كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نوال السعداوي تواصل معركة التنوير من قبرها

نوال السعداوي تواصل معركة التنوير من قبرها

تاريخ النشر: 2021-03-27 | 18:37

أمين الزاوي
أمين الزاوي

لم يحصل لميت أو ميتة في العالم العربي وشمال أفريقيا كلها أن أثار ضجة بعد الموت، مثلما حدث للباحثة والكاتبة نوال السعداوي التي غادرتنا في 21 -3 2021، لا الرؤساء ولا الملوك ولا الفنانون ولا العلماء على اختلاف طرق مرورهم في الحياة وما اكتنفها من ضجيج سياسي أو حربي أو أخلاقي، لا أحد منهم خلّف ضجيجاً بحجم الضجيج الذي أثاره خبر الإعلان عن رحيل الدكتورة نوال السعداوي.

على الرغم من أن حياتها الفكرية والأدبية والسياسية، ومنذ الخمسينيات، كانت عبارة عن حلقات مسلسل لا ينتهي من السجالات وارتدادات لهذه السجالات التي تشبه الزلازل الفكرية، إلا أن كل ما عاشته خلال 70 سنة من الكتابة والمعارك عاد دفعة واحدة مباشرة بعد الإعلان عن موتها. فلمدة ثلاثة أيام متتالية، أخرجت جميع القنوات التلفزيونية العربية والمغاربية الأحاديث المسجلة معها وأعادت بثها، ونشرت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لها ومقتطفات من حواراتها المكتوبة وبعض مقولاتها الشهيرة حول المرأة والحرية الشخصية وأمراض سلطة الذكورة العربية، وعلى "يوتيوب"، اقتُطعت آلاف المقتطفات من أحاديثها ومن سجالاتها مع الشيوخ ومع الدعاة لغاية في نفس يعقوب.

لكن كل ما تم تقديمه عن هذه المفكرة وطريقة تقديمه واللغة التي قُدّمت بها على جميع المنصات، لم يكن بريئاً ولا حيادياً من الناحية الفكرية والأيديولوجية والسياسية. فهذا الكم الهائل من الكلام والصور والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، يقدّم لنا صورة قريبة من الدقة عن العقلية العربية والمغاربية تجاه مفاهيم أساسية مثل: "الاجتهاد" و"الاختلاف" و"حرية التعبير" و"المساواة بين الرجل والمرأة"، وهي أيضاً ترمومتر عاكس لمستوى درجة قبول "الحرية الشخصية" في هذا العالم وأيضاً مستوى درجة "التسامح" وقبول الآخر في هذه المجتمعات.

لكن، قبل هذا وذاك، المثير في الأمر، ردّ فعل النخب التي تنتمي إلى الجامعة، وتلك التي تشتغل في الإعلام والإبداع، من أولئك المحسوبين على الأكاديمية والصحافة والكتابة والفن، إذ بدا خطابها -أي النخب- شبيهاً بخطاب العامة "الغوغاء" كما يقول أبو حيان التوحيدي في استعمال ذات القاموس المليء بالشتم والتجريح في الميت.

وفي الجزائر، ومن خلال نظرة على ما نشر في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكننا أن نستنتج من هذا "العزاء" الغريب الذي خُصّت به الفقيدة الدكتورة نوال السعداوي ما يلي:

مرة أخرى يبدو المجتمع الجزائري وهو يقف أمام رحيل هذه المفكرة والمناضلة النسوية العنيدة، منقسماً وبشكل واضح بين معلّق باللغة الفرنسية ومعلّق باللغة العربية، من دون السقوط في التعميم، وكأن المجتمع مشكّل من مجتمعين، من مخيالين، من شعبين، من مرجعيتين فكريتين، إذ إن غالبية المعلّقين بالفرنسية، أقول غالبية وليس الجميع، تميزوا إلى حد كبير بأخلاق التسامح واحترام الاختلاف وقبول الرأي الآخر وتكريم الميت، وغالبيتهم استعملوا أسلوباً "نظيفاً" خالياً من الألفاظ النابية أو الشتم أو المسّ بعرض الفقيدة أو أسرتها. وفي كثير من التعليقات، هناك تذكير في شكل مقارنة بين نوال السعداوي من جهة ومناضلات نسويات وكاتبات ومفكرات غربيات كسيمون دوبوفوار Simone de Beauvoir أو سيمون فيي Simone     Veil أو جيزيل حليمي Gisèle Halimi وغيرهن.

على الطرف الآخر، يتميز خطاب المعلّقين باللغة العربية، سواء كانت عامية أو فصحى، وبعيداً من التعميم دائماً، بروح العضب والتعصب ورفض كل اجتهاد أو تأويل لأي نص تراثي مهما كان، وتبدو الأحكام تعميمية والاستشهادات مقتطعة بطريقة تخفي غرضاً أيديولوجياً معيناً، هدفه الإدانة المطلقة لا النقاش الهادئ، كما أن غالبية المعلّقين لم يقرأوا كتب السعداوي، بل اعتمدوا في هجومهم على بعض التصريحات المبتورة وعلى بعض التعليقات لبعض خصومها الأيديولوجيين.

كما أن الخطاب للمعلّقين باللغة العربية، في عمومه، تميز بمفردات الشتم والقذف والتكفير والتهويد والتخوين والمسّ بشرف الراحلة وعدم احترام كرامة الميت، وبدا الكثير منهم فرحاً لموتها وهو سيرسلها إلى "جهنم" نيابة عن "الله" تبارك وتعالى، والخلط البيّن ما بين السياسي والديني في الحكم عليها.

تميز المعلّقون على شبكة التواصل الاجتماعي بتأثّرهم الكبير بأفكار "الإخوان المسلمين" في الجزائر، ما يبيّن الحجم الأيديولوجي لمثل هذا التيار في أوساط الجيل الجديد.

تبدو الكثير من التعليقات في تطرفها وعنفها وجهاديتها ودمويتها من خلال الدعوة إلى القتل ضد كل من يتبنّى فكر الباحثة نوال السعداوي، متأثرة بالفكر الجهادي الانتحاري الداعشي.

إن ما كُتب على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على وفاة الكاتبة المصرية، يبيّن مدى الخلل العميق والخطر الذي يداهم المدرسة الجزائرية، وهذا السرطان ينخر برامج التعليم في العالم العربي وشمال أفريقيا كلها. فالتعليقات مؤشر كبير إلى أن المدرسة هي بين أيدي تيار الفكر الجهادي والإخواني، وأن الجيل الجديد هو ضحية هذين التيارَين، ولا يمكن بناء مجتمع متعدد ومتوازن في ظل هذا العطب الذي ينخر جسد المنظومة المدرسية. والأدهى من كل هذا، إن السرطان قد تجاوز مقاعد المدرسة في مراحلها الأولى ليصل إلى مدرجات الجامعة.

كشف لنا رحيل المفكرة نوال السعداوي، عن هشاشة قبول الاجتهاد والاختلاف والحرية الفكرية في أوساط المثقفين والجامعيين أنفسهم، فـ"الإنتليجنسيا" التي من المفروض أن تكون حارسة وحامية حرية الرأي، تمارس نوعاً من الإرهاب على جزء منها.

إن غياب قبول الآخر سواء على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي لا يمكنه أن يؤهل مجتمعاً للدخول في معركة المنافسة الإقليمية أو العالمية على المستوى الاقتصادي والعلمي والإبداعي، وقد كشف لنا موت نوال السعداوي عن أي درك نحن فيه، أخلاقياً وسياسياً وفكرياً. 

عن اندبندنت عربية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط