كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نصير عاروري والنضال من أجل حق العودة

رحل الأكاديمي الفلسطيني اللامع والمناضل الدؤوب نصير عاروري (1934 ـ 2015)، عن عمر حافل بالعطاء والإنجاز في الميدان الأكاديمي، وبالمثابرة والتضحية والنزاهة في مضمار العمل الوطني الشائك. كرّس عاروري، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس/ دار تموث (1956 ـ 1989) معرفته وخبرته العلمية الرصينة والواسعة في سياسات الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية من أجل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف، وفي مقدمها حق العودة.
وقد عمل نصير في العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية، حيث كان عضواً في مجلس إدارة منظمة «هيومن رايتس واتش/ الشرق الأوسط» (1990 ـ 1992) و «منظمة العفو الدولية/ أميركا» لثلاث دورات (1984 ـ 1990)، كما كان عضواً في المجلس الاستشاري لـ «معهد التحقيقات الجنائية» في لاهاي/ هولندا، وعضواً في «الهيئة الفلسطينية المستقلة لحماية حقوق المواطن» في رام الله منذ تأسيسها العام 1994، وعضواً مشاركاً في «الجمعية العربية لحقوق الإنسان» العام 1982، ومشاركاً رئيساً في صياغة «الميثاق العربي لحقوق الإنسان» 1986.
ومنذ قدومه إلى الولايات المتحدة العام 1954، نشط في أوساط المجتمع الأكاديمي العربي، وكان إلى جانب زميليه إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد عضواً مؤسساً في «رابطة الخريجين العرب الأميركيين» (1968) التي أدت دوراً مهماً في الدفاع عن القضايا العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية، كما كان رئيساً لهذه الرابطة مرتين. وفي العام 1998، شارك في تأسيس «معهد الدراسات العربية» (تاري) في بوسطن وعمل رئيساً لمجلس إدارته حتى العام 2006. وهذا المعهد مؤسسة مدنية أنشئت بهدف تشجيع البحث العلمي عن اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة ودفع هذه الحركة إلى الأمام عبر تحفيز آليات واستراتيجيات التنسيق بين أطرافها، من دون أن تطرح نفسها بديلاً من أي طرف.
أودّ في هذه العجالة تسليط الضوء على نشاط نصير عاروري في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وبشكل خاص حق العودة من خلال معرفتي الشخصية به ومن خلال النشاطات ذات العلاقة التي تشرفت بمشاركته إياها أو بدعوته إليها، بصفتي عضواً ناشطاً في «حركة العودة» منذ تأسيس «مجموعة عائدون» في لبنان (أواخر العام 1999). وسأتوقف في ما يلي عند بعض المحطات التي تقدم بعض الأمثلة فقط عن دور نصير عاروري في دعم قضية اللاجئين والعودة:
ـ مؤتمر العودة وتقرير المصير: في العام 1996 قام نصير عاروري إلى جانب عدد من الأكاديميين الفلسطينيين المرموقين وعلى رأسهم إدوارد سعيد وهشام شرابي وسميح فرسون بطرح فكرة عقد مؤتمر يضم ممثلين عن اللاجئين الفلسطينيين من مناطق الشتات كافة تحت عنوان «مؤتمر العودة وتقرير المصير». وقد جاءت فكرة عقد المؤتمر بعدما بدأ يتبين منذ ذلك الوقت المبكر عقم مفاوضات «أوسلو» والمخاطر التي تتهدد قضية اللاجئين التي رُحّلت إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، وبعدما بدأت تطفو على السطح مخاوف اللاجئين في مخيمات الشتات من احتمال تفريط المفاوض الفلسطيني بحقهم في العودة. ومن الأمثلة التي جسدت تلك المخاوف تداعي نشطاء المجتمع الأهلي إلى عقد المؤتمر الشعبي في مخيم الفارعة/ الضفة الغربية العام 1996 بعد استشعارهم مخاطر المفاوضات على حق العودة. وقد عبّر هذا المؤتمر عن الإرهاصات الأولى لتشكيل مجموعات الدفاع عن حق العودة.
وفي هذا السياق، قام وفد من هؤلاء الأكاديميين يومها بزيارات للبلدان المضيفة اللاجئين الفلسطينيين ومن ضمنها لبنان، للبحث في إمكانية عقد هذا المؤتمر. وفي لبنان قوبلت زيارة الوفد بالترحيب من قبل بعض الشخصيات الوطنية مثل شفيق الحوت والدباغ ورفعت النمر وأبو ماهر اليماني، إضافة إلى مستقلين ونشطاء في المجتمع الأهلي، بينما قوبلت تلك الزيارة بالرفض والتشكيك من قبل الفصائل الفلسطينية الموالية والمعارضة لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» على حد سواء، ولكن كل لأسبابه. ففي حين رفضت فصائل المنظمة فكرة المؤتمر واعتبرتها محاولة غير بريئة لطرح بديل عن «منظمة التحرير»، شككت فصائل المعارضة في وطنية أصحاب الفكرة واعتبرتهم ضالعين في مخططات تصفية القضية الفلسطينية.
ـ مؤتمر بوسطن (حق العودة). في شهر نيسان من العام 2000 عقد «معهد الدراسات العربية» (تاري) الذي كان يرأس مجلس إدارته نصير عاروري آنذاك، بالاشتراك مع جمعية الطلاب العرب في جامعة بوسطن مؤتمر «حق العودة» في مدرسة الحقوق التابعة للجامعة. وشاركت في هذا المؤتمر شخصيات أكاديمية عالمية وعربية وفلسطينية بارزة مثل إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي ونورمان فنكلستاين وإيلان بابيه وسوزان أكرم وغيرهم، وذلك إلى جانب العديد من المنظمات الفلسطينية الناشطة في مجال حق العودة مثل «مركز بديل»/ بيت لحم ومجموعة «عائدون»/ لبنان. وقد صدرت أعمال هذا المؤتمر في كتاب بالانكليزية بعنوان «اللاجئون الفلسطينيون: حق العودة» حرّره نصير عاروري وصدر عن دار النشر الإنكليزية «بلوتو برس» (2001)، ثم ما لبث أن صدر الكتاب في طبعة عربية عن «مركز دراسات الوحدة العربية» (2003). ولقد أحدث هذا الكتاب فور صدور الطبعة الإنكليزية منه صدى واسعاً في أوساط الصحافة العبرية، كما تم وضع تقرير عنه على طاولة رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، حسب ما أوردته الصحف العبرية حينها.
جاءت خريطة المدعوين إلى المؤتمر التي تكونت من أكاديميين ونشطاء في حركة العودة ممن يعملون في أوساط المجتمع الأهلي الفلسطيني واللاجئين لتعكس حرص المنظمين على تجاوز «هفوة» العام 1996، حيث أتت المبادرة لعقد «مؤتمر العودة وتقرير المصير» من النخبة الفلسطينية، من دون إشراك اللاجئين أو من يمثلهم في النقاش حول تلك القضية المصيرية، أي أن المقاربة كانت فوقية من دون تنسيق أو تشاور مع القاعدة، ما قد يكون أحد أسباب تعثرها آنذاك. وهذا ما حاول مؤتمر بوسطن تجاوزه من خلال اعتماد مقاربة قاعدية سمحت بمشاركة لجان العودة الناشطة في الميدان.
ـ الائتلاف الفلسطيني العالمي لحق العودة: أتاحت المقاربة القاعدية التي اعتمدها «مؤتمر بوسطن» للجان ونشطاء العودة التلاقي والتشاور على هامش أعمال المؤتمر والاغتناء بمداولاته، وأسفرت عن تأسيس منظمة «العودة أميركا» التي عرفت لاحقاً باسم «ائتلاف حق العودة في أميركا الشمالية» وعن تشكيل «الائتلاف الفلسطيني العالمي لحق العودة» الذي عقد مؤتمره التأسيسي في لارنكا قبرص (تشرين الأول 2000)، أي بعد ستة شهور فقط من عقد «مؤتمر بوسطن». عقد المؤتمر بمبادرة ودعم من مركز «بديل» (بيت لحم) وشاركت فيه منظمات ولجان العودة الناشطة في فلسطين (بما في ذلك فلسطين 1948) والدول العربية المضيفة (لبنان وسوريا والأردن) وأميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) وأوروبا.
ـ مجموعة «عائدون»: ارتباط نصير عاروري بعلاقة وثيقة مع مجموعة «عائدون» في لبنان وسوريا منذ عقد «مؤتمر بوسطن». فهو لم يبخل عن تقديم النصح والمشورة بل والدعم للمجموعة في الأوقات كلها. وقد تجسدت تلك العلاقة بمشاركته في بعض أنشطة المجموعة وأهمها: ندوة «عائدون» الدولية الثانية عن «الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين في الدول المضيفة» التي عقدت في جامعة دمشق (13ـ14/12/2005). وقد تضمنت تلك الندوة طاولة مستديرة بعنوان «اللاجئون الفلسطينيون بين الحقوق المدنية وحق العودة» أدارها نصير عاروري وشارك في تقديم مداخلاتها الأساسية الراحل عبد الله حوراني (المنسق العام للتجمع الشعبي للدفاع عن حق العودة حينها)، وسلمان أبو ستة (المنسق العام لمؤتمر «العودة»/ لندن)، وماجد الزير (مدير «مركز العودة»/ لندن)، وصلاح صلاح (رئيس لجنة اللاجئين في المجلس الوطني الفلسطيني)، وجابر سليمان (منسق مجموعة «عائدون»/ لبنان).
وفضلاً عن ندوة دمشق الدولية الثانية لبى نصير عاروري برفقة زوجته جويس دعوة مجموعة «عائدون» للمشاركة في الندوة التي نظمتها المجموعة في مدريد/ أسبانيا (19ـ21/5/2009) تحت عنوان «السياسات الشرق أوسطية بين الأسطورة والواقع» بالشراكة مع «جمعية الثقافة والسلام والتضامن» الإسبانية «هايدي سانتاماريا». وقدّم نصير إلى تلك الندوة ورقة رصينة بعنوان «هل حل الدولتين لا يزال ممكناً؟: تقويم كلي للوضع الراهن». وقد أصدر مركز حقوق اللاجئين/ «عائدون» هذه الورقة بالانكليزية ضمن سلسلة «أوراق عائدون ـ رقم 2» (2010).
ترافقت حياة نصير عاروري الأكاديمية المميزة مع دور نضالي مشهود له في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، فالدكتور نصير كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لـ «منظمة التحرير». وتميزت مواقفه الوطنية بالاستقامة والنزاهة والصلابة. ولا نذيع سراً إن قلنا بأنه كان من أشدّ المعارضين لاتفاقيات «أوسلو» ولمجريات عملية السلام، وأنه أصبح من دعاة حل الدولة الديموقراطية الواحدة، بعدما أضحى حل الدولتين عبثياً وغير ممكن.

عن السفير

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط