كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل اخترق الرئيس المجتمع الإسرائيلي؟

هل اخترق الرئيس المجتمع الإسرائيلي؟

تاريخ النشر: 2016-04-12 | 08:34

قررت كتابة هذا المقال بعدما شاهدت المقابلة التي أجرتها القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مع الرئيس محمود عباس كاملة، وكانت أقرب إلى الاستجواب منها إلى مقابلة صحافية. وبدا الرئيس فيها في قفص الاتهام مدافعًا عن نفسه، ومقدمًا ضمانات بتحمّل مسؤولياته كاملة إذا التزمت القوات الإسرائيلية بعدم اقتحام المدن الفلسطينية، مطالبًا "بمنحه أسبوعًا فقط، وإذا لم ينجح يمكن عودة القوات الإسرائيلية، ويمكن أن يسلّم بنيامين نتنياهو السلطة مع تحية سلام"، محذرًا بأن "السلطة على وشك الانهيار وأنه من دون تعاون أمني ستقع الفوضى".

قلبت الأمر على مختلف الوجوه، وتساءلت: ما الذي يدفع الرئيس أن يقوم بحملة واسعة لكسب الرأي العام الإسرائيلي شملت السماح بتعميده من حاخام يهودي، ولقاءات لا تنتهي مع جماعات مختلفة في إسرائيل، وإرسال وفد من العشرات بينهم عضو لجنة تنفيذية للمنظمة وعضو لجنة مركزية في "فتح" للتعزية بجنرال احتلالي مسؤول عن جرائم الاحتلال وخائن لشعبه وطائفته من خلال الانضمام إلى جيش الاحتلال؟ وما الذي يدفع الرئيس لوصف القضاء الإسرائيلي المسخّر لخدمة المشروع الاستعماري الاستيطاني بالعادل؟

لماذا اتخذ الرئيس المواقف أثناء المقابلة مع الصحافية إيلانا دايان، حين ساوى بين الضحية والجلاد من خلال قوله "إن الطرفين يمارسان التحريض، وإن الشعبين يريدان السلام وإنسانيان، وإن الجرائم مثل إعدام عبد الفتاح الشريف استثناء"؟ مؤكدًا أن "الأمن الفلسطيني يفتش حقائب الطلاب في المدارس بحثًا عن السكاكين وأنه وجد في حقائب الطلاب في مدرسة واحدة سبعين سكينًا، وبحسبة بسيطة نصل إلى أن طلابنا في كل المدارس التي يبلغ عددها أكثر من 2144 مدرسة في الضفة الغربية يحملون آلاف السكاكين، ما يبرر – وإن بشكل غير مباشر - ما تقوم به قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين المدججين بالسلاح (هناك 380 ألف مستوطن مسلح، إضافة إلى مئات الآلاف من الجنود في جيش الاحتلال) من جرائم مختلفة، بما فيها القتل الميداني، مثلما حصل مع الشهيد عبد الفتاح الشريف الذي قُتِل على مرأى ومسمع العالم كله وهو ملقى على الأرض جريحًا لا يقوى على الحركة، وبعد أن تأكد ضابط احتلالي بأنه لا يملك حزامًا ناسفًا.

بالتأكيد، إن ما يدفع الرئيس إلى ذلك هو اعتقاده بأنه يستطيع عبر هذا الطريق اختراق المجتمع الإسرائيلي بما يخدم الشعب الفلسطيني، فهل نجح في ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن أشير إلى أن الرئيس لديه قناعة راسخة لا تتغير منذ وقت طويل قبل "اتفاق أوسلو" بأن الحوار والمفاوضات وكسر الحاجز النفسي في الصراع، وإعلام الإسرائيليين بما تريده أغلبية الفلسطينيين من عدل نسبي، والعمل من أجل السلام وتقديم التنازلات في سبيل ذلك؛ هو الطريق الوحيد لتحقيق حل الدولتين والعيش بأمن وسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقد قام "اتفاق أوسلو" على تلك النظرية التي تبسّط الصراع وتتجاهل الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية العنصرية الاحتلالية الإجلائية للمشروع الصهيوني، والامتيازات التي يتمتع بها اليهود نظير الاحتلال ودور إسرائيل الوظيفي، وتتصور أن الحوار وإثبات أن الفلسطينيين مستعدون لتقديم التنازلات المطلوبة سيشجع الإسرائيليين على أن يحذوا حذوهم وبالتالي يتحقق السلام.

ماذا كانت النتيجة بعد أن نفّذ الجانب الفلسطيني التزاماته في "خارطة الطريق" من جانب واحد، وتبنى خطة إقامة مؤسسات الدولة وإثبات الجدارة تحت الاحتلال من أجل إنهاء الاحتلال؟ هل أصبح المجتمع الإسرائيلي بعد كل هذه الحملات جاهزًا للسلام، أم أصبح أكثر تطرفًا وعنصرية وعدوانية، وأكثر بعدًا عن السلام؟ لقد دفع التنكر الإسرائيلي للحقوق الفلسطينيين ولعدم تطبيق اتفاق أوسلو على سوئه إلى اعتراف الرئيس خلال السنوات الست السابقة بفشل رهانه على المفاوضات (أو كما يحب أن يقول إنّ "اتفاق أوسلو" أُفْشِل) وإلى التهديد بالاستقالة وتسليم مفاتيح السلطة، وصولًا إلى اتخاذ قرارات المجلس المركزي (لا تزال حبرًا على ورق) التي  نصّت على ضرورة عدم استمرار الالتزام الفلسطيني من جانب واحد، وأن العلاقة مع إسرائيل يجب أن تتغير من علاقة مع شريك سلام إلى علاقة مع احتلال.

أحيت حكومة نتنياهو بعد كل هذا "الاعتدال" الفلسطيني خطة إقامة "إسرائيل الكبرى"، وأزالت الخط الأخضر، وديّنت الصراع، وتخلّت عن حل الدولتين، ومضت بعيدًا في التطهير العرقي والعنصري، وتهويد القدس وأسرلتها، وتوسيع الاستيطان، وهدم المنازل، وشن الاعتداءات الوحشية الهمجية على قطاع غزة واستمرار حصاره، ووضعت مخططات لزيادة عدد المستوطنين إلى مليون مستوطن خلال سنوات قليلة.

يكفي أن نورد بعض نتائج الاستطلاعات الأخيرة التي أوضحت أن المعضلة لا تكمن في وجود حكومة إسرائيلية متطرفة، وإنما في وجود مجتمع متطرف لم يعد الصراع فيه بين اليمين واليسار حتى بالمقاييس الصهيونية، وإنما بين اليمين واليمين المتطرف، لدرجة المطالبة بقتل وزير الحرب موشيه يعلون لأنه أراد أن يحمي صورة إسرائيل من خلال إدانة الجندي الذي قتل الشريف في وضح النهار وبدم بارد، وتصويره بأنه حادث استثنائي. لقد لاحظنا أن أغلبية الإسرائيلين كانوا وراء حكومتهم في حروبها ضد قطاع غزة وطالبوها بالاستمرار في هذه الحروب.

لقد أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن أغلبية الإسرائيليين (67%) ضد اعتقال قاتل الشريف، وأيدوا الفتوى الإجرامية العنصرية التي أطلقها الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين يتسحاق يوسف (طالب بطرد الفلسطينيين إلى السعودية) الذي حرض فيها على قتل الفلسطينيين الذين يعزمون تنفيذ عملية طعن حتى بعد السيطرة عليهم، بينما اعتبر 57% أنه لم تكن هناك حاجة لاعتقال الجندي أو فتح تحقيق معه، واعتبر 42% منهم أن قتل الشريف وهو عاجز عن الحركة عمل مسؤول، بينما يرى 94% من المتدنيين أن إعدام المقاومين ميدانيًا فريضة شرعية يتوجب القيام بها، وأيّد 72% منهم وأغلبية الإسرائيليين فصل النساء الفلسطينيات عن اليهوديات في المستشفيات.

وفي الشهر الماضي نشر معهد الاستطلاعات الأميركي "بيو" نتائج استطلاع أجراه في إسرائيل جاء فيه: إن نحو 50%‏ من اليهود الإسرائيليين يؤيدون طرد الفلسطينيين من وطنهم، فيما أيّد 79% من اليهود التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48، وتظاهر الإسرائيليون بقيادة زعماء مثل نفتالي بينيت، وزير التعليم (الذي يتباهى بعدد الفلسطينيين الذين قتلهم) وأفيغدور ليبرمان (الذي طالب برمي الأسرى في البحر الميت)، مطالبين بالإفراج عن قاتل الشريف، ما دفع رئيس الحكومة للتراجع عن موقف سابق له أدان فيه الجريمة.

كانت ردة الفعل الإسرائيلية على حملة الرئيس الحالية كالعادة غير مكترثة بما قاله ويفعله باستثناء بعض الأصوات السياسية والإعلامية القليلة، أما الحكومة والأغلبية فطالبوا بالمزيد لأنهم يريدونه كما قال في المقابلة عميلًا وليس شريكًا.

وطالب حنان كريستال، معلّق في سلطة البث الإسرائيلية، الرئيس بوقف رهاناته على الرأي العام في إسرائيل، بسبب انزياحه المتواصل والمتسارع لليمين، حيث قال بأن على عباس التريث "فَلَو قدم رؤوس قادة حركتي حماس والجهاد على طبق من فضة لإسرائيل، ولو انضم للجنة التنفيذية لحزب الليكود، فلن يغير هذا الأمر من توجهات الإسرائيليين".

أما يوسي كوبر فاسر، فكتب في "هآرتس": "إن حديث الرئيس ليس جيدًا، لأنه لم يقنع ضيوفه من اليهود الشرقيين، فلماذا لا يندد أبو مازن بالعمليات بدل الحديث دائمًا عن أننا بشر، ولماذا لا يوجه هذا الحديث إلى أبناء شعبه، ولماذا لا يتحدث عن حل الدولتين لشعبين، ولماذا لا يستخدم أبدًا مصطلح الشعب اليهودي؟". ويضيف فاسر "إن عباس لا يحيد عن الرواية الفلسطينية التي تقف وراء إرهاب السكاكين، وأن حديثه عن إقناع الأطفال بعدم تنفيذ عمليات طعن، وعن تفتيش حقائب الطلاب وسحب سبعين سكينًا في مدرسة واحدة يظهر أن بمقدوره وقف الظاهرة أو تقليصها، فلماذا قرر الآن فقط أن يفعل ذلك؟".

كل ما سبق يدل أن كل تنازل لا يشجع الإسرائيليين على تقديم تنازل مقابل، بل يفتح شهيتهم للحصول على تنازلات أخرى وأكبر، وهذه هي النتيجة التي حصدها أنصار أوسلو والمفاوضات الثنائية ودعاة الحوار والتطبيع ولجنة التواصل، لدرجة أوصلتهم إلى الحديث عن "تحريض متبادل" من الجانبين، متجاهلين أن الاحتلال ذروة التحريض، ولا يمكن مقارنته بأى حال بما يسمى "التحريض" الفلسطيني، بل إن مجرد تشكيل لجنة لوقف التحريض المتبادل ينطوي على إهانة بالغة لنضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة.

قامت إسرائيل في العام 1948 على أنقاض الشعب الفلسطيني من خلال المجازر والطرد والفصل العنصري، والإعدامات الميدانية التي تمارس حاليًا ليست استثناء، بل سياسة معتمدة مورست في الانتفاضة الأولى. كما ونفذت الحكومات الإسرائيلية منذ "اتفاق أوسلو" حتى الآن جرائم فردية وجماعية ضد الشعب الفلسطيني أدت إلى استشهاد أكثر من ثمانية آلاف فلسطيني وأضعافهم من الجرحى والأسرى والمشردين، وزجّت في السجون عشرات الآلاف من المعتقلين، الآلاف منهم لمدد طويلة، وعدد كبير منهم اعتقل اعتقالات إدارية من دون تهم ولا محاكمة لفترات طويلة استمرت سنوات.

يجب مراجعة هذه السياسة كليًا التي لم تحصد سوى الفشل وإمعان إسرائيل في التطرّف، لدرجة لاحظنا مصير المباحثات لوقف اقتحام مناطق السلطة المصنفة (أ) مقابل التخلي عن تنفيذ قرارات المجلس المركزي، حيث انتهت بحسم نتنياهو الأمر بقوله إن حرية عمل الجيش في جميع المناطق أمر مقدس، وهذا يعني أن السلطة الآن في موقف حرج وصعب جدًا، فكيف ستخرج منه هذه المرة، وكيف ستبرر عدم تطبيق قرارات المجلس المركزي؟!

لا بديل عن مغادرة الرهان على المفاوضات وتغيير الرأي العام الإسرائيلي بالحوار والتنازلات والاعتماد على العوامل الداخلية في إسرائيل، والرهان بدلًا من ذلك على استنهاض عوامل القوة لدى الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها إعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وتعزيز عوامل الصمود والمقاومة، التي يجب أن تكون وفق مرجعية وطنية وإستراتيجية واحدة قادرة على جعل الاحتلال مكلفًا، وعلى الاستفادة من التناقضات داخل إسرائيل، إذ يمكن التحالف مع العناصر المناهضة للاستعمار الاستيطاني الاحتلالي العنصري. فإسرائيل لن تتغير من الداخل وإنما من خلال الضغط عليها من الخارج.

وأخيرًا، كان على الرئيس أن يركز على ما قاله عرضًا في المقابلة لماذا أوصل الاحتلال الأطفال الفلسطينيين إلى تفجير "انتفاضة السكاكين"، فهذا يعني أنه أوصلهم إلى تساوي الموت والحياة، "وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانًا". والسؤال الذي بحاجة إلى إجابة: لماذا شهدنا انتفاضة الأفراد؟ فلو كان هناك بديل من خلال مقاومة فعالة يقودها الرئيس والقيادة والقوى لما وصلنا إلى ما نحن فيه.

[email protected]

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط