كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نص المقالالاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات للمنفعة

نص المقالالاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات للمنفعة

تاريخ النشر: 2026-04-11 | 11:51

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة، تبرز على نحو متزايد ظاهرة خطابية وسلوكية تستدعي التوقف والتحليل، تتمثل في تصاعد أساليب الاستعطاف والتزلف داخل المجال العام، سواء في الخطاب السياسي أو الاجتماعي أو حتى الإعلامي. وهي ظاهرة لا تعكس مجرد انحدار في الذوق العام، بل تشير إلى أزمة أعمق في منظومة القيم، واختلال في فهم معنى الانتماء الوطني والالتزام الأخلاقي.
فالعمل لأجل الوطن، في معناه الحقيقي، لا يقوم على طلب الاعتراف أو انتظار الثناء، بل يستند إلى منظومة من المبادئ التي تجعل من الإخلاص والواجب معياراً وحيداً للفعل. وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف أرسطو: "نحن ما نكرره باستمرار، لذا فإن التميز ليس فعلاً، بل عادة"، في إشارة إلى أن القيمة الحقيقية للفرد تُقاس بما يقدمه من عمل ثابت، لا بما يسعى إلى إظهاره من مظاهر شكلية.
غير أن ما نشهده اليوم هو انقلاب في المعايير، حيث أصبح الخطاب القائم على الاستعطاف وسيلة لتحقيق القبول، والتزلف أداة للترقي أو كسب النفوذ. وهذا التحول لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد ليطال بنية المؤسسات، مهدداً بذلك أسس العدالة والكفاءة. وهنا يستحضر قول الفيلسوف نيكولو مكيافيلي: "الناس يحكمون بالظاهر أكثر مما يحكمون بالجوهر"، وهو ما يفسر انجذاب بعض البيئات إلى الخطاب العاطفي المبالغ فيه، حتى وإن كان على حساب الحقيقة.
إن خطورة هذا النمط من السلوك تكمن في كونه يفتح المجال أمام ترسيخ ثقافة النفاق، حيث يُكافأ من يجيد التملق، بينما يُهمّش أصحاب الكفاءة والصدق. وقد عبّر المفكر ابن خلدون عن هذا المعنى حين أشار إلى أن "فساد القيم يؤدي إلى فساد العمران"، في دلالة واضحة على أن تراجع المعايير الأخلاقية ينعكس مباشرة على استقرار المجتمعات وتماسكها.
كما أن الاستعطاف، حين يتحول إلى أداة خطابية، يُسهم في إضعاف الثقة بين أفراد المجتمع، ويعمّق الفجوة بينهم، إذ يُستبدل التقييم الموضوعي للأداء بمشاعر آنية قابلة للتلاعب. وفي هذا الإطار، يحذر الفيلسوف فريدريك نيتشه من "أخلاق القطيع" التي تقوم على الانسياق خلف العاطفة لا العقل، مما يؤدي إلى تآكل الفردية المسؤولة، واستبدالها بسلوك جماعي هش.
ومن زاوية سياسية، فإن استمرار هذا النهج يهدد بإنتاج نخب قائمة على الولاء الشكلي لا الكفاءة، ويقوّض فرص الإصلاح الحقيقي. فالمجتمعات التي تُكافئ التزلف، تعجز عن بناء مؤسسات قوية، لأنها تفتقر إلى معايير واضحة في التقييم والمساءلة. وهنا تبرز أهمية ما قاله المفكر جان جاك روسو: "حين يكون الشعب فاسداً، لا يمكن للقوانين أن تكون صالحة"، في إشارة إلى العلاقة العضوية بين القيم المجتمعية وجودة النظام السياسي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لقيم الصدق والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقافة نقدية تميّز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الدعائي. كما تتطلب بناء وعي جمعي يدرك أن الوطنية ليست خطاباً يُلقى، بل سلوك يُمارس.
وخاتمة القول ؟؟؟ إن الوطن هو أغلى ما نملك، وهو الإطار الجامع الذي تتحدد في ظله معاني الكرامة والانتماء والهوية. ومن يسعى إلى خدمة وطنه بصدق، ويرتقي بمستوى المسؤولية، ويجعل من المصلحة العامة معياراً وحيداً لسلوكه وقراراته، إنما هم الذين يرسّخون أسس البناء الحقيقي للدولة والمجتمع، ويبذلون الغالي والنفيس لصون وحدة الوطن وحماية كرامته وتعزيز صموده في مواجهة التحديات.
أما أولئك النفعيون الذين يجعلون من المصلحة الشخصية بديلاً عن المصلحة العامة، ويقدّمون مكاسبهم الآنية على حساب المصلحة الوطنية العليا، فهم في المحصلة عبء على أي مشروع وطني حقيقي، وعامل إضعاف لا قوة، مهما حاولوا تجميل خطابهم أو التخفّي خلف شعارات براقة. فالتاريخ لا يخلّد إلا أصحاب المواقف، ولا يمنح شرعية البقاء إلا لمن قدّموا فعلاً لا قولاً، وبنوا لا استنزفوا، وأخلصوا لا تملّقوا.
وفي النهاية، تبقى الأوطان عصيّة على التزوير، لا يحميها إلا الصادقون، ولا ينهض بها إلا المؤمنون بها فعلاً لا ادعاءً.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط