كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل الديكتاتوريةُ مَرضٌ أم عبقرية؟! 

هل الديكتاتوريةُ مَرضٌ أم عبقرية؟! 

تاريخ النشر: 2025-08-20 | 13:03

سأظل أتذكر مسرحية، كاليغولا للكاتب الفرنسي، البير كامو المولود في الجزائر عام 1913م والمتوفى في فرنسا عام 1960م، لأن هذه المسرحية جعلتني أبحث عن سيرة زعيم روما، كاليغولا الذي عاش في القرن الأول الميلادي، فهو تارة زعيم مجنون يبحث عن المستحيل، وطورا عبقريٌ يبحث عن علوم الفضاء، كان يسعى لامتلاك القمر والتحكم في ضوئه، وكان يعشق الانتقام من كارهيه بالقتل والإذلال، فهو شخصية غريبة، بخاصة حين قرر أن يُعين حصانه عضوا في البرلمان، وحظي بالموافقة من مجموع الأعضاء، ولم يكتفِ بذلك بل قرر الاحتفال بالمناسبة، فصنع وجبة (فاخرة) لأعضاء البرلمان مكونة من التبن والشعير المخصص للحصان، وأرغم أعضاء البرلمان الحاضرين على أكل هذه الوجبة! وقد بلغ به المرض حدا جعله يُغلق مستودعات الطعام ليتسلى على مجاعة شعبه! وهو على الرغم من طغيانه وجنونه إلا أن مساعده، كاسيوس وحرَّاس كاليغولا تمكنوا من اغتياله عام 44م، ليتخلصوا من جنونه وطغيانه!

هذا العبقري المجنون أورث سلفه الروماني، نيرون بعض صفاته، فقد تولى، نيرون حكم روما بعده، وكان هناك شبهٌ بين الاثنين في الروايات التي حيكت، فقد اتُّهم نيرون أيضا بأن له مزاجا مَرَضيا، نُسب إليه أيضا أنه تواطأ على إهمال إطفاء حريق مدينة روما عام 66م، وادعى كثيرون أنه لم يرغب في إطفاء الحريق وكان يلتذُ بالنار، لأنه كان مشغولا ببعض الألعاب المسلية، فقد كان يعزف على آلته الموسيقية، ولم يتأثر بالمنكوبين من سكان المدينة! غير أن كثيرين من المؤرخين رفضوا هذه التهم وأنصفوا نيرون، وقالوا إنه شارك في إطفاء الحرائق في مدينته!

مسرحية كاليغولا دفعتني لقراءة ما توفر لدي حول شخصيات مثيلة من الحكام العرب المصابين بالمرض الكاليغولي، مثل الحاكم بأمر الله، حكم مصر من 996م-1021م، كان مصابا بمرض كاليغولا بدرجة مختلفة، فبعد موت والده العزيز بالله الفاطمي تولى الحكم فتىً صغيرا، إلا أنه عندما بلغ الخامسة عشرة من العمر بدأ عصره بالطغيان فأعلن الحرب على منافسيه وتخلص منهم!

غير أن كثيرين من المؤرخين أنصفوا الحاكم بأمر الله، لأنه كان عفيفا كريما، ألغى الضرائب، ومنح الجوائز للمبدعين، غير أن كتب التاريخ أثبتت له أعمالا غريبة منها: حظر العمل في النهار، ومنع أكل طعام نبات الجرجير والملوخية، ومنع ذبح الأبقار إلا الأبقار غير الصالحة للفلاحة، وحظر بيع السمك الخالي من القشور، دعا لإصلاح الموازين، وأمر بكنس الأزقة والشوارع وأبواب الدور في كل مكان، وكان معتادا على مراقبة حركات القمر والأفلاك، وكان شغوفا برصدها! افتتح مكتبة دار الحكمة بالقاهرة وحمل الكتب إليها، وعين لها المختصين.

أشار كثيرون من الباحثين إلى أن الحاكم بأمر الله كان مؤسس الطائفة الدرزية! لم ينس كثيرون أوامره بقمع اليهود والمسيحيين وإجبارهم أن يلبسوا ثيابا مميزة عندما يخرجون إلى الشوارع بألوان خاصة تُظهر ديانتهم، فقد كان يُجبر اليهود على حمل قرامي الخشب في رقابهم!

يعزو كثيرون من المؤرخين سبب الحروب الصليبية إلى تدمير الحاكم بأمر الله كنيسة القيامة في القدس 1009م، ولكنه أعاد بناءها من جديد، ورغم ذلك جرت المذابح الصليبية الفظيعة ضد سكان القدس بسبب هذه الفعلة!

سأظل مسكونا بمقررات الدراسة في منهج الخطابة العربية المقرر على أبناء يعرب في مدارسهم، ومن أبرز النصوص الخطابية التي كانت مقررة على طلاب المدارس في بلاد العرب، خطبة، زياد بن أبيه، الطاغيةـ وهو خطيب مجهول النسب رغب في أن يصبح له نسبٌ عالٍ، فقرر أن يسلك طريق الديكتاتور القامع في بداية القرن السابع الميلادي، عندما استعان به الخليفة الأموي، معاوية بن أبي سفيان ليُطوِّع سكان مدينة البصرة المتمردين على الحكم الأموي، على أن يعترف معاويةُ بنسبه إلى بني أمية، حينئذٍ وافق زيادٌ ليصبح اسمه، زياد بن أبيه، أي أخ معاوية بن سفيان، حينئذٍ اختط خطبته المشهورة في مسجد البصرة، فقد جمع سكان المدينة في المسجد وخطب فيهم الخطبة الخالية من بسم الله الرحمن الرحيم، لذا سُميَّتْ (البتراء)، كان هو أول قائد في التاريخ  فرض منع التجول على سكان البصرة، حين قال: "إياكم ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، حرامٌ عليَّ الطعامُ والشرابُ حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا، إني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والصحيح منكم بالسقيم، والمقبل بالمدبر، حتى يلقى الرجل أخاه فيقول له: أُنجُ سعد فقد هَلك سُعيد، مَن أغرق قوما أغرقناه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا"!

وسأظل أيضا أتذكر تاريخ قامع وطاغية آخر، ذكرته مناهج الدراسة في عالمنا العربي، واعتبرته المقرراتُ المدرسيةُ حاكما قويا حازما، تمكن من قمع معارضي السلطة الحاكمة، هذا الطاغية هو، الحجاج بن يوسف الثقفي عام 660م، هو المنتدب من الخليفة الأموي، عبد الملك بن مروان ليطوع مكة والمدينة لحكمه، وليتخلص من قائدها، عبد الله بن الزبير ابن أسماء بنت أبي بكر.

لم يلتفت الحجاجُ إلى قدسية الكعبة، فقد ضربها بالمنجنيق، وقتل أعدادا كبيرة من جيش عبد الله بن الزبير، ليتمكن من الحصول على لقب خليفة المسلمين في مكة والطائف والعراق، وعندما تمكن من هزيمة عبد الله بن الزبير، علق جثته على مدخل مكة، وقطع رأسه وأرسله للخليفة عبد الملك بن مروان، في جريمة بشعة!

سأظل أتذكر خطبة الحجاج لتطويع أهل العراق حين قال: "يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، إنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مناخ الضلال، وسننتم سنن الغي، وأيم الله لألحونكم لحو العصا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل"!

إن الحكام الجاهلين أو المصابين بمرض الغرور هم أسوأ بكثير من العملاء المأجورين، لأنهم قادرون على إفساد وتدمير مجتمعاتهم بخطوات متهورة لإنعاش ذواتهم، بعض النظر عما يرتكبونه من آثام في حق أبناء جلدتهم وأوطانهم!

ليس شرطا أن يكون رؤساء الدول عملاء مأجورين، بل قد يكونون مجانين ليحققوا حلم الآخرين!

للأسف ظل الديكتاتوريون المجانين هم الأكثر شهرة في كتب الأدب، ظلت هذه القصص القمعية دعاية لهم، لكي تحذوَ أجيالُنا على منوالهم، وللأسف أيضا ما تزال مناهجُنا التربوية قاصرةً عن معالجة هذه الديكتاتوريات، وإعادة صياغتها في قوالب ديموقراطية عصرية تلائم مستقبلنا! وكأن هذه النماذج الكاليجولية هي الحل الوحيد لإخماد الثورات وتطويع المواطنين بالقوة، وكأن المناهج الدراسية تقول لأبنائنا بصورة غير مباشرة: "الديكتاتورية، والقمع، والتهديد، والقتل، هي الحل الوحيد للقضاء على التمرد ضد الحكومات المكروهة"!

أخيرا، تخلو مقرراتنا المدرسية من موضوعات غايتها علاج جنون الحكام وطغيانهم، فلا وجود في معظم مناهج أبنائنا التربوية لمبادئ تعليم أسس الديموقراطية، ولا وجود لمناهج تعزيز ثقافة الوئام والسلام، وإنعاش الفنون الجميلة، وتعليم آليات الإسهام العلمي والثقافي في حضارة العالم!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط