كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هكذا علّمتنا.. إلى الياس خوري،في موته المجازيّ

هكذا علّمتنا.. إلى الياس خوري،في موته المجازيّ

تاريخ النشر: 2024-09-16 | 15:32

أن يموت كاتبٌ؛يعني أن تموت غابةٌ كاملةُ الشجر والمطر.غير أن هذا الموت مجازيّ،لأن المبدعين يشبهون المعابد والموسيقى والصلاة،ويبقون،بما تركوه من ضوء،يسعى بين عقولنا وقلوبنا.ولعل الروائي الياس خوري نموذجٌ كبير ونورانيّ،ويزدحم بشموسه التي أطلقها من لبنان إلى فلسطين،ليؤكد أن العمل الأدبي المميز والجامح والممتلئ،يستطيع أن يتجاوز مكانه المحليّ،ليتعالق ويتماهى مع ما يحيط به من أماكن مشتعلة ومباركة،مهما اقتربت أو ابتعدت،ويجعل منها موطنه الباذخ الموّار،ومجاله الحيوي الأكيد.فالياس خوري ليس كاتبا "لبنانياً"،بقدر ما هو فلسطيني وكونيّ،إن شئت!

إن روايات خوري وجلّ مقالاته ومداخلاته،انشغلت بفلسطين؛التاريخ والمظلمة والموقف الواجب،الذي يتغيّا الخلاص التام.وبدا كأنه يطلّ علينا من نابلس أو غزة أو حيفا،وربما من رام الله،التي شغلت حيّز السياسة،وكانت نقطة تقاطع النهار والليل.

والياس خوري الذي طلع من بيدر البحث والحراك الفلسطيني،مبكّرا،في لبنان،قبل الغزو والخروج،هو نفسه الذي شكّل مع درويش ولُحمة المثقفين الفلسطينيين،تلك النار المقدّسة التي تجلّت دراساتٍ ومجلات ومنشورات..تركت بصمتها العميقة على جدران الأدب المختلف.

..ورحل الياس خوري،لتصبح فلسطين الثاكل،ثاكلاً،للمرّة المليون،وأبناؤها الشهداءُ والأدباء والرّضعُ،يصّاعدون،ويتفلّتون من بين أصابعها،كأنهم الماء أو الرمل الساخن.وفلسطين التي تنقص برحيل هؤلاء،هي ذاتها التي تكتمل بهم،لأنهم مَن يعطيها معناها وجوهرها العميق الباقي،كما يمدّونها بأسمائها الخالدة.

وَلَكم دعاني بكلماتهِ،لأعودَ إلى كفّيه المفرودتين على الحِبر اللاهب!ربما كان أكثرَ بداهةً من تَلْمِ الأرضِ بعد أن افترَعها المحراثُ الخشبيُّ القديمُ،وقد أدركَ الضّوءَ المنعكسَ مِنْ على بساطيرِ الغزاةِ أو زيِّ المجنّداتِ الغريبات..ولهذا؛زجّني،هكذا،في هذا الغبشِ اللزجِ،مع الأفعى ذات الرؤوسِ الجرسيةِ الألف.

لقد كانَ الكاتبُ محاصراً بالعمومةِ الناكرةِ والجهلِ والمفارقةِ الخاذلة.

أما نحن؛فلا نُتقنُ،من لعبةِ الديناصورِ إلاّ الخوفَ أو الهروبَ أو الارتماءَ في حِضنه،لأنّ جملتنا المعرفيةَ غائبةٌ،أو حاضرةٌ مشوَّهةٌ،وربما شاركنا في قصِّ جَفنيها،وخدشَ صدرَها الصغيرَ،أو مَنْ تطاولَ على شرفِها،لأن أكبرنا هو الحكّاءُ العربيدُ المشروخُ من الفخذين إلى الكتفين.فانظرْ في المرآةِ!أو ضَعْ رأسَكَ بين يديك،وتأمّل كثيراً،قبل أن تعيدَ فتحَ ناظريكَ أو تنبسَ بحرفٍ واحد.

ويا أشجار الأرز الممتدة في صدره!انطلقي،واخترقي كبد الشمس.واهزمي الظلام في آدم.واخلقي هرقلاً جديداً يحرر بروميثيوس،وابعثي دعوة الإيمان لهند،وأعيدي الإنسان للمشوّهين القتلة،لعلّهم يتوبون كما تابت المجدليّة..وواصلي مدّ جذورك حتى ترهص بالليمون والزيتون من جنين إلى غزّة.

ويا أيتها الرجولة الفارعة كالأبنوس،توالدي على الطرقات كالنجوم الشاهدة على الحياة،لتسير فلذات أكبادنا نحو بيادر الفرح عند الفجر.وعلّميهم كيف يكسرون الوحوش الضارية،ليخرجوا الطير من بين أنيابها الكريهة.لتنطلق أغانينا،حافية كالأنهار،وعامرة كالخوابي والمشاوير والصلاة.

ويا أبانا الذي خرج من الجنّة وحطّ على الأرض!عليك أن تخلق جنّتك الوارفة الخلّابة هناك..بعيداً في القلب،لتعود علاقتك بأبواب الغزالة ممتلئة بالحكايا.ولا ذنب على الأرض إلا ذنب أولئك الذين فقدوا صلتهم بآدم.

***

كانت الوردةُ بيضاءَ،والسماءُ سحابةَ ثوبِ عروسٍ،عندما امتدّت يد زيوس لتوثق بروميثيوس بالصخرة الصماء،ويأتي الطيرُ الجارح،آكل الكبد الحرّ،ليقضي على معظمه.

وكانت الصحراء صحراء،والحرب بلاء وشظايا،عندما مضغت هند كبدَ حمزة..وعندما هرست دبابةُ الجنزير لحمَ رضيع في الطريق،كانت الدماء دماء،والسماء غائبة عن السماء..ومن لحظتها وقلب الأرض يستعر كالجمر،ويلوب من أوجاع الكراهية في الإنسان،ومن خراب نظرته لكثافة النوع البشري.

وربّما ألوك حروف الأوائل لأهرب من سؤال حفيدي القادم،ولهذا أحاول أن أستر وجهي برغوة الكلمات والردّ المفتوح على الأسئلة الصعبة المشروعة،التي تناساها علماء النْفس الاجتماعي،والمثقفون العرب الذين لاقوا الرواء(!) في منافيهم الاختيارية خلف البحار.فأسئلة الصغار هي سيوف المعتزلة والكهلة،وأساس مفاهيم المناطقة والرواقيين والجوهر والعرض..ولكن رداءة الزمن العربي الآنية قلبت عواميد الفكر والثقافة والتراث.فكبرنا وفينا رهبة السؤال وفضيحة الجواب،ورفعنا وسائل الدفاع الآلي والتبرير،ومقولات الدِّين المُلتَبسة..فأصبحنا بلا حدود أو هدوء أو بلاد!

 ***

ولعلّي،مرّة اخرى،أهرب من سؤال الطفل في روحي،أو لعلّي وصلت الى قناعة أكيدة بأن"كولّاج"الحياة ليست إلاّ ترتيباً طبيعياً للأمور..ولكنني لم أختر درب "رامبو" الصامت العابث،فحاولت حفر القواميس كمقدمة لحفر القبر أو القصر أو البحث عن كنز لن أجده!

وما هذه الُهلامية الرّخوة أيّها الكبير،كدمعة الرجال!هل وصلنا إلى الغموض الكامل أم الوضوح الكاسح؟أم أن تعب القلب جعل الأمور تتداخل وتنصهر في بوتقة الرماد؟وما أهمية هذا السؤال أو كلّ الأسئلة ما دام الربع الخالي خالياً إلآ من الرمل والضباع ورعاة الغنم المقهورين؟وأن نينوى مدينة قابلة لتجديد الموسيقى،ولاستيعاب أعراس الجنون؟

وما قيمة اللغة إذا لم تضمن لك المذبحة أو الزلزلة أو النسيان الُمطْلق للشهوات؟وماذا تنفع الغابات والأنهار إذا لم تطلق أعنتّها للظباء،وتشهد الرفيف الأخضر ساعة الضحى؟

الصمتُ كلامٌ مكتوم.

وثمّةَ متّسعٌ للكلام.ولا بُدّ من رقبة الديك حتى يظلَ قادراً على الصياح،ولا بُدّ من سكين المتنبئ حتى يشخب دمُ الطير على خدّ العروس،لتكتملَ زينتها،ويعودَ بكامل ألوانه المزركشة بعد أن يرقص بقشعريرته،ويلفّ ويدور حول نفسه،ذبيحاً طازجاً معفّراً بإكليله الأحمر المنعوف الساخن.

ولا بُدّ من تلك الهّزة العميقة التي تنشر برقَها المتشعّب في الأوصال،عند كل فجيعةٍ أو ذكرى،أو جَمال يبطش،أو دمعة رجراجة كاوية،عندها تحسّ أن أحشاءك تغوص بعيداً،كأنك على عتبة التحوّل إلى كينونة أخرى.

ولا بُدّ من عافية الصراخ والبكاء والضحك المجلجل والشبق،والذهاب إلى آخر الموجة،أو إلى كهف الغابة المسحور.ولا بُدّ من عَرقِ الخطيئة ونَهمِ اللذّة والعبث،حتى يكون للحسرة طعمها الجليل.ولا بُدّ من السجود العميق والصوم والتمسّح بأثواب النور،حتى يخفّ القلب ويجنّح مع النجمة اليتيمة الواعدة.باختصار،لا بُدّ من كل شيء حتى نسحب أوراق الجنون من الوردة الريّانة المحتشدة بالرقّة والشّهد والرّهام الرقراق.

***

ولم تَعُدِ الأفعى من وردتِها السَّوداء،يا الياس!لتلقيَ علينا السلامَ،فقد هيّأتْ لأبنائِها النّاعمينَ، أقفاصَ الفراخِ والدمِ الطفلِ الفائض.وبقينا،على شيخوختِنا،نستعيدُ النَّايَ الذي هربَ من ضلوعِنا.فلا بأسَ من أن نقتسمَ التحيةَ على ما تبقّى من مشهدِ النهرِ الظامئِ،الذي كشفَ عُمْقَ العطشِ،أو الفيضانِ الأحمر سالفِ الذكرِ.

وقيل؛لم تُكْمِلِ العَرُوسُ زينَتها،كما ينبغي،فماتَ القُرنفلُ والماء.

ولا جدوى من هذا الهروبِ الأنيقِ،أو التلهّي بهذه التسليةِ المضبوطةِ الراقية،لأنَّ الحوذيَّ أتقنَ ضربَ السياطِ،وأصبحنا(نحن المثقفين) مدجّنين كما يروقُ لأمسياتهِ العارية،ولا بأسَ من أن نقضيَ ما تبقّى من أيامٍ،فقد ردَّد النقّادُ إطراءَهم وتبريراتِهم بإتقانٍ شديدٍ،ولن يُغطّي نُحَاسُ الصنّاجةِ أسماءَنا العاليات،أو ما يقوله الرواةُ في الخانِ،أو على جسرِ القمرِ الوحيد.فليمُت مَنْ يمُت،ولينتحرْ مَنْ ينتحر،وليقدّمِ الأميرُ قبّتَنا الخضراءَ المعتّقة إلى سادنِ الجحيمِ الوحيدِ..فماذا عسانا نفعلُ في هذا السقوطِ المخيفِ الواسعِ المجنونِ؟

بضعُ كلماتٍ ونردُم في العيونِ البسيطةِ كل هذا الرعب.وببضعِ كلماتٍ نُبشّرُ بالنشيدِ والصغارِ..ونعرفُ أننا نمارسُ آلياتِ التعويض.لكننا سنظل نراهن على الكلام باعتباره سلاحنا الأخير ،الذي نعوّل عليه.هكذا علّمتنا،وهكذا سنكون.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط