كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هكذا تعرفت إليه، وهكذا عرفته

هكذا تعرفت إليه، وهكذا عرفته

تاريخ النشر: 2026-06-17 | 14:56

■ الحياة حافلة بالصدف والمفاجآت. بعضها يمر أمامنا دون أن يترك أثراً، وبعضها الآخر يفاجئنا، فتتحول الصدفة إلى واقع مقيم، نتمسك به، بعد أن يُصبح من اللزوميات، التي بدونها، يصعب أن تدير أمورك، وأن تنجز ما عليك من واجبات.

من هذه الصدف، التي تحولت إلى واقع مقيم، هو اليوم الذي تعرفت فيه على الرفيق خالد عطا؛ كنت يومها – صيف 1978 - في زيارة حزبية إلى ليبيا، حين تعرفت عليه، عضواً في الجبهة، وخبيراً في عالم الإقتصاد ومتفرعاته، يزاول إختصاصه في إحدى كبرى الشركات.

كان النقاش السياسي والتنظيمي هو محور حديثنا، ولمست لديه وعياً مميزاً، وإدراكاً أوسع لواقع الحال، فلسطينياً وعربياً. وراهنت على أن يكون خالد واحداً من الكادر المتقدم في الحزب.

■ في تلك الفترة كانت التطورات تتدافع في بيروت، حيث كانت مؤسسات منظمة التحرير تمارس أعمالها تحت مظلة التحالف الوطيد مع الحركة الوطنية اللبنانية، ما أدى إلى توسيع دائرة العمل اليومي، وطرح بإلحاح مسألة البحث عن خبرات متخصصة، فتطوع لها الرفيق عطا بلا تردد، متخلياً عن «إمتيازات» لم يُقمْ لها يوماً أي إعتبار، وهو المتقشف في حياته اليومية، رابطاً مصيره بمسار الثورة التي كانت تجتاز في حينها، أكثر منعرجاتها صعوبة وتعقيداً. ومنذ تلك المحطة التي صنعتها صدفة اللقاء الأول في ليبيا، والمحطة اللاحقة، التي تحولت فيها الصدفة إلى إستجابة تنظيمية لمن يملك القدرة على تجشم الصعاب، بدأت رحلة التعرف على خالد عطا، التي تحوّلت إلى مسار مشترك فيما بيننا، نادراً ما إفترقت سبله، على إمتداد خمسة عقود من عمر الثورة.

■ كان عطا إنسانا مثقفاً من الطراز الأول، فقد كان في مجال العلوم الإنسانية مرجعاً كفؤاً في الإضاءة على خلفيات الأمور التي كانت تواجهنا في يوميات الحياة وكأنه يقرأ في حولياتها، لا سيّما تلك المتعلقة بالإقتصاد وتقلباته، وحركة البورصة وذبذباتها من تل أبيب إلى وول ستريت؛ وكان يبرع في تنظيم الندوات الدراسية عن مواضيع شتّى، بما فيه تلك التي تتناول أوضاع الأونروا على يد تقارير المفوض العام وغيرها، كانت تجد طريقها بشكل مباحث وتقارير إلى فصلية «المجموعة 194».

■ لم تقتصر ثقافة عطا على إختصاصه في شئون الإقتصاد، بل شملت أيضاً السياسة بالمعنى الواسع للمصطلح، وذلك على خلفية الإطلاع الواسع على ينابيع التاريخ وعلم الإجتماع، وإمتلاكه لأدواتهما، وكانت له آراؤه في الأحداث والقضايا كبيرة كانت أم صغيرة، حريصاً على الإلمام بكل جوانبها، في المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية، وكل ما هو مؤثر فيهما، يتقصى على الدوام في كل تصريح وفي كل بيان وفي كل تقرير، باحثاً عن جملة تفتح على الأساسيات، يتوجب على القاريء إلتقاطها، تحت وطأة الفشل في إلتقاط الموقف في سياقه الصحيح. وعلى هذا الأساس كان يبدي رأيه ويحدد موقفه، وكثيراً ما كان ينجح في إثبات رؤيته، مدركاً أن البيانات والتقارير السياسية ليست مجرد «صياغات»، وهي إن لم توصل الفكرة بدون توسط لقارئها، فهي بيانات وتقارير صدورها من عدمه سيّان.

■ كان خالد عطا مغرماً بمتابعة إبداعات صنع الله إبراهيم و د. إيمان يحيى في الأدب، و د. رؤوف عباس في التاريخ، وعبد العال الباقوري وكارم يحيى في السياسة، لموثوقيتها، ورقيِّها، ومن موقع الصداقة الحقة التي كانت تربطه معهم؛ وكان يدرك ما يستحق أن يبذل وقتاً في قراءته أم لا.

ولعل إقامته في القاهرة، خلال سنوات دراسته الطويلة، وصداقاته الواسعة مع أوساط المثقفين، لا سيما اليساريين منهم، أحدثت بينه وبين العاصمة المصرية رباطاً وثيقاً؛ لذا كان على الدوام متابعاً حثيثاً لأهم الصحف المصرية، بافتتاحياتها ومراسلات مكاتبها في عواصم العالم، وكان يُذكِرنا على الدوام: إن رسالة مدير مكتب كبريات الصحف المصرية، تقدم لك – بأسهل الطرق - ما يكفي لمتابعة الأحداث الدولية، على دفقها.

■ كان لعطا حسّاً إنسانياً مرهفاً، من مظاهره إهتمامه الشديد بصحة رفاقه ورفيقاته وبأحوالهم المعيشية، وجنّد نفسه لمتابعة القضايا الصحية للجميع، حيث إستدل على أكثر الأطباء والإختصاصيين براعة، وكان حريصاً على الإهتمام بالجميع دون تمييز، راعياً، سائلاً عن سير العلاج.

هذه الإنسانية البارزة في سلوكيات عطا، كانت أمراً لافتاً للجميع، إستتبعت سؤالاً حول ما يقف خلف هذا الحس الإنساني، وهل يخفي عطا عن زملائه ورفاقه أمراً ما؟.. وظني أن أصول خالد عطا الكادحة، وظروف المعيشة الصعبة التي أحاطت بنشأته، هي التي تقف أيضاً وراء هذا النزوع الإنساني، الذي كان يحاول توريته بمواقف الصد المبرم، والتجاهل المفتعل.

■ زرته في المستشفى برفقة معتصم حمادة وخليل الكردي، وقد خرج من غيبوبة دامت أكثر من أسبوع. أحاطنا الطبيب بتشخيص موضوعي لحالته، مفاده أن عودته غير الكاملة من الغيبوبة – في حال إستمرارها لمدة 24 ساعة – تفتح على إمكانية إنتقاله إلى داره، إنما تحت الرقابة الطبية المستدامة.

مكثنا عنده الوقت المتاح، نحدثه، ولا يجيب، لكنه كان يعطي إشارات خافتة لم تطمئنا على وضعه، وإن بثت فينا مسحة من الأمل في أن يستعيد وعيه بشكل أفضل. لكن القدر شاء أن نكون أنا ومعتصم وخليل وزوجته آخر من يودعه وهو مازال يتنفس، فبعد أن غادرناه ونحن في طريقنا إلى مقر العمل، بلغتنا زوجته أنه قد أسلم الروح، ومع أن رحيله كان مُرَجَّحاً، غير أن وقعه علينا كان المفاجأة الأكثر إيلاماً.

وداعاً أيها الرفيق، والأخ العزيز؛ كم سنفتقدك في إجتماعات المكتب السياسي..■

كانون الثاني (يناير) 2026

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط