كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نقطة الانطلاق الفلسطينية... الأسئلة الكُبرى والشروع في الإجابة

نقطة الانطلاق الفلسطينية... الأسئلة الكُبرى والشروع في الإجابة

تاريخ النشر: 2026-06-02 | 11:57

من محاسن المؤتمر الثامن لحركة فتح (على قلّة تلك المحاسن) أنّه وفّر فرصة لإثارة الأسئلة الكُبرى التي قفز من فوقها المؤتمر نفسه، ولم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقّه من بقية أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية. من هذه الأسئلة: هل يمكن إصلاح الحركة الوطنية الفلسطينية وتجديدها وإعادة بنائها أو حتّى تغييرها، أم أنّ الزمن تجاوز إمكانية الإصلاح والتجديد والتغيير؟ لنجد أنفسنا أمام سؤال آخر: هل ثمّة حاجة إلى ميلاد حركة وطنية جديدة، وإذا كان ذلك ضرورياً وممكناً، فما متطلّباته وشروطه؟ وما يجعل هذا السؤال مطروحاً بإلحاح هو وصول الحركة الوطنية الفلسطينية، بمختلف ألوانها واستراتيجياتها، إلى طريق مسدود. فمع الأخذ بالفوارق الكبيرة بين استراتيجية المقاومة واستراتيجية المفاوضات، لم تتحرّر فلسطين، ولا تحرّر أيّ جزء منها تحرّراً ناجزاً، ولم يتحقّق استقلال دولة فلسطين. بل أصبحنا في وضع أكثر صعوبةً، نواجه استمرار الإبادة والتهجير بوتائر أقلّ، وعبر تدمير السلطة في القطاع ودفعه نحو الفوضى تحت غطاء مجلس الوصاية الاستعماري، وفرض السيادة والضمّ الزاحف في الضفّة وتقويض السلطة، وذلك رغم التضحيات الجسيمة والبطولات والصمود الأسطوري والمقاومة الباسلة. والأكثر أهمية من الوصول إلى هذا المأزق، أنّه لا يوجد من يطرح مساراً جديداً أو بديلاً واضحاً له وزن ويحمل آفاقاً واعدةً ويبعث على الأمل في تحقيق الأهداف الوطنية.
ومن هذه الأسئلة أيضاً: هل يمكن إصلاح منظّمة التحرير الفلسطينية أو إحياؤها بإعادة بنائها وتجديد مؤسّساتها على أسس وطنية وديمقراطية وشراكة حقيقية، أم أنّ هناك حاجة إلى بناء مؤسّسة وطنية جامعة جديدة تستند إلى الحقائق والمتغيّرات الراهنة، وإلى الدروس المستخلَصة من التجارب السابقة؟ لهذا السؤال ما يبرّره؛ فالمنظّمة وُضعت منذ فترة طويلة في الثلّاجة عملياً، وفرّغت مؤسّساتها، وأصبحت إطاراً طارداً بدلاً من أن تكون كياناً وطنياً جامعاً، وأصبحت أداةً في يد السلطة التي تدير سكّاناً تحت الاحتلال، بدلاً من أن تكون السلطة أداةً من أدوات المنظّمة تساعدها على إنهاء الاحتلال.
يبرز كذلك سؤال آخر: مَن يسبق مَن، بلورة الرؤية الوطنية الشاملة الجديدة أم بناء المؤسّسة الوطنية الجامعة؟ فلا يكفي القول إنّ المشروع الوطني معروف، وإنّ الثوابت الوطنية لا تتغيّر. فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وما كان مطروحاً في عام 1964 عند تأسيس منظّمة التحرير، أو خلال الستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي في زمن نهوض حركات التحرّر الوطني والطبقة العاملة وقوى التقدّم والعالم ثنائي القطبية، ليس بالضرورة صالحاً اليوم بعد التحوّلات العاصفة فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً في ظلّ عالم وإقليم متغيّرَين ينهار فيهما النظام القديم، وتتزايد إرهاصات ولادة العالم الجديد الذي لم يولد بعد.
ربّما تكون الأولوية لبلورة الرؤية من حيث المبدأ، بينما تكون الأولوية للمؤسّسة من حيث الحاجة والقدرة على التجسيد والتنفيذ. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، قد تكون نقطة البداية العملية هي الاتفاق على الأسئلة الكُبرى أكثر من الاتفاق على الإجابات النهائية. فالتوافق على أنّ المشروع الوطني يمرّ بمأزق عميق بنيوي شامل متعدّد الأسباب والجذور ومنعكس على القيادة والمؤسّسة وأشكال العمل والنضال، وأنّ هناك حاجة إلى إعادة بناء التمثيل الوطني وتعريف المشروع الوطني، وتجديد البرنامج السياسي، وتبنّي أشكال النضال القادرة على تحقيقه... هذا التوافق على ما سبق يمكن أن يشكّل أساساً لإطلاق مسار جديد. فلا يمكن بناء مؤسّسة وطنية جامعة من دون حدٍّ أدنى من الاتفاق على أسئلة جوهرية: ما الهدف المركزي الناظم؟ وما الأهداف المنبثقة منه؟ وما طبيعة المرحلة؟ وما الأولوية الآن، الصمود والبقاء وإحباط الأهداف والمخطّطات المعادية أم تحقيق الأهداف الوطنية؟ وما الوظيفة المطلوبة من هذه المؤسّسة؟ وإلا تحوّلت إلى إطار يجمع التناقضات من كلّ الأنواع من دون قدرة على العمل، الأمر الذي يقود إلى الشلل أو التفكّك أو التآكل الذاتي. وفي المقابل، لا يمكن للرؤية أن تتحوّل إلى قوّة مادية من دون مؤسّسة أو إطار سياسي واجتماعي كفاحي يحملها ويترجمها إلى برامج وسياسات وموازين قوى. لذلك، قد يكون الأدقّ القول إنّ المطلوب ليس انتظار اكتمال الرؤية لبناء المؤسّسة، ولا انتظار قيام المؤسّسة لإنتاج الرؤية، بل السير في مسارَين متوازيَين ومتزامنَين. فالأولوية ليست للرؤية أو المؤسّسة كلّ على حدة، بل لخلق نواة تاريخية تجمع بينهما: مجموعة من القوى والشخصيات والحراكات والمبادرات التي تتّفق على حدّ أدنى من الرؤية، وتبدأ في الوقت نفسه ببناء إطار جامع وتشرع في العمل من دون إبطاء. فالرؤية من دون حامل سياسي تبقى مجرّد فكرة، والمؤسّسة من دون رؤية تتحوّل إلى هيكل فارغ أو إلى ساحة صراع على النفوذ.
ويبقى سؤالان آخران: ما هي الرؤية المطلوبة؟ وما مكوّناتها؟... لا توجد رؤية صحيحة واحدة بالمعنى المطلق، ولكن يمكن الحديث عن رؤية أكثر قدرة على الاستجابة للتحدّيات القائمة، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإجماع الوطني والفعّالية السياسية.
لا يبدأ البحث عن الرؤية من الرغبات والأماني، بل من الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية: ما طبيعة الصراع اليوم وخصائصه المميّزة؟ ما السردية الفلسطينية وحجر الأساس المتمثّل في وحدة القضية والأرض والشعب؟ وما الحقوق الأساسية والأهداف الوطنية الكُبرى، وكيف يمكن تحقيقها؟ وما موازين القوى القائمة؟ وما المتغيّرات الحاصلة والمحتملة؟ وما الممكن تحقيقه في هذه المرحلة، وما الذي يمكن تأجيله إلى مراحل لاحقة؟
خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل الانتخابات، في الظروف الراهنة، غير كافية بل وقد تكون مضللة إذا اعتُبرت المدخل أو الحلّ السحري
كما ينبغي تحديد الموارد والأدوات وأشكال النضال المتاحة للشعب الفلسطيني والقادرة على تحقيق الأهداف، بأسرع وقت وأقلّ التكاليف، وما يمكن الاستفادة منه من إمكانات الأشقاء والأصدقاء والحلفاء حيث الكفاح المطلوب رغم وجهه الفلسطيني فإنّ له أبعاداً عربيةً وإسلاميةً وإنسانيةً تحرّريةً عالميةّ، فليس الصحيح الإمعان في استقلالية القرار الفلسطيني، ولا ذوبانه في الأبعاد العربية أو الإسلامية أو الإنسانية. ومن الأسئلة المشروعة التي تحتاج إلى إجابة : لماذا لم تنجح المبادرات والحراكات التي انطلقت من داخل الفصائل والأحزاب ومن خارجها في إصلاح وتجديد الحركة الوطنية أو تغييرها أو في ميلاد حركة جديدة وما متطلّبات نجاحها؟
ومن العناصر الضرورية كذلك اعتماد المرونة الاستراتيجية، إذ لا تُختزل القضية في خيار واحد أو حلّ وحيد، بل من المفضّل أن يبقى الباب مفتوحاً أمام مختلف الخيارات والحلول التي تخدم الحقوق والمصلحة الوطنية وفق احتياجات الواقع وتطوّراته. ومن المهمّ إجراء مراجعة نقدية شاملة للتجربة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقها حتّى اليوم، ودراسة تجارب حركات التحرّر العالمية والاستفادة من نجاحاتها وإخفاقاتها، والعمل لبناء توافق حول القواسم المشتركة، والانطلاق ممّا هو متّفق عليه بدل انتظار اتفاق كامل على كلّ شيء. وربّما يكون الأهم من صياغة الرؤية نفسها الاتفاق على منهج إنتاجها وتطويرها. فالرؤية ليست نصّاً مقدّساً أو وثيقةً نهائية، بل إطار حيّ يخضع للمراجعة والتطوير كلّما تغيّرت الظروف. ولعلّ أفضل منهج لبلورة هذه الرؤية يتمثّل في حوار وطني واسع ومستمرّ، ينطلق من القناعة والإيمان بالشراكة الوطنية على أسس ديمقراطية توافقية بعيداً من التخوين والتكفير والإقصاء واحتكار الحقيقة والوطنية والدين، يشارك فيه ممثّلون عن مختلف التجمّعات والأطياف السياسية والاجتماعية، بمن فيهم السياسيون والمفكّرون والشباب والنساء والنقابات والجامعات ومراكز الأبحاث والشخصيات الاعتبارية والقطاع الخاص.
ينبغي تحديد الموارد والأدوات وأشكال النضال المتاحة للشعب الفلسطيني والقادرة على تحقيق الأهداف، بأسرع وقت وأقلّ التكاليف
وينبغي لنا التنبيه إلى خلل اعتبار الديمقراطية والانتخابات مدخلاً وحيداً للحلّ، وللإجابة عن هذه الأسئلة. فعلى أهمية الديمقراطية والانتخابات الدورية على مختلف المستويات، إنّ خصوصيّة الحالة الفلسطينية تجعل الانتخابات، في الظروف الراهنة، غير كافية بل وقد تكون مضللة إذا اعتُبرت المدخل أو الحلّ السحري. فنصف الشعب الفلسطيني يعيش في وطنه تحت سيادة كيان استعماري استيطاني وعنصري، فيما تتوزّع تجمّعاته بين أوضاع قانونية وسياسية مختلفة. وهناك فصل بين القدس وبقية الأراضي المحتلّة، وبين الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وبين الداخل ومخطّط تقسيمي لكلّ تجمّع، وفصل الشعب داخل الوطن عن الشعب في أماكن اللجوء والشتات، فضلاً عن تعميق سياسة الإبادة والتجزئة والضمّ والتهجير وتقطيع الأوصال.
كما تفرض دولة الاحتلال من جهة، والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، شروطاً وقيوداً مختلفة على العملية الانتخابية، ويتدخّل الاحتلال في جميع مراحلها، فيمنع من يشاء من الترشّح، ويعتقل من يشاء من المرشَّحين والفائزين، ولا يمكن للمجلس التشريعي المنتخَب ممارسة السيادة أو أيّ صلاحيات حقيقية، فالمسموح به إدارة السكّان تحت الاحتلال، وليس إدارة الشعب لإنجاز حقوقه بالعودة وتقرير المصير والمساواة والاستقلال. أمّا ملايين الفلسطينيين في الشتات، فإنّ معظم الدول التي يقيمون فيها لا تسمح بإجراء انتخابات فلسطينية شاملة على أراضيها، فالديمقراطية الممكنة هي الديمقراطية التوافقية. لذلك كلّه، لا يمكن اعتبار الانتخابات وحدها المدخل أو الحلّ، فهي جزء أساس من الحلّ ومن النضال لإنهاء الاحتلال. فالأولوية يجب أن تكون لتوفير الشروط السياسية والوطنية التي تضمن انتخابات حرّة ونزيهة وشاملة، وتحترم نتائجها. فالأكثر أهميةً من الانتخابات أنّ مَن يحدّد شروط اللعبة قبل أن تبدأ يتحكّم في النتائج، كما حصل في الانتخابات البلدية ومؤتمر "فتح"، وكما يمكن أن يحدث في انتخابات المجلس الوطني إذا جرت في موعدها في الأوّل من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، فالانتخابات ستنتج مؤسّساتٍ تمثيليةً مشوّهةً لا تعبّر بصورة حقيقية عن إرادة الشعب الفلسطيني، وتمنح الشرعية للوضع القائم، وتكرّسه ولا تسعى إلى تغييره.
هذا المقال مساهمة أوّلية جديدة لقراءة الوضع الفلسطيني عبر إثارة حوار فكري سياسي حول هذه الأسئلة وغيرها، يضاف إلى المساهمات المتكاثرة في هذه الفترة، على أمل أن يقود ذلك إلى حوار وطني شامل يفتح الطريق أمام بلورة رؤية جديدة ومسار وطني قادر على مواجهة التحدّيات والمخاطر وتحقيق الأهداف الفلسطينية.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط