تاريخ النشر: 2026-10-09 | 15:36
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 15:36
واشنطن: حذر الباحث الأول في معهد كوينسي للحكم الرشيد، خالد الجندي، في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، من أن الوضع القائم في قطاع غزة يتجه بسرعة نحو جعل القطاع بقعة غير صالحة للحياة بشكل دائم، مما يمهد لتهجير سكانه وتصفية وجوده الديموغرافي والسياسي. ويأتي ذلك بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025، وفي ظل تعثر تنفيذ خطة السلام الشاملة.
واستشهد التقرير بتحذير صريح أطلقه نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لـ «مجلس السلام» الإشرافي على خطة ترامب، والذي أكد فيه أنه «إذا سمحنا لغزة بالاستمرار في الوضع الذي هي عليه الآن، فإن غزة ستزول إلى الأبد».
سجل التقرير تقييماً شاملاً لحجم الدمار الكارثي الذي لحق بالقطاع عقب استخدام إسرائيل أكثر من 223 ألف طن من المتفجرات (ما يعادل نحو 15 ضعف القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما)، وهو ما أدى إلى المؤشرات الحيوية والإنسانية التالية:
الضحايا والخسائر البشرية: ارتفع إجمالي القتلى الفلسطينيين إلى أكثر من 74 ألفاً (غالبية عظمى من المدنيين)، وشهد العام الذي تلا إعلان وقف إطلاق النار وحده مقتل أكثر من 1,400 فلسطيني بينهم نحو 300 طفل جراء الخروقات المستمرة.
النزوح والبيئة المعيشية: نزح أكثر من 90% من سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة، ويتكدس أغلبهم في شريط ساحلي ضيق ينعدم فيه الصرف الصحي وتتلقى فيه المساعدات دون الحد الأدنى، مع انخفاض تدفق الشاحنات اليومية عن النسبة المقررة في الاتفاق وهي 600 شاحنة.
البنية التحتية والقطاعات الحيوية: تم تدمير نحو 92% من الوحدات السكنية، و95% من الأراضي الزراعية، إضافة إلى جميع الجامعات الـ 12 بالقطاع، وقرابة نصف المستشفيات الـ 36.
التوسع العسكري: وسّع الجيش الإسرائيلي مساحة سيطرته المباشرة داخل القطاع لتصل إلى ما يقارب 65%، مقطعاً أوصال البنية الجغرافية وأقاليم العيش.
توقف تنفيذ الخطة الأمريكية المكونة من ثلاث مراحل عند أعتاب المرحلة الثانية بسبب خلاف جوهري على التسلسل الزمني والميداني للتنفيذ:
المرحلة الأولى: شملت وقف العمليات، وتبادل الأسرى والرهائن، وتدفق الإغاثة؛ غير أن التزام إسرائيل بخفض العنف كان جزئياً مع استمرار الاستهدافات.
المرحلة الثانية: تنص خريطة الطريق المعدلة في يوليو الماضي على بدء نزع سلاح حماس بالتوازي والتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وتولية «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» التكنوقراطية مدعومة بقوة شرطية فلسطينية وقوة دولية.
المرحلة الثالثة: إعادة الإعمار طويلة المدى والتنمية، وهي مرحلة معلقة حالياً لأجل غير مسمى.
وتعرقلت الخطة جراء الموقف الحازم لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اشترط التفكيك الكامل الشامل لسلاح حماس قبل تنفيذ أي انسحاب عسكري. واعتبر التحليل أن مطالبة الطرف الأضعف بالوفاء بكل التزامات المرحلة الثانية أولاً يمثل نسخاً عملياً للاتفاق، ما أدى لإبقاء لجنة الحكم التكنوقراطية الشابة معلقة في القاهرة ومنع دخول القوات الشُرطية أو الدولية.
يرى التحليل أن الاستمرار في حالة «البرزخ» الحالية (لا حرب شاملة ولا استقرار حقيقي) يخدم بالدرجة الأولى غايات الجناح الأكثر تطرفاً في الحكومة الإسرائيلية عبر جعل البقاء داخل القطاع مستحيلاً. وتجلى هذا التوجه في التصريحات والسياسات الرسمية:
بنيامين نتنياهو: أبلغ نواباً في 2025 بوضوح أن هدم المنازل المتواصل يهدف لمنع وجود مكان يعود إليه الفلسطينيون، فتصبح الهجرة الخيار المتبقي والوحيد.
يسرائيل كاتس (وزير الدفاع): أعلن التزام الجيش بالبقاء في غزة لأجل غير مسمى، مشدداً على تسهيل هجرة السكان بكل الوسائل المتاحة.
إيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي): طرح خطة خماسية لـ «الهجرة الطوعية» تسعى لإخراج 250 ألف فلسطيني سنوياً.
واتهم التقرير إدارة ترامب بـ «التحايل» والغموض المزدوج، حيث أبدت مرونة تجاه الموقف الإسرائيلي مقابل إعطائها ضمانات شفاهية لحماس، وهو ما وفر مظلة للمواقف الإسرائيلية وفرّغ خطة السلام من مضمونها.
يحذر التحليل من أن انهيار اتفاق غزة سيرتب تداعيات خطيرة على جميع الأطراف:
فلسطينياً: دفع السكان نحو التهجير القسري أو انفجار عسكري جديد ناتج عن تآكل براغماتية حماس واستنفاد قدرتها على ضبط النفس.
إسرائيلياً: الدخول في احتلال دائم يستنزف قدرات الجيش، ويقضي على فرص التطبيع الإقليمي، ويكرس عزلة إسرائيل كدولة منبوذة دولياً بسبب قضية الإبادة والتهجير.
أمريكياً: تقويض ما تبقى من مصداقية الولايات المتحدة كراعية للسلام في الشرق الأوسط، وتكريس تراجع نفوذها جيوسياسياً.
المطالب الإنقاذية الثلاثة: لتفادي انهيار الخطة، يطرح الباحث ثلاث خطوات حاسمة يجب على واشنطن فرضها:
الاعتراف بتباين المصالح: الإقرار الصريح بأن أهداف الحكومة الإسرائيلية الراهنة القائمة على إحالة غزة لمكان غير صالح للعيش تتصادم كلياً مع مصالح إدارة ترامب والمجتمع الدولي الراغبة في الاستقرار.
فصل الملف الإنساني عن الابتزاز السياسات: فك الارتباط بين تقديم الخدمات الأساسية وعمليات الإغاثة اليومية وبين التنازلات التفاوضية السياسية.
التنفيذ الموازي والمشروط: إلزام الطرفين بخريطة الطريق الأصلية لشهر يوليو، عبر ربط خطوات نزع السلاح بالانسحاب التدريجي، والسماح الفوري بدخول قوة الشرطة الفلسطينية والتكنوقراط لإدارة القطاع.
يكشف هذا المقال، الصادر في إحدى أهم المجلات الفكرية والسياسية في واشنطن، عن إدراك متزايد لدى أوساط صناعة القرار الأمريكي بأن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تهدف إلى تسوية أمنية أو تثبيت خطة ترامب، بل إلى القضاء المادي والمعنوي على كيانية قطاع غزة.
وتتقاطع هذه القراءة النقدية الأمريكية مع التقييمات المؤسسية الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، والتي أشارت بدورها إلى تحول العقيدة العسكرية الإسرائيلية نحو «الحسم المباشر والقوة المفرطة» دون الاكتراث بوجود أفق سياسي مستدام. وتبقى عقدة التسلسل بين الانسحاب ونزع السلاح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة واشنطن على الضغط على تل أبيب قبل تحول الجمود الحالي إلى انفجار إقليمي جديد.