحف الرأسمالية الكبرى في أميركا وانكلترا ما حدث جانبا، لا أكثر ولا أقل، من جوانب الحملة الناشبة على النظام الرأسمالي. هذه الحملة التي تسعى، حسب رأي هذه الصحف، للتدليل على أن تجربة الليبرالية الجديدة تسببت في فجوة لا مساواة شاسعة، وأن هذه الفجوة تقف الآن وراء كل مصيبة أو كارثة تحدث في العالم الرأسمالي. هناك أيضا بين قوى اليسار المعتدل في أوروبا من يلقي بالمسؤولية على الأزمة الاقتصادية التي نشبت في العام 2008 ولا تزال مستمرة. فقد دفعت الأزمة حكومات أوروبا إلى انتهاج سياسات تقشف وركود اقتصادي، دفعت بدورها إلى بطالة أشد، فتوتر اجتماعي، امتد ليشمل معظم أنحاء أوروبا الغربية. كانت أحد مظاهر هذا التوتر الزيادة الملموسة في المشاعر العنصرية ضد المهاجرين المسلمين والأفارقة والأوروبيين الشرقيين.
أما التطور الذي استدعى هذا الفيض المتدفق من التعليقات والمواقف السياسية، فهو الزيادة المفـاجئة في نصيب الأحزاب والتيارات المناهضة للوحدة النقدية الأوروبية في الانتخابات التي جرت لشغل مقاعـد البرلمـان الأوروبي. كان وقـع الزيادة مـفاجئا إلى حد جعل كثيرا من ردود الفعل تلـجأ إلى المبالغة في تصوير أبعادها وتقدير نتائجها. فقد ربط أحد ردود الأفعال مثلا بين هذه الزيادة في أصوات اليمين وأحداث أوكرانيا، وبالتحديد سياسات الرئيس بوتين، وخاصة توجهاته القومية المتشددة ودعوته الشعب الروسي إلى العودة للاعـتزاز بوطـنه وسيادته. ظهر في التعليقات وردود الفعل وكأن أوروبا مقبلة على نازية جديدة تزحف من جميع الأنحاء في اتجاه جميع الأنحاء، وظهر فلاديمير بوتين، أو نظام حكمه، وكأنه جوهر هذه النازية الجديدة.
زاد من المبالغات وتهويل الموقف أن اجتماعا طارئا لوزراء الاتحاد الأوروبي تقرر عقده عـلى الفـور، باعتبار أن ما حدث يقع تحت عنوان الأزمة. اعتبروا أيضا أن الحاجة ماسة لاختيار أسماء جديدة بمواصفات مخـتلفة لقيادة الاتحاد الأوروبي خلال سنوات عصيبة قادمة.
من بعيد، أي من هنا في القاهرة مثلا، كان في الإمكان التأمل في ما حدث بهدوء. بدا واضحا بالنسبة لي على الأقل، أن تصعيد الحدث وتضخيمه، تقف وراءهما قوى إعلامية ضخمة، هالها الأمر، أو لعلها توجست شرا من ترابط حدثين: الأول هو الاهتمام الهائل بالكتاب ذائع الصيت الذي يحمل عنوان «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، باعتباره الكيان الذي قام بتشريح المرحلة الرأسمالية الراهنة بشكل لم يسبقه إليه مفكر آخر ماركسي أو غير ماركسي... أما الثاني فهو هذا الصعود المفاجئ للقوى السياسية الأوروبية المناهضة لكثير من ممارسات الاندماج الأوروبي. لم يكن مفاجئا لنا أن نرى الصحف اليمينية الأميركية الأشهر مثل «الوول ستريت جورنال» وجرائد بريطانية متميزة مثل «الفاينانشيال تايمز» تقود صيغ المبالغة في تصوير التطور الانتخابي الأوروبي وأبعاده. لا يخفى بطبيعة الحال أن بعض هذه الصحف يقرأها قبل غيرها، وربما لا يقرأ غيرها، أفراد النخبة الاقتصادية - السياسية الأوروبية، خاصة أن «أوروبا الموحدة» لم تفرز بعد شبكة اتصال وإعلام أوروبية، كالشبكة الإعلامية الأنجلوسكسونية.
بعد يومين من التأمل والدراسة ونشر بيانات جديدة اتضح أن الصعود المفاجئ في أصوات الناخبين المؤيدين للأحزاب المناهضة لـ«اليورو» وهيمنة الاتحاد الأوروبي، لم يقتصر على الناخبين ذوي التوجه اليميني. بمعنى آخر، لم يكن ما حدث دليلا ناصعا كما ادعت الصحف الأنجلوسكسونية، على أن النازية تُبعث من جديد أو تنتعش في أوروبا الغربية، أو أن أوروبا بأسرها تتجه نحو اليمين. صحيح أن حزب السيدة لوبان في فرنسا تخطى بالأصوات التي حصل عليها أصوات حزبَي المحافظين والاشتراكيين اللذين احتكرا السلطة منذ عقود، وصحيح أن حزب الاستقلال البريطاني ذي النزعة اليمينية المتطرفة تقدم في هذه الانتخابات على حزبَي العمال والمحافظين، إلا أنه صحيح أيضا أن حزب سيريزا اليساري اليوناني فاز فوزا ساحقا طارحا برنامجا مناهضا لأوروبا الموحدة، وكذلك تقدم الحزب الإيطالي الذي يقوده السنيور بيبي غريللو، ويعتبر من الأحزاب اليسارية المعتدلة، وحزب «بوديموس» «نستطيع» في إسبانيا.
أحزاب اليمين ظهرت قوية في هذه الانتخابات «الأوروبية المستوى والمسرح»، وربما أقوى من حقيقتها على المسرح المحلي. مثلا «الحزب من أجل الحرية» الهولندي، وحزب «الرابطة الشمالية» في إيطاليا و«حزب الحرية» النمساوي و«حزب فلامس بيلانج» البلجيكي و«الجبهة الوطنية» في فرنسا، و«حزب الفجر الذهبي» النازي التوجه في اليونان، وثلة من أحزاب ثانوية في دول أخرى. هذه الأحزاب ظهرت أقوى من حقيقتها، ولعلها الآن تعتبر هذه القوة حافزا لتحصل على نسبة مماثلة في أول انتخابات قومية قادمة.
من ناحية أخرى، ليست كل هذه الأحزاب اليمينية متفقة تماما على الهدف وعلى البرنامج. كان مثيرا موقف رئيس «حزب الاستقلال» البريطاني الذي فاز بنسبة 27 في المئة بينما لم يحصل حزب العمال إلا على 25 في المئة وحزب المحافظين الحاكم على 24 في المئة، حين قال زعيمه إنه لن يشارك في أي جبهة في البرلمان الأوروبي مع حزب لوبان الفرنسي بسبب ميوله المعادية للسامية. وفى ألمانيا مثلا يتخذ حزب «البديل لألمانيا» موقفا ضد «اليورو» ولكن يؤيد أوروبا الموحدة. وعل كل حال لا يجوز أن نغفل حقيقة هامة وهي أن مشاركة الأحزاب اليمينية في الانتخابات الأوروبية دليل في حد ذاته على أنها تؤمن بالفكرة الأوروبية.
من ناحية ثالثة، رغم هذا الفوز الكبير لأحزاب تنتقد الاتحاد الأوروبي، ما زالت الأحزاب التقليدية المؤيدة للاتحاد ولعمل المفوضية الأوروبية تحتفظ بأغلبية الأصوات في البرلمان الأوروبي. فمن بين 751 مقعدا في البرلمان الأوروبي يحتل المعارضون الجدد ما لا يزيد على 229.
هناك بلا شك ميل أوروبي نحو اليمين، ولعله يوجد في أقاليم أخرى، بدليل الاتجاه المتزايد لتقليص الاهتمام بالديموقراطية، واتجاه متزايد آخر لدعم قوة الدولة في مواجهة تيارات الإصلاح والمشاركة والعدالة الاجتماعية. أستطيع القول بثقة ان هذه الزيادة في أصوات الناخبين الأوروبيين لمصلحة تيارات يمينية ويسارية لم تأت من فراغ، إنما جاءت نتيجة منطقية لاستمرار تداعيات أزمة 2008 الاقتصادية والركود الاقتصادي المتواصل، جاءت متوافقة مع مزاج رافض للنخب السياسية الحاكمة ولاختياراتها، رأينا هذا المزاج بوضوح على المسرح السياسي الإيطالي، ونراه في فرنسا وإسبانيا واليونان، ونراه في صورته الكاشفة في دول الربيع العربي.
كان لا بد أن تنعكس هذه الأحوال على السلوك الانتخابي للمواطنين في معظم أنحاء أوروبا. كان متوقعا مثلا بين أكثرية المتابعين للتطور الاجتماعي وتداعيات الأزمة الاقتصادية في أوروبا أن تتصاعد مشاعر الكراهية وممارسات الرفض للمهاجرين، وهي الكراهية التي يبدو أنها وصلت إلى أوجها في فرنسا واليونان وبريطانيا. انعكست أيضا على أمن أوروبا واستقرارها، فالحادث في أوكرانيا ليس بعيدا تماما عن هذه الأحوال في غرب القارة. الأمر الذي يبدو مؤكدا هو أنها صبت في صالح بوتين الذي استفاد من أزمات أوروبا الغربية ليركز جهوده على مقاومة توسيع الاتحاد الأوروبي، واثقا من أنه في هذه القضية بالذات تتوافق سياسته مع رغبات الناخبين في غرب أوروبا.
رغم التهويل والتضخيم في تصوير نتائج الانتخابات الأوروبية وأبعادها المحـتملة، ما زلـت أعتقد أن انزعاج قادة أوروبا حقيقي. فالنتائج وإن كانت لا تعبر تماما عن اهتمامات عاجلة وحيوية للشعوب، باعتبار أنها تتعلق بانتخـابات لبرلمان أوروبي لا يقرر مباشرة في شؤون داخلية للدول الأعضاء، إلا أنها، أي النتائج، تمثل إنـذارا من الناخبين للمسؤولين الأوروبيـين للتوقف عن تسهيل الهجرة بين دول الاتحاد ومن خـارجـه، وتعلن مرة أخرى، وهو الأهم، أن الشعوب ليست مسـتعدة بعد للتنازل عن سيـادتها لكيان إقليـمي يدار بأشـخاص من جنسيات أخرى يتدخلون في شؤون مواطن عادي لا يعرفهم ولا يستطيع محاسبتهم.

عن الشروق المصرية

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط