كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نهلة آسيا وحنينها الى الضوء

نهلة آسيا وحنينها الى الضوء

تاريخ النشر: 2016-05-21 | 12:53

الجزء الأول

   حين وصلتني الدعوة من الفنانة نهلة آسيا لحضور معرضها التشكيلي الشخصي الأول، لم أكن أعرفها من قبل، فأنا مقيم في رام الله والفنانة في عمَّان، فبحثت عن بعض أعمالها وهمست لنفسي: انها فنانة تقف ما بين بوح الأمكنة وحزن الأمهات وجنون الطبيعة، فنانة تبوح روحها بحكاية عشق للوطن، حنين إلى الضوء، ضوء الحرية والجمال، ضوء الحلم والغد، فهمست لها: سآتي على مركب الريح لأحضر المعرض إن شاء الله، لأحلق مع فنك وأتعرف اليك وإلى ريشتك أيتها الكرمية.

   ما بين قطرات المطر التي كانت تنثال في فضاء عمَّان وبرودة الجو، كنت أصل مبكرا عن الوقت لافتتاح المعرض، فتجولت في معرض للكتب في قاعة مجاورة لقاعة العرض في جاليري الحسين، اقتنيت بعض الكتب وصعدت الدرج المتعِب والمرتفع لقاعة العرض، وما أن دخلت وقبل وصول راعي الافتتاح وتكاثف الحضور كنت اجول بروحي وعدستي في رحاب الفن، وعلى نغمات الكمان التي كان يعزفها عازف كهل، شعرت باحساس خاص ومختلف، فأنهيت الجولة الأولى لأبدأ جولة أخرى، فالتجوال في معرض يضم أكثر من ستين لوحة يحتاج لجهد مضاعف لتأمل اللوحات والتدقيق فيها، ولعل سعة القاعة تدفع الفنانين لمضاعفة الأعمال المعروضة بدون الانتباه أن المشاهد والمتأمل للوحات سيحتاج جهد كبير وهو يقف أمام كل لوحة بعض الدقائق لتأملها، ودوما هناك لوحات تأسر المشاهد فيحتاج الى وقت لتأملها والتحليق في فضائها.

   عبر ثلاثة ساعات وزيارة ثانية في صباح اليوم التالي،كي أتمكن من التحليق في فضاء ابداعات الفنانة التشكيلية نهلة كنت أرى أني في ثلاثة معارض وليس معرض واحد، وذلك حسب الفضاءات التي حلقت بها ريشتها، فالمعرض متسع المساحة وتنسيق المعرض كان شبه خليط ولم يكن حسب الموضوعات حسبما رأيت، وسأتناول المعرض حسبما رأيته ثلاثة معارض وليس واحد أو لنقل ثلاثة أقسام من خلال قراءة تفصيلية:

القسم الأول وأسميته المكان والتراث: وهذا ما سيكون قرائتي لفن نهلة آسيا في الجزء الأول من مقالتي، وفي هذه اللوحات التي بلغت 31 لوحة كانت الفنانة تحلق ما بين المكان وذاكرة الانسان في فلسطين، مما يشير أن الانتماء والارتباط بالجذور الفلسطينية لعب دوره بنزف الروح الوانا على روح الفنانة، واذكر أني همست بعد انهاء جولتي الثانية يوم الافتاح للمعرض للفنانة: أشعر أنك فلسطينية بامتياز، تمتلكين ثورة في روحك لكنك تعيشبن حالات من الألم، وفي المجموعة التي تضم التراث وهي مكونة من ثمانية لوحات نجد أن الفنانة ركزت على رسم عدة أنماط من الثوب الفلسطيني التقليدي والذي يعود بنقوشه للفترة الكنعانية، وبالتالي كانت تجول بين المناطق، فعبر الزمن أصبح لكل منطقة في فلسطين ثوب يميزها، وفي نفس الوقت وثقت بعض من حالات ممارسة التراث كما في اللوحة التي تطحن الفلاحة الفلسطينية الحبوب على الجاروشة الحجرية التراثية، والمرأة وهي تقوم بالحصاد والفلسطينية التي تقطف الفاكهة في حديقة المنزل، وملاحظة لا بد من الاشارة اليها لهذه اللوحة، أنه لولا نمط الثوب لكان المكان أشبه بالبيت الشامي التقليدي من البيت التراثي الفلسطيني، وفي هذه اللوحات اضافة لرسم أشكال الثوب الفلسطيني ركزت الفنانة على نظرات الفلسطينيات، فتنقلت بين نظرات الألم والحنين والصبر والألم، وإن كان فن رسم الوجوه ليس بالسهل، إلا ان الفنانة كانت بحاجة لصبر أكثر برسم ملامح الوجوه، وأيضا في رسم الايادي التي تحتاج تفاصيلها لدقة كبيرة، فكانت هناك لوحة لشابة فلسطينية ترتدي ثوبها التقليدي، لكن مشهد اليد قلل من جمالية اللوحة.

   بينما نجد في لوحات المكان وهي مكونة من ثلاثة عشر لوحة أن الفنانة تجولت ما بين الأحياء التقليدية والأزقة والدروب وما بين النوافذ التقليدية والزجاج المعشق بالألوان، ممازجة جولتها ما بين التراث وما بين الآثار كما حين رسمت نجمة قصر هشام داخل لوحة تضم العديد من الاشارات التراثية، ولفت نظري اللوحة التي يجلس بها الكهل الفلسطيني بزيه التقليدي الى جذع شجرة خالية من الأوراق والخضرة وفي الأفق خلفه نجد بيوتات لبلدة أو قرية، فهل الشيخ أتى للراحة فقط وهذا ما اشك به فالانارة في اللوحة تدل على أن الشمس تتألق في السماء فلذا لما لم يجلس الشيخ تحت شجرة تمنحه الفيء؟ ومن هنا وجدت باللوحة وهي من اللوحات القليلة التي نجد بها رجلا وليس امرأة، أن الرمزية هي التي غلبت على اللوحة فكان الشيخ رمز لانتظار قد طال، وفي الشتات شمس تشتعل في حنين لا يتوقف للعودة، حيث هناك الراحة تحت فيء الزيتون، وفي اللوحات الأخرى نجد ابداعا في بعض اللوحات في رسم المكان حتى شعرت ان بعضها يكاد ينطق ويبوح بذاكرة المكان ومن مروا به، واختلفت لوحة عن نمط اللوحات، وإن كانت ذات صلة بالموضوع وهي الجدار البشع الذي يمتد كأفعى ضخمة ليبتلع الأرض في فلسطين.

   المكان بباقي اللوحات تميز بقدرة جميلة على استرجاع ذاكرة الوطن الذي لم تعش به في طفولتها الا عام واحد، وزارته مرة أخرى وعمرها خمسة سنوات، وآخر زيارة في 2011 وقبلها عام 1986 بتصاريح زيارة،  لكنه من الواضح انه لم يفارقها وسكن بداخلها رغم استحالة ان تتذكر شيئا من الوطن من خلال عام واحد بعد ولادتها، وما ترسخ بذاكرتها في زياراتها الأخرى، لكن من يشاهد لوحات المكان ويرى الحارات التراثية والقناطر والعقود والبوابات الخشبية بتفاصيلها الدقيقة لا يخطر بباله سوى انها تقيم في الوطن، والحارات التراثية وردت في لوحتين وهي تقارب حارات نابلس والقدس والخليل، وتختلف عن الحارات والأحياء في الريف وفي القرى حيث نمط البناء التراثي متشابه ولكنه يختلف عن نظام الحارات في القدس ونابلس والخليل، وفي لوحتين كانت الأبنية التراثية تتمازج مع الوان ونقوش الثوب الفلسطيني التقليدي للنساء والمعتمد على تطريز نقوش كنعانية.

   والمجموعة الثالثة من لوحات التراث والمكان كانت من عشرة لوحات وهي كانت معتمدة على فكرة الواقعية المتمازجة مع التعبيرية، فنجد لوحة متميزة تصور اشجار الزيتون المقطعة بفعل جحافل المستوطنين ضمن سياسة الاحتلال بتضييق الخناق على رقاب المزارعين الفلسطينيين، كون الزيتون عماد اقتصاد الريف الفلسطيني، ولوحة أخرى تمثل رتل من النساء الفلسطينيات في ملابسهن التقليدية مع وجود بعض الأطفال بين الحشود، والواضح من الحزن والبكائيات في اللوحة أنها تمثل النساء خلف جنازة وإن لم تظهر الجنازة، والأغلب ان تكون جنازة شهيد من خلال مشاهد الحزن الصامت، ومن بين اللوحات التعبيرية المميزة لوحة لنصف وجه لفتاة يعبر وجهها عن حالة من الم وتفكير يطل من بين جدارين يمثلان ذاكرة الأبنية التراثية، فظهرت اللوحة باتقان فني كأنها تمثل نصف الوجه من خلال بوابة بينما هي مشهد من الذاكرة معبرة عن أن المكان لا يمكن أن ينسى، فهو الوطن الذي لا يمكن أن يزول، ويتكرر مشهد النساء الصامتات مع مشاهد الذاكرة، ففي لوحة تكون الذاكرة هي المسجد الاقصى والصمت اشارة الى حجم انثيال الذاكرة في الوجدان، ووجه لنصف وجه فوق افق المسجد يمثل وجها فلسطينيا، وهذه اللوحة حفلت بالرمزيات مثل وردتين بلون الدم بين مجموعتين للنساء على يمين ويسار اللوحة، بينما نجد شجرة الزيتون وهي الرمزية الفلسطينية المتكررة في لوحات الفنانة على يسار المشاهد للوحة، ويلاحظ ان المجموعة من النساء على يمين اللوحة كانت بملامح واضحة، بينما التي على اليسار للمشاهد كانت أشبه بالخيالات أو رمزية لارواح من مروا من قبل، ويلاحظ في أفق اللوحة أن هناك وكأنها صور لاشخاص حلت مكان الأبنية التراثية، وهي رمزية كبيرة تشير إلى أرواح من استشهدوا من أجل الوطن لم تفارق الوطن ابدا، وهي ما تزال تبحث لنفسها فيه عن مأوى، والملاحظ في لوحات الفنانة تكرار مشهد نصف الوجه وغياب النصف الآخر، وكأن مشهد المكان يمثل عند الفنانة بإشارات رمزية أن النصف الآخر هو الوطن، بينما في اللوحة الأخرى يكون مشهد الوطن والذاكرة في خلفية اللوحة بشكل متمازج بالألوان، ولكن يلفت النظر وجود رمزية ممثلة بالسلالم المتعمشقة للسماء، وكأنها ترمز للصعود الآت، بينما نجد رمزية المكان ممثلة بالاقصى أو ما يشبه قبته بين النساء الصامتات بحزن ونظرة أمل، وكما باقي اللوحات فالحزن والصمت هو معلم مشترك بلوحات الفنانة، كما أن الثوب التقليدي وهو الرمزية الفلسطينية مشهد مشترك أيضا.

   لوحة أخرى كانت مختلفة وتحمل رمزية عالية في هذه المجموعة وهي لوحة تمثل المكان التراثي مع مجموعة من الرمزيات، فشجرة الزيتون في المقدمة مرتفعة بأغصان مخضرة بأوراقها بدون كثافة، لكن جذورها تمتد على قاعدة مساحة المكان الذي يمثل وطنا يرمز له ببلدة تراثية بمبانيها، ويلاحظ في نصف المباني التراثية وجود مجموعة من الابنية تخرج بشكل مختلف عن باقي الأبنية، فهي ملونة بألوان الفرح وتختلف عن الوان وأشكال البيوت التراثية التقليدية وكأنا رمزية واشارة ان الجيل القديم يتجدد بأجيال شابة ستخلق الفرح وتزيل الالم عما سبق، وفي افق اللوحة نجد وجها لامرأة يأخذ ثلث اللوحة، ولكن من يدقق الوجه يجده يمثل جيلين، نصف الوجه شاب والآخر كهل غزته التجاعيد، وهي رمزية واضحة لانتقال القضية من جيل الى جيل وهي في الوجدان كما جذور الزيتون راسخة في الارض وممتدة للوطن بأكمله، فهي قضية لا تموت ولن تموت، والافق والسماء باللون الذي يكاد يشتعل نارا، وكأنه رمزية لافق ثورة آتية، فالنور فوق المباني وتحت الأفق باللون الأصفر الممثل لاشراقة جديدة.

   ولعل اللوحة التي تصور فتاة فلسطينية والسلاسل تتحطم من حول رقبتها وشال يغطي وجهها من اللوحات التعبيرية الجميلة بحلم الحرية وتحطيم القيود، وملاحظ أن الفنانة في هذه اللوحة كما في أكثر من لوحة تستخدم اللون الأحمر القاتم للسماء كتعبير عن ثورة قوية تجتث الاحتلال وتبدد الظلمة وتكسر القيود، وايضا فالمباني التراثية التي تصور الوطن هي القاعدة تحت السماء المشتعلة وخلف الفتاة بزيها التراثي، ولعل البقع البيضاء على الجزء الظاهر من الوجه مع الرقبة، يشير برمزية واضحة للرطوبة التي تتكون في داخل الجدران والمباني التي تفتقد أشعة الشمس، بإشارة للسجون والمعتقلات التي يعاني بها ومنها اسرى فلسطين.

   وحقيقة كل لوحة من اللوحات يمكن أن تمثل قرائتها مقالة خاصة بها لكني آثرت أن امر على نماذج منها تمثل الفكرة والرمزية التي استخدمتها الفنانة وعبرت عنها، كي يكون هناك مجال للتجوال في المجموعات الأخرى من اللوحات في المعرض.

يتبع في الجزء الثاني..

(عمَّان 30/4/2016)

 

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط