كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هجرة جنّبت المنطقة ويلات

 عند نبش التاريخ يسهل للمرء التعرف على الأقل إلى حدثين كبيرين جَنّبا المنطقة العربية في أبعادهما ، تطابق مصيري للهنود الحمر ، في انتيليا التاريخية ، أمريكا اليوم ، حيث ، كانت تسمى قبل أن تطأ قدم البحار الفلورنسي ( أمريكو فسبوتشي ) وهو ، من أعلن لأوروبا جمعاء بأن البحار العنيد كريستوفر كولومبوس ، إنما أكتشف عالماً جديداً ، وفي وقت لاحق من عام 1956 م عقدت جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الأمريكية ندوة حول خرائط أحمد محي الدين الملقب بالريس بيري ، أحد عُمال الدولة العثمانية ، الذي ترك وراءه خرائط موجودة حتى يومنا هذا في متحف طوبقو بإسطنبول ، هي عبارة عن تمثيل الأبعاد والمسافات والمساحات لسواحل المحيط الأطلسي من جزر جرينلاند إلى فلوريدا ، والجدير بالذكر بأن تلك الخريطة التى رسمها الريس بيري تعتبر أقدم الخرائط على الإطلاق ، حسب ما اصدرته جامعة جورج تاون التى وثقت عمل الريس بيري في عام 1465 م ، ما يعني قبل إعلان كولومبس باكتشافها بحوالي 27 سنة ، لكن ، سقوط الأندلس سمح للعهد الجديد التى بدأته أوروبا بالبحث عن مخارج تليق بعهدها القادم ، حيث ، يسجل التاريخ عبارة شهيرة لكولومبس التى دونتها البحرية ، بأن لديه رغبة مستميتة في إيجاد طريق آخر عن ذلك الذي يمر ببلاد العثمانيين ، على حد تعبيره .
تُمثل الحروب الفرنجة وحملاتها في تاريخيها وتجربتها مقارنات حية في تاريخ الإسلامي العربي ، منذ أن استقرا الاسلام في المنطقة العربية ، حيث ، تعرضت الجغرافيا العربية والتركية معاً إلى حملات استرداد متكررة ، بلغت تسعة مرات منذ القرن الحادي عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر ، تماماً ، منذ 1096 م إلى 1291 م ، كانت أهم الذرائع التى بنت فكرة حملتها الأولى قد جاءت من فعل قاصر قد فعله حقاً الحاكم بأمر الله الفاطمي عندما أقدم على تدمير كنيسة القيام في 18 تشرين الأول من عام 1009 م ، إلا أنها ، جاءت جميعها لا تُلبي طموحات الاسترداد بقدر ما كانت غير مستقرة وتعاني أسباب الوجود واستمراره ، وقد تكون ، الحالة التى قضاها كولوبوس في البحث عن تحرير القارة الأوروبية من التحكم العثماني بالتنقل ، أفادت المنطقة العربية على وجه الخصوص من ابادة بشرية على شاكلة ما حلّ بالهنود الحمر ، لأن الأوربيون في ذلك الوقت كانوا بحالة ، ضيق اقتصادي واستبداد سياسي وديني ، بالرغم ، أن البداية كانت مقتصرة على نزلاء السجون ، حيث ، استبدلوا القضاة والقائمون على شؤون المذنبين ، العقوبات بالهجرة إلى أمريكا ، إلا أن ، توالي تدفق المهاجرين تباعاً من الإنجليز بشكل أساسي والمهاجرين الأوروبيين بشكل عام ألقى البذرة الأولى بتكوين مجتمع مضاد لأوروبا .
الأمر الثاني لا يقل أهمية ، بل ، يوازي الأول بالبعد والاستفادة ، دون أدنى شك ، حيث استفادت العرب من الثورات التى قامت في البلدان الأوروبية دون أن تعلم ، كانت نتيجة واضحةُ الانعكاس في مضمونها لما اسسه المهاجرين في أمريكا بعد حرب دامت ثماني سنوات وانتهت باستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا ، وبإعلان وثيقة الاستقلال التى بينت حقائق اعتبرتها بديهية للإنسان الحر ، بأن جميع البشر خلقوا متساوين وأنهم وهبوا من خالقهم حقوق غير قابلة للتصرف وأن من بين هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة ، تبين لاحقاً ، بأن الوثيقة فعلت الكثير في مناطق اخرى من العالم ، حيث ، علقت الجرس للأوروبيين بإعادة النظر في سياق الحياة وأُسس الحكم الذي جعل من حياتهم أشبه بالجحيم ، سرعان ما انتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا وبدأ ظهور حركات من الفلاحين والعمال يقودهم مفكرين بأفكار نادوا بثورة شاملة تُغيير بنية المجتمع إلى أن وصلت مُطالباتهم بقلب نظام الحكم إلى جمهوريات ، هذا ، عامل آخر ، مهم ، جنب المنطقة العربية من استمرار حركة التوسع الأوروبي الغربي نحو العالم القديم والعالم الثالث وبالتالي ساعدت الثورات لاحقاُ وأخيراً انهاء الاستعمار بعد ما حققت الثورات المحلية ، القومية ، وحدة أراضيها والتخلص من السيطرة الخارجية الممتدة إلى الإمبراطوريات ، بالطبع ، كان تشكيل دول قومية في أوروبا نابع من اصرار شعبي بنيل حريته المسلوبة من أنظمة استبدادية ، ومن جهة أخر ، تراجع النفوذ الأوروبي في العالم ، كقوة عسكرية موحدة ، الذي تطلب منها تعويضه بالصناعات والتصدير التجاري .
أن محاسن الهجرة الأوروبية إلى أمريكا بالإضافة لتلك الثورات التى اقامت دول قومية في القارة الباردة ، عملت من حيث لا تدري على انقاذ العرب من كارثة احلت بالفعل بأمريكا الشمالية ، ولولا اكتشافها ، لكان العرب على سلم أولويات الأوروبيين ، كجغرافيا بديلة ، مع ذلك ، أختار العرب النموذج الأوروبي بالاقتضاء لمستقبلهم بعد جلاء المستعمر ، وليس الولايات المتحدة ، فأقاموا دول وطنية قطرية حسب ما رسم لهم المستعمر ، فكانت وما تزال مضادة لتلك التربويات والخطابات التى أشبعت بها الأجيال عن ضرورة الإتحاد القومي ، مما رسخ في الشخصية العربية حالة شزوفرنية نادرة بين الشعوب العالم ، إلا أن ، ممارسات الجهتين ، الرسمية والشعبية تتناقض مع تلك الشعارات التى فضحتها جميع الاختبارات المختلفة عندما واجهت المنطقة ، إن كانت وطنية أو قومية ، لهذا ، اخفقت الثورات العربية الحديثة التى اقتصرت نداءاتها منذ اليوم الأول على تحسين ظروف المعيشية والمطالبة بإنهاء الاستبداد ، لأنها ، تعاملت مع الأمر من قواعد جغرافية قائمة ، بعيدة كل البعد عن هموم عربية مشتركة او تنسيق يؤدي إلى حماية اطراف ضعيفة ، الذي جعل النظام الرسمي الاستفراد بكل حراك على حِدةٍ دون الأخر .
بعيداً عن النوايا المخفية وراء اصرار الغرب ، على وجه التحديد ، في اعادة تواجدهم في الشرق الاوسط وشمال افريقيا بشكل أوسع وبنفوذ أكبر ، إلا أن ، الولايات المتحدة الأمريكية تتبع أسلوب قد اعتدنا عليه ، هو ، في عبارة آخرى ، تضخيم الأمر ، كما حصل مع كيميائي صدام حسين وليس أخيراً مع الدولة الإسلامية داعش ، وإن كانوا المتحالفين مع الأمريكان قد برروا في السابق تحالفهم من أجل اسقاط النظام البعثي من خلال الاستعانة بقوة الحليف ، فكيف لهم أن يبرروا ضعفهم اليوم أمام جماعة مسلحة ، حديثة الجغرافية والتكوين ، الذي يجعل المرء أن يقشر سطح النظام القائم في العراق ، ويراجع تلك القوة العسكرية التى استنزفت مبالغ هائلة من الدولارات بتدريب قوى غير مستعدة ، أبداً ، تقديم أي نوع من التضحية من أجل النظام أو الدولة ، هو ، نفسه ، أي النظام ، غير قادر على اقناع ما تبقى من مواطنين داخل حدوده ، فعل ذلك أيضاً ، فإذا ، كان حال هؤلاء متعثر إلى هذا الحد ، ماذا ، يمكن للحليف أن يقدم أكثر مما قدم على مدار سنوات سابقة ، لحلفاء اخفقوا في كل اختبار .
المسألة ، لم تعد مقتصرة على تهديد غربي للجغرافيا العربية ، فقط ، بل ، هناك مطامع إقليمية ، واضحة المفاهيم والسلوك ، ترى ، أن لديها الحق في حماية أقلية تنتمي لها ، بغض النظر عن ذلك الانتماء ، وبالتالي ، يحتاج النظام العربي إلى فكر ونهج مختلفين عما سبق ، كلياً ، ضروري وشرط لوقف النزيف الجغرافي والبشري معاً ، وذلك لا يستوى ما دام النظام رافض فكرة التغيير ، بل ، يلجأ إلى تعزيز الفرقة الطائفية منذ سقوط بغداد وتضاعفت ، أكثر ، بعد الربيع العربي ، لكن ، هذا النهج بالتأكيد لن يعالج الانحدار بقدر ما يؤجل تدافعه إلى وقت ، قادم لا محالة ، فإذا ، كان النظام العربي يرى بالقسمة انجاز ، فلا بد أن يعي بأن تقليص من سرعة النار المشتعلة في أماكن دون الأخرى ما هي إلا تأجيل وقتي من عمره ليس أكثر .
يبدو كلما أبتعدَ الإنسان إلى ما وراء البحار ، يبقى مصيره أن يعود إلى أرض السلام التى لم ترى يوماً سلاماً كما وصفها محمود درويش ، وبالرغم ، من اكتشاف جاء بالصدفة ، جنب العرب ويلات ذاقتها بالفعل شعوب آخرى ، فهل يا ترى مازال هناك جغرافيات تختبئ وراء البحار قادرة على أن تجنب العرب مرة ثانية ويلات قادمة ، أم أن الوقت قد فات ولم يعد فسحة إلا للاصطدام الأكبر .
والسلام
كاتب عربي

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط