كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هدنة منتهكة، مأساة إنسانية متفاقمة، ومسار سياسي محفوف بالاشتراطات

هدنة منتهكة، مأساة إنسانية متفاقمة، ومسار سياسي محفوف بالاشتراطات

تاريخ النشر: 2026-01-08 | 14:27

رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن الهدنة باتت إطاراً شكلياً لا يوفر حماية حقيقية للمدنيين، في ظل تصعيد إسرائيلي متواصل وخروقات ممنهجة تُفرغ الاتفاق من مضمونه السياسي والقانوني والإنساني.
فخلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط، سُجّل نحو أربعين خرقاً جديداً شملت إطلاق نار، توغلات محدودة، نسف منازل ومنشآت، وغارات جوية في مناطق متفرقة من القطاع، وأسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين في خانيونس، إلى جانب دمار متواصل في البنية السكنية. هذا النمط من الخروقات لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيلية تقوم على إدارة الصراع لا إنهائه، عبر إبقاء مستوى العنف تحت سقف “الهدنة” دون الالتزام بجوهرها.
المأساة الإنسانية تتجلى بوضوح في الانهيارات المتكررة للمباني السكنية المتضررة جراء القصف السابق. انهيار منزل من خمسة طوابق في مخيم المغازي، وما نتج عنه من استشهاد مواطنين وإصابة آخرين، يعكس ما يمكن وصفه بـ“القتل المؤجل”، حيث يتحول الدمار غير المعالج إلى خطر دائم يهدد حياة المدنيين. ويزداد المشهد قتامة مع إعلان جهاز الدفاع المدني تعليق نداءات إزالة الأخطار من المباني المهددة بالانهيار بسبب شح الوقود والمعدات، في ظل حصار يمنع إدخال الاحتياجات الأساسية لفرق الإنقاذ.
الأرقام الصادرة عن الدفاع المدني خطيرة الدلالة: إزالة المخاطر عن أكثر من 3400 مبنى منذ بدء الهدنة، مقابل بقاء أكثر من 1500 نداء استغاثة معلّق. هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات قانونية مباشرة، إذ يفرض القانون الدولي الإنساني على دولة الاحتلال واجب حماية السكان المدنيين وضمان سلامتهم، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرتها الفعلية.
في السياق ذاته، تتواصل سياسة التضييق الجغرافي القسري على سكان غزة. فوفق تقديرات منظمات أهلية، بات مئات آلاف الفلسطينيين محاصرين فعلياً في مساحة لا تتجاوز 90 كيلومتراً مربعاً، نتيجة القصف المتكرر، وإجراءات الإخلاء، وإجبار السكان على النزوح نحو مناطق بعينها. هذه السياسة تثير شبهة النقل القسري للسكان، وهو محظور صراحة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبت أنه يُنفذ بشكل واسع ومنهجي.
على الصعيد الإنساني، شكّلت إدانة سبع دول أوروبية لتقويض إسرائيل عمل وكالة الأونروا تطوراً سياسياً لافتاً، خصوصاً مع ربط هذا السلوك بمخالفة قرارات محكمة العدل الدولية. استهداف الأونروا والمنظمات الإنسانية لا يعني فقط تقليص المساعدات، بل يهدد منظومة الإغاثة بأكملها، ويضاعف من معاناة السكان في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.
بالتوازي، جاء قرار الحكومة الإسرائيلية منع دخول الصحافيين إلى قطاع غزة ليكرّس سياسة التعتيم الإعلامي، ويقوّض مبدأ الشفافية والمساءلة. فحرية الصحافة في مناطق النزاع ليست ترفاً، بل أداة أساسية لحماية المدنيين وتوثيق الانتهاكات، وحرمان الإعلام من الوصول يثير تساؤلات جدية حول ما يُراد إخفاؤه عن الرأي العام الدولي.
سياسياً، تتجه الأنظار إلى ملف معبر رفح، في ظل حديث عن صيغة تشغيل “بديلة” تقوم على رقابة إلكترونية إسرائيلية عن بعد، مع دور أوروبي في فحص الملفات. ورغم أن غياب الوجود العسكري الإسرائيلي المباشر قد يُنظر إليه كخطوة إيجابية نسبياً، إلا أن هذه الآلية تطرح إشكاليات قانونية وسيادية، وتثير مخاوف من تحويل المعبر إلى أداة ضبط أمني أكثر منه ممراً إنسانياً.
زيارة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ ورئيس جهاز المخابرات اللواء ماجد فرج إلى القاهرة تعكس محاولة لدفع المسار السياسي نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. غير أن أي تقدم فعلي يبقى مرهوناً بوقف الخروقات الإسرائيلية أولاً، واحترام الالتزامات القانونية، لا الاكتفاء بإدارة تداعيات الأزمة.
في المحصلة، ما تشهده غزة اليوم هو اختبار حقيقي لجدية الهدنة ولمصداقية النظام الدولي. فإما أن تُترجم الإدانات والتحركات السياسية إلى ضغط فعلي يفرض احترام القانون الدولي، أو يبقى القطاع رهينة هدنة منتهكة وكارثة إنسانية مفتوحة بلا أفق.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط