كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نظرةٌ في أعمالِ المؤتمرِ الشعبي لفلسطينيي الخارجِ

نظرةٌ في أعمالِ المؤتمرِ الشعبي لفلسطينيي الخارجِ

تاريخ النشر: 2022-03-02 | 09:23

على مدى ثلاثة أيامٍ ولياليهن، في ربوع القسم الأسيوي الهادئ من العاصمة التركية اسطنبول، بعيداً عن الصخب والضوضاء، والأسواق التجارية والمناطق السياحية، وحركة الناس الدؤوبة التي لا تنقطع، وسيل السيارات والحافلات ووسائل النقل التي لا تتوقف، وفي فندقٍ ضخمٍ مترامي الأطراف مخصصٍ للمؤتمرات والمعارض، يطل على البحر ويشرف على مداخل المدينة، ويترائى للعابرين كأنه قلعةٌ قديمةٌ أو قصرٌ مشيدٌ، اتسعت غرفه المتنوعة وقاعاته الكثيرة لأكثر من ألف عضوٍ ومشاركٍ، جاؤوا من أكثر من خمسين دولةٍ عربيةٍ وأجنبية، يمثلون شتات الشعب الفلسطيني، ويعبرون عن كل مناطق لجوئه، ويرسمون بجمعهم جغرافية وطنهم، وحدود بلادهم التاريخية، ويشكلون بتنوعهم القشيب نسيج فلسطين الاجتماعي، وألوانها الطبيعية ومشاربها الفكرية.

 

هو الانعقاد الثاني لمؤتمر فلسطينيي الخارج، الذي كان أوله في العام 2017، وحضره ما يزيد عن ستة آلاف مشاركٍ، من البلاد العربية والدول الأجنبية، ومن قاطني القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية، وقد أريد له في حينه أن يكون برلمان الفلسطينيين في الخارج، ومجلسهم الوطني في الشتات، ومنبرهم الحر في بلاد الغربة واللجوء، وإطارهم العام الذي يعبر عنهم وينطق باسمهم، ويبين مواقفهم ويصوغ سياستهم، وجهازهم الرقابي الذي يراقب أداء القيادة الفلسطينية، ويرصد سياستها ويحاسب قادتها، وينبه ويحذر مسؤوليها، سواء كانوا يمثلون السلطة الفلسطينية بإطارها الرسمي، أو فصائل المقاومة بتمثيلها الشعبي.

 

بذل منظمو المؤتمر، والمشرفون على انعقاده، الذين يُشكرون ويُقدرون، جهوداً مضنيةً لضمان جمع أعضائه الذين تجاوزوا الألف عدداً، ونجاح أعماله المنوطة به والمأمولة منه، وتذليل الصعاب التي تحول دون انعقاده، وتأمين فرصة استضافته وكلفة انعقاده، وعملت اللجنة التحضيرية بدأبٍ ونشاطٍ لفترةٍ طويلةٍ، تتابع المرشحين وتتواصل مع الموافقين، وتوجه الدعوات إلى ضيوف الشرف العرب، الذين حرصوا أن يكون لهم دور في تشجيع الفلسطينيين وحماية قضيتهم، وتحصين مشروعهم، ومحضهم النصح السديد والرأي الرشيد.

 

لم تكن فكرة تأسيس مؤتمر فلسطينيي الخارج فكرةً اعتباطية، أو عملاً عبثياً، أو رغبةً مزاجيةً لا هدف لها ولا غايةً منها، كما لم يكن المؤتمر مناكفاً للمؤسسات الفلسطينية، أو منافساً لها، أو ساعياً للحلول مكانها أو القيام بأدوارها، بالقدر الذي كان يتطلع إلى تحصين القضية الفلسطينية، وتصويب مسارها، وفضح ومحاسبة المنحرفين والمفرطين من قيادتها، وتمكين عامة الفلسطينيين من التعبير عن مواقفهم، وبيان آرائهم فيما يتعلق بقضيتهم، وهم الذين هُمِّشوا عمداً وأُهملوا قصداً، وأُسقطَ دورهم في الوطن، وشطب حقهم في العودة إليه، رغم أن عددهم يناهز عدد الفلسطينيين المرابطين في الوطن، ويكاد يصل إلى سبعة ملايين فلسطيني.

 

فهل نجح المؤتمر في مهمته، وأدى الرسالة التي انبرى لها وتطوع للقيام بها، وحقق الغاية التي انطلق أساساً لأجلها، واستطاع أن يكون حقاً برلمان الفلسطينيين في الخارج، وصوتهم الحر وضميرهم الثائر اليقظ، أم أنه فشل في المهمة، واكتفى من المؤتمر بالجلسة الافتتاحية، التي نقلت الصورة ورفعت الصوت، واستعاض عن الأهداف الكثيرة التي أعلن عنها بشعاراتٍ رفعها، وندواتٍ عقدها، ومعارض نظمها، وحفلاتٍ فنيةٍ كان لها أثرها، ولقاءاتٍ جانبية كثيرة لا نقلل من قيمتها، ولا نبخسها حقها، ولا نستخف بحاجتنا إليها، سواء للتعارف الجديد والتشبيك المتين، أو لتجديد القديم وتأطير القائم، وتبادل الأفكار وتنسيق الجهود.

 

الحقيقة أن المؤتمر قد نجح في تحقيق بعض ما ذكرت أعلاه، وتمكن من تجديد العهد ومواصلة المسيرة لأربعة سنواتٍ قادمة، وهو أشد ما يكون حماسةً واندفاعاً نحو العمل المقاوم، وقد شد الرحال إليه وشارك فيه مئات الفلسطينيين على نفقتهم الخاصة، جاؤوا من أماكن بعيدة وأخرى قريبة، وتحملوا مشاق السفر وتكاليف الإقامة، ولم يبدوا تبرماً أو ضيقاً، أو سخطاً وضيقاً، بل اعتبروا ذلك مساهمةً منهم في النضال في سبيل تحرير وطنهم وتطهير بلادهم.

 

لكن المؤتمر بعمومه، أو القائمين عليه والمشرفين والمنظمين الذين لا نشك في جهودهم وتضحياتهم، ولا نتهمهم في نواياهم ومقاصدهم، قد خانتهم الحكمة وجانبهم الصواب في أكثر من موطنٍ، وظهرت أخطاؤهم وبانت عيوبهم، فأصاب مؤتمرهم عوارٌ في الشكل والمضمون، وخللٌ في المهمة والرسالة، وانحرافٌ عن الهدف والغاية، ولربما ما كانوا يقصدون ذلك أو يتعمدون وقوعه، لكن الوقائع لا تحابي أحداً، والنتائج لا تخطئ التقدير ولا تضل في الأحكام.

 

كان ينبغي على اللجنة التحضيرية للمؤتمر أن تنتقي وتختار، وأن تمحص في الأسماء وتدقق في الدعوات، وأن تجتهد في دعوة النخب والكفاءات، وأصحاب الخبرة والتجربة، والفكر والمعرفة، والدور والتأثير، والعمق والتحليل، ممن يستطيعون القيام بالمهمة المنوطة بالمؤتمر خير قيام، ويمثلون الشتات الفلسطيني أفضل وأشمل تمثيلٍ، ولا تركز على العدد والشكل فقط وتهمل الطاقات وأصاحاب الكفاءة والهمم.

 

علماً أنني لا أحط من قدر المدعوين، ولا أقلل من شأنهم، ولا أستخف بقدراتهم، فكونهم فلسطينيين يكفي، إذ لا يوجد فلسطيني لا يعي السياسة ولا يفهم أسرار القضية، أو لا يحسن العمل لها والدفاع عنها، أو يتردد في المقاومة من أجلها والتضحية في سبيلها، ورغم ذلك فقد كان ينبغي أن تجتهد اللجنة التحضيرية في انتقاء الأفضل والأفعل، والأكثر حضوراً والأصدق تمثيلاً.

 

ويُعاب على المؤتمر أنه كان ذا لونٍ واحدٍ تقريباً، وأن أغلب المشاركين فيه ينتسبون إلى تيارٍ سياسي واحدٍ، وقد كانت لهم الغلبة والحظوة، والأولوية والأفضلية، في حين غابت فئات الشعب الفلسطيني ومكوناته السياسية والفكرية والاجتماعية، ولم تتمثل التيارات الأخرى أو الشخصيات المستقلة إلا بالقليل الذي لا يكاد يذكر، ومن شارك منهم لم يكن لهم دورٌ حقيقي ينافس، ولا مشاركة تعادل، أو مساهمة توازي دور الأغلبية، وقد شعر بعضهم بالغربة والإقصاء، والتغييب والتهميش، مما دعى بعضهم إلى العزوف والانكفاء، وخفوت الهمة واستعجال العودة.

 

كما شَابَ عملية الانتخاب بكل مستوياتها عيوبٌ كثيرة، يمكن الطعن فيها وإن كانت لا ترقى إلى إلغاء النتائج وعدم الاعتراف بها، فقد تشكلت قوائم مسبقة تشبه "الكوتات" والحصص المناطقية والشخصية المنظمة، طغى فيها التأثير على الناخبين وتوجيههم، فيما تم فرض التوافقات الخلفية بتسمية وفرض أسماء محددة، قد لا يعرفها أغلب المشاركين، مما حَدَّ من حق الناخبين في الاختيار السري الحر، وأشعرهم بأن التسويات معدة، والتشكيلات منظمة، وأنه لا دور لهم سوى القبول والموافقة، برفع الأيدي أو بالتصويت السري المعروفة نتيجته.

 

أما المنسقيات الممثلة لدول اللجوء والشتات، فلم يكن بينها توازنٌ واعتدال، أو تمثيلٌ حقيقي لفلسطينيي الاغتراب، فقد مَثَّلَهَم من حضر من الدول، وقد كان بالإمكان دعوة غيرهم أو انتقاء سواهم، حيث فرضت القلة والمحدودية في الحضور تسمية من حضر بالتزكية ممثلين عن مناطقهم، فيما يشبه التعيين وتعبئة الفراغ، وقد كان حرياً مراعاة دعوة كل الساحات بما يضمن التنافس الحر والتمثيل العادل والشامل.

 

كما فقد المؤتمر دوره الحقيقي الذي انطلق من أجله، وتشكل أساسه، فقد أريد له كما بينتُ سابقاً، أن يكون برلمان الفلسطينيين في الخارج، وأن يناقض القضايا الوطنية والهموم الشعبية ومستقبل القضية الفلسطينية، لكن ما أظهرته حصيلة السنوات الأربعة الماضية، وفقرات الانعقاد الثاني، أظهرت المؤتمر وكأنه جميعة خيرية، أو مؤسسة منظمة ترعى الإبداعات وتشجع المبادرات، وتنظم الاحتفالات، وتنسق للقاءات، وقد كان حرياً بؤتمر به أن يكون صنواً للمجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني، وأن يقوم مقامهما في الخارج، ويناقش القضايا التي أصدرا فيها قراراتٍ مصيريةٍ تتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، ولكن الحقيقة أن المؤتمر تخلى عن مهمته، واستبدل دوره بأدوارٍ شكليةٍ قد يستطيع القيام بها غيره من المؤتمرات والمؤسسات والجمعيات.

 

وقد كان من الممكن أن يكون لمؤتمر فلسطينيي الخارج دورٌ كبيرٌ وتأثيرٌ واسعٌ على مستقبل القضية الفلسطينية، وهو مهيأٌ للعب هذا الدور والتميز به، بالنظر إلى الحرية التي يتمتع بها فلسطينيو الخارج، وتنوعهم الكبير وانتشارهم الواسع، وخبرتهم العميقة وتجربتهم الطويلة، فضلاً عن حرصهم وصدقهم، وإخلاصهم ووفائهم، وقدراتهم وإمكانياتهم، واستقلالهم وحريتهم، مما يؤهلهم لأن يجعلهم أفضل رسلٍ لقضيتهم، وأبلغ سفراء لشعبهم، وأصدق روادٍ لأهلهم.

 

رغم الملاحظات التي سبقت، والعيوب التي ظهرت، والعوار الذي طرأ، إلا أن فكرة المؤتمر رائدة، ومستقبله واعدٌ، ودوره مطلوب، ومهامه كثيرة، وقدراته كبيرة، مما يفرض علينا الاهتمام به أكثر، والحرص على التمثيل الأوسع، ليكون الأشمل والأصدق، والعمل على تطويره وتحسين دوره ليكون الصوت الأعلى، والضمير الأنقى، والجهد الأسنى، والمؤسسة الأبقى، والتمثيل الأسمى والمثال الأندى للشعب الفلسطيني كله.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط