كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نظرة جديدة على المسألة السودانية

نظرة جديدة على المسألة السودانية

تاريخ النشر: 2023-04-27 | 11:18

مضت ثلاث عشرة سنة تقريباً منذ كتبت مقالاً في «الأهرام» الغرّاء بتاريخ 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2010 بعنوان «نظرة أخرى على المسألة السودانية»، وجاء في فقرته الأولى ما يلي «لا بد من التفكير فيما لم يكن ممكناً التفكير فيه حتى وقت قريب، ولا بد من التفكير وفق طرق غير تقليدية وغير ما تعودنا عليه في ظروف سابقة، ولا بد من التفكير في نتائج أسوأ السيناريوهات المتاحة في المسألة السودانية والتي تقوم على انتهاء الاستفتاء المتوقع في التاسع من يناير (كانون الثاني) القادم على حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان إلى قرار بالانفصال عن الدولة السودانية مصحوباً بموجات جديدة من العنف في شمال وجنوب السودان، وما بين الدولة الوليدة والدولة الأم. قد يبدو هذا السيناريو متشائماً للغاية، ومن الجائز أن تسود سيناريوهات أخرى أكثر تفاؤلاً كما هو سائد لدى الحكومة السودانية في أن يكون الاختيار الجنوبي هو استمرار الوحدة السودانية؛ أو أن يجري الانفصال دون عنف أو ضمن إطار كونفدرالي مريح للطرفين، حيث يظهر الجنوب منفصلاً مستقلاً، ويستطيع الشمال الحديث عن وحدة لا تنفصم أبداً. كل ذلك، والنقاش حوله لا بأس به لأن لكل سيناريو مناصريه، ومن الممكن أن يدخل العرّافون والسحرة إلى الساحة لكي يدلي كل منهم بدلوه في ساحة التنبؤات».
وكما هو واضح، فإن الموقف كان لحظة حاسمة في تاريخ السودان بين بقاء الدولة على حالها موحدة ومتماسكة، أو يكون هناك انقسام وانفصال، وفي الحالتين لم يكن معلوماً كيف سيكون الحال وكيف ستكون علاقات الطرفين مع بعضهما بعد أن يمض كلٌ منهما إلى حال سبيله. النتيجة الآن نعرفها، وهي أن أسوأ السيناريوهات جاءت إلى الحقيقة، ولم يحدث الانفصال فحسب وإنما تلاه عنف كثير، سواء في الدولة الجديدة لجنوب السودان أو دولة المنبع جمهورية السودان. لم يكن قد هلّ بعد «الربيع العربي» حتى ولو كان ما جرى في السودان تعبيراً عن نبوءة مروعة قد تحققت، أو كابوساً مزعجاً لا يقظة منه.
أو على الأقل، فإن ذلك هو ما نشاهده الآن في السودان، وساعة كتابة المقال قبل أيام عيد الفطر فإن ضحايا العنف تتزايد، بينما الصيحات الدولية والإقليمية كلها تدعو إلى وقف إطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إما مراعاة لأيام مفترجة في الشهر الكريم، أو بحثاً عن فجوة زمنية تسمح بالتفاوض والمساومة في أيام عيد الفطر، وكلتا الحالتين فيها نوع من التغاضي عن حقيقة مهمة، وهي أن كلا الطرفين لم يكن ليبدأ العمليات العسكرية إلا إذا كانت لديه الخطط والاستعدادات للتخلص من وجود الطرف الآخر. ما غاب أيضاً عن الفكر هو النموذج الذي على أساسه لا يكون حل المسألة السودانية، وإنما يدفعها إلى التقدم، والحفاظ على دولة موحدة على الأقل ضمن الحدود الراهنة للسودان. واضح أن الدبلوماسية تحاول كسب المزيد من الوقت والأرضية لتجنب أسوأ السيناريوهات وهي تعطي للطرفين في السودان غطاءً لإعلان النصر؛ ولكن كما يبدو لنا، وقد نكون من المخطئين، أن كلا الطرفين مهتم أكثر بإلحاق الهزيمة بالطرف الآخر بعد فترة من المعاناة والتوتر والإحباط والدماء التي سالت بينهما. ما يقلق هنا أن الصدام بين طرفين من «المكون العسكري» السوداني يكاد يغفل أن التفاعلات الجارية تتردد أصداؤها في الأقاليم السودانية المختلفة؛ كما تخلق حالة من البحث عن الفرص في دول قريبة؛ ولن نستبعد كثيراً أن انعكاسات الصراع الدولي الجاري حول أوكرانيا يمكن أن يكون له أصداؤه في السودان.
الزلزال السوداني الحالي ليس جديداً على المنطقة، وعندما جرى الزلزال الأعظم في مطلع العقد الماضي ونهايته فيما سُمي الربيع العربي نجم عنه نموذجان للدولة العربية. أولها لا يختلف كثيراً عن الحالة الراهنة في السودان، حيث تمتزج الصدامات المسلحة، مع التفكيك العرقي، والمراوحة بين العنف ووقف إطلاق النار، والوصول إلى اختلال مواتي لأطماع أجنبية لم تكن بالضرورة تخطط للواقع التي تراه، ولكنها تجد فرصاً لا بأس من انتهازها. ثانيها أفاقته الصدمة إلى ما كان في الماضي من أخطاء وطرق مسدودة؛ وإلى حقيقة أن المستقبل لا بد أن يكون مختلفاً عن كل ما سبق. ظهرت الدولة العربية الإصلاحية القائمة على «الدولة الوطنية» و«التنمية المستدامة» من خلال رؤية تضع الهدف وترصد الطريق، و«تجديد الفكر الديني والمدني» في اتجاهات المعاصرة والمنافسة والسباق السلمي مع العالم في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والإبداع والابتكار. والحقيقة، أنه لا يوجد خيار ثالث بين النموذجين، والفارق بينهما في النظر إلى الأزمة السودانية الراهنة هو أن النموذج الثاني الإصلاحي لديه المرجعية التي من خلالها يكون الاقتراب من حل المسألة السودانية وليس مجرد تضميد جراحها مؤقتاً ومنعها من نزيف آخر.
الحالة السودانية الراهنة نجمت عن حالة موجة جديدة من الربيع العربي ساد الظن أنها ربما تكون قد تعلمت من أخطاء ومآسي الموجة الأولى، ولكنها منذ اللحظة الأولى وبعد التخلص من نظام البشير قامت على فرضية التقسيم ما بين «المكون العسكري» و«المكون المدني» وليس الانتماء إلى دولة واحدة ووطن واحد. وبهذا المعنى، فإن كل مكون منهما كان مقسماً هو الآخر، وبينما كان العسكري مسلحاً بسلاحين، واحد منهما للقتال والآخر للردع، فإن المدني كان مسلحاً باستمرار الشارع في مظاهراته واعتصاماته التي لا تنقطع.
في الحالتين لم يكن هناك مشروع وطني لبناء السودان الجديد؛ وكأنه كان معروفاً أنه طالما كان ذلك كذلك فقد اتفق الجميع على فترة انتقالية قوامها ثلاث سنوات لم يكن بالضرورة مطلوباً منها التفكير في البناء، وإنما التفاوض والمساومة والمناطحة الكلامية والحوار «الساكت»، ونوبات الصدام وساعات التهدئة، ولكن لا شيء في الواقع السوداني يتغير اللهم إلا إذا كان الاتجاه إلى ما هو أسوأ. وهي حالة تسير في الاتجاه المعاكس لما تحاول دول الإصلاح العربية أن تبنيه في الإقليم من توسيع رقعة الإصلاح وتوسيع مساحة البناء وتقريب المستقبل إلى ساحة الحاضر. وفي إطارها، فإن السودان من الحجم والمكانة والتاريخ بحيث لا ينبغي لها أن تترك لحالها.
وإذا كان نظام الإصلاح العربي يقوم حالياً بمحاولة جذب سوريا إلى تجاوز مأساتها ورتق جراحها؛ فإنه لن يكون من الحكمة أن تحل السودان محل سوريا في ساحة الصدامات التي لا تنتهي.
الأمر يحتاج ليس فقط إلى عقد اجتماعات الجامعة العربية، أو إلى المناداة على الأطراف أن تتوقف عن العنف وتحترم وقف إطلاق النار؛ وإنما أن يكون هناك من الصراحة ما يكفي للقول إن الدولة الوطنية لا تعرف إلا احتكار القوة الشرعية لسلاح واحد؛ وأن الدولة السودانية لا بد أن تكون تعبيراً عن مشروع وطني واحد مصمم على تجاوز الواقع البائس إلى حقيقة مشرقة لكل السودانيين.
عن الشرق الأوسط

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط