كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هشاشة أوضاعنا والأزمات العالمية

هشاشة أوضاعنا والأزمات العالمية

تاريخ النشر: 2022-03-20 | 08:08

نهاد أبو غوش
نهاد أبو غوش

ش

كما أن الاختبار الحقيقي للأفراد يكون في الشدائد والمحن، لا في أوقات الرخاء، كذلك هي الحال مع الدول والمجتمعات وأنظمة الحكم التي قد تواجه تحدياتٍ ومخاطرَ محليةً أو تنال نصيبَها من تأثير الكوارث العالمية، فتنكشف على أثر ذلك مناعتُها الداخلية وقوّتُها أو ضعفُها وهشاشتُها. وقد رأينا جميعا كيف اضطربت البشرية بأسرها حين دهمتها جائحة "كورونا" فظهرت أنظمتها الصحية والاجتماعية على حقيقتها، حيث انهار بعضها تماما وصمد بعضها الآخر، وتبين مدى جشع وانعدام إنسانية بعض النظم الصحية، وبرزت أبشع أخلاقيات العلاقات الدولية في محاولات الاستئثار بالموارد الطبية مثل أدوات التعقيم والمطاعيم، وتعرضت اقتصاديات معظم الدول لأقسى الامتحانات، ولحقت خسائر لا سابق لها بقطاعات اقتصادية بعينها مثل النقل الجوي والسياحة، وأفلست عشرات آلاف الشركات، وخسر مئات الملايين حول العالم وظائفهم، بينما تضاعفت ثروات قلة قليلة من الأفراد والطغم المالية والشركات الاحتكارية الكبرى مستفيدة من الجائحة.

ومع (كورونا) ومشتقاتها ومتحوراتها، شهدنا أشكالا متناقضة من التخبط في إدارة أمور الدول والاقتصاديات المحلية بين فتح الأسواق وإغلاقها، والتعليمات الواجب على الأفراد اتباعها في حياتهم اليومية ولقاءاتهم بالغير، فضلا عن تبادل الاتهامات على أعلى المسؤوليات الدولية بشأن المسؤولية عن نشأة هذه الجائحة، وبدت كثير من الدول ( ومن بينها معظم دولنا العربية) عاجزة عن فعل شيء، فسلّمت أمرها للخالق، لا عن إيمان وتقوى، ولكن عن ضعف وقلة حيلة ومحدودية الخيارات والحلول التي تملكها هذه الدول الضعيفة، وبدلا من التعامل العلمي والواقعي مع الجائحة والتركيز على سبل الحد من تاثيراتها، تفتقت خيالات كثير من الناس وبعض قادة الراي العام عن شروح وتفسيرات غيبية لهذه الظاهرة فاعتبرها البعض مسرحية ذات أهداف غامضة، وعدّها آخرون عقابا للصين لأنها اضطهدت مسلمي الايغور، أو عقابا للبشرية جمعاء بسبب آثامها ومعاصيها.

ما زالت كورونا تفتك بالبشر وخاصة مع ظهور متحورات جديدة لا حصر لها للفيروس الماكر، وما زالت الإحصائيات اليومية تشير إلى أن الجائحة في اتساع وتصاعد يومي، وأنها على الأرجح قد توطّنت على هذا الكوكب وسوف ترافق البشر في حياتهم لفترة طويلة، وهي تفرض تحدياتٍ وواجباتٍ لم تُحسم بعد بشأن طبيعة الأنظمة الصحية وأولوياتها، وما إذا كانت هذه الأنظمة مصممة لصحة الناس ووقايتهم من الأمراض أم للاستثمار التجاري والتربُّح، كما تطرح أسئلة كثيرة بشأن مسؤوليات جهاز الدولة عن صحة مواطنيها، خصوصا مع ميل قوى اليمين العالمي والمحافظين الجدد والقوى الليبرالية إلى خصخصة كل الخدمات وإعفاء الدولة من مسؤولياتها تجاه الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية وحتى عن إنشاء البنى التحتية وبعض مهام الدفاع الوطني.

الآن تقف النظم السياسية والاجتماعية أمام امتحان الحرب في أوكرانيا الذي قد يكون أصعب من جائحة كورونا في حال استمرار الحرب لأشهر قادمة والعجز عن إيجاد حلول سلمية، كما أن سلسلة العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا مرشحة للاستمرار لفترة طويلة، وعلى الأغلب أن تداعياتها والهزات الارتدادية المصاحبة لها سوف تصيب كل الدول والمجتمعات من دون استثناء.

وإذا كانت جائحة كورونا فرضت على العالم الاتحاد، ولو ظاهريا، في مواجهة ما يتعرض له الجنس البشري بأسره، فإن هذه الحرب قسمت العالم كما لم يحصل منذ الحرب العالمية الثانية، ومع هذا التصعيد وضعت كل القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان في الأدراج وعلى الرفوف، ورأينا نماذج صارخة للمعايير المزدوجة، وسياسات الكيل بمكيالين سواء في التعامل مع الانتهاكات التي تشملها الحرب وبخاصة استهداف المدنيين، وقضية اللاجئين، أو في سهولة فرض العقوبات وشمولها كل مجالات الحياة من المال والاقتصاد والاتفاقيات التجارية وصولا للرياضة والآداب والفنون، وكذلك تجييش الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فضلا عن الضغوط الهائلة التي مارستها الإدارة الأميركية على الدول الصغيرة لانتزاع مواقف مؤيدة للغرب وللعقوبات، ونحن الفلسطينيين أكثر من يعرف أن 74 عاما من الحروب والانتهاكات والتهجير والاقتلاع وجرائم الحرب لم تدفع أحدا إلى فرض أي عقوبة على من اقترف كل هذه الجرائم ويواصل اقترافها يوميا بحجج لا تنطلي على أحد.

من المتوقع أن يمتد تأثير الحرب على أوكرانيا لسنوات طويلة قادمة، وأن تترك هذه الحرب -مهما كانت نتائجها- آثارها على طبيعة النظام الدولي الجديد، ليس فقط لجهة تحوُّله من نظام أحادي القطب لنظام متعدد الأقطاب، بل ايضا في ضعف وانحسار تأثير القوى الصغيرة والهامشية التي ستكتفي بالدوران في فلك قوى كبرى أو تنخرط ضمن تكتلات إقليمية.

منذ الأيام الأولى للحرب، اضطربت سلاسل توريد الغذاء والطاقة، وزاد الطلب على الأسلحة فانتعشت خزائن وآمال تجار السلاح ومن بينهم الشركات الإسرائيلية،  وراحت كل دولة، وبخاصة الدول الصغيرة والضعيفة، تسعى إلى طمأنة مواطنيها وإبلاغهم عن مخزونها من القمح والحبوب وتدابيرها لتعويض النقص، كما ارتفعت اسعار النفط إلى أعلى مستوى لها في القرن الحالي (باستثناء طفرة مؤقتة في العام 2008) وهي مرشحة لمزيد من الارتفاع الأمر الذي سوف يؤثر على أسعار كل المنتجات الأخرى.

من المتوقع أن نكون كفلسطينيين من اكثر الشعوب تأثرا بهذه الحرب، بدءا من تعزيز النزعة العسكرية والأطماع التوسعية لدولة الاحتلال وإمعانها في سياسات القمع والبطش التي تنطوي على جرائم يومية بحقنا لن يحفل العالم بها كثيرا، وصولا إلى تهميش قضيتنا وانفضاض العالم عن الاهتمام بتفاصيلها، وكذلك ضعف التزام دول العالم بتمويل السلطة الفلسطينية وهو ما سوف يجعل الشعب الفلسطيني فريسة للاستفراد الإسرائيلي، ويجعل السلطة أكثر هشاشة وقابلية للابتزاز والضغوط الإسرائيلية.

ربما لا يستطيع الفلسطينيون التأثير كثيرا في معادلات الصراع في اوكرانيا وعلى امتداد العالم، ولكنهم حتما يستطيعون إذا أرادوا، التأثير في مناعتهم الداخلية والحد من قدرات دولة الاحتلال على حسم الصراع من خلال استثمار هذه الأزمة العالمية. 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط