كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل تتحول الهبة الشعبية الحالية إلى انتفاضة؟

هل تتحول الهبة الشعبية الحالية إلى انتفاضة؟

تاريخ النشر: 2021-12-28 | 06:57

هاني المصري
هاني المصري

تشهد الضفة المحتلة تصاعدًا ملحوظًا في أشكال المقاومة الشعبية والمسلّحة، فقد ارتقى خلال هذا الشهر حتى كتابة هذه السطور سبعة شهداء، عدد منهم جراء تنفيذ عمليات مقاومة مسلحة سقط فيها عدد من المستعمرين المستوطنين ما بين قتيل وجريح، إضافة إلى جرح الآلاف الفلسطينيين بإصابات مختلفة بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز، فضلًا عن مئات المعتقلين، في وقت يُجسّد فيه الأسرى آيات من الصمود والبطولة الفردية والجماعية.

ما يميز الهبة أو الموجة الحالية أن عنوانها الأبرز ليس القدس وما يجري فيها، رغم أن القدس لم تهدأ أبدًا، وما يميزها كذلك المواجهات الشعبية في مناطق عدة في وقت واحد، خصوصًا في بيتا وبرقة، التي تأخذ الشكل الدفاعي في معظم الأحيان، من خلال قيام قوات الاحتلال باقتحامات مكثفة، وأحيانًا في مناطق عدة في يوم واحد، وقيام المستعمرين المستوطنين بأعداد كبيرة جدًا باعتداءات جماعية لا تستهدف مواطنين متفرقين، بل قرى بكاملها، لدرجة محاولة إحياء البؤرة الاستيطانية "حومش" ردًا على عملية مقاومة سقط فيها قتيل إسرائيلي وجرحى.

ما فاجأ قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين المسلحين أن برقة لم تدافع عن نفسها وحدها، بل هبت جموع حاشدة من القرى المجاورة ومختلف محافظات الضفة لنصرتها، ما أدى إلى منع المستوطنين من تحقيق غايتهم، وتصاعد المواجهات في مناطق عدة، واندلاع هبة أو موجة انتفاضية جديدة.

كالعادة، عند اندلاع كل هبة يدور الحوار حول إمكانية تحولها إلى انتفاضة شاملة، وهل ستؤدي إلى مواجهة عسكرية مع المقاومة في قطاع غزة، في ظل أن المفاوضات حول التهدئة وتبادل الأسرى تراوح في مكانها منذ أيار الماضي، من دون إعادة الإعمار ولا رفع الحصار أو حتى تخفيفه بشكل جدي، ما فاقم معاناة شعبنا في القطاع بشكل يجعل إمكانية تدهور الوضع إذا لم تتخذ إجراءات ملموسة للتخفيف من حدة الاحتقان إلى مجابهة عسكرية واردًا جدًا.

حتى نحسم الجدل لصالح دعاة أن الانتفاضة قادمة سريعًا أم لا، لا بد من ملاحظة أنه منذ توقف انتفاضة الأقصى شهدت الأرض المحتلة هبات وموجات انتفاضية كانت أقل منها في الماضي كفيلة بالتحول إلى انتفاضة، ولكن ذلك لم يحدث لأسباب عدة:

السبب الأول، والأكثر تأثيرًا، الانقسام. ولا أحد يقول لي بأن الانتفاضتين المجيدتين السابقتين اندلعتا في ظل الخلاف والتنافس الحامي بين المنظمة وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ففي الماضي كانت القيادة الموحدة للانتفاضة وقوى الإسلام السياسي تسيران جنبًا إلى جنب، بشكل متوازٍ، وتضربان في نفس الاتجاه، ولكن بصورة منفردة.

كما أن الخلاف شيء والانقسام شيء آخر مختلف جدًا، فوجود سلطتين متنازعتين يجعل الهم الأول لكل منهما الحفاظ على الذات، والسعي للامتداد والتوسع على حساب السلطة الأخرى، وهذا يمكّن الاحتلال من تحقيق أقصى استفادة وتأثير وتدخل ممكن في الوضع الفلسطيني؛ بهدف استمرار الانقسام وتعميقه وتعميمه ليضمن ألا تقوم للفلسطينيين قائمة.

في هذا السياق، وضعت سلطات الاحتلال شروطًا تعجيزية أمام الوحدة الوطنية الفلسطينية، أهمها ضرورة أن تلتزم أي حكومة وحدة فلسطينية بشروط اللجنة الرباعية، وخصوصًا وقف المقاومة المسلحة، وتصفية بنيتها التحتية، وتعطيل إجراء الانتخابات لبقاء الوضع الفلسطيني ضعيفًا وبلا شرعية تمكنه من التقدم إلى الأمام على طريق تحقيق أهدافه الوطنية.

السبب الثاني، أن القيادة المتنفذة في المنظمة لا تريد ولا تؤمن بأهمية الانتفاضة، وتخشى منها ، ومتمسكة بخيار المفاوضات والتسوية في الوقت الذي لا يوجد فيه شريك إسرائيلي، وملتزمة كذلك بالتنسيق والتعاون الأمني مع الاحتلال، حتى لو من دون التزامات متبادلة ورغم موت عملية التسوية، وأقصى ما تريده أو تسمح به أشكالٌ محسوبةٌ ومسيطر عليها من المقاومة الشعبية بهدف الضغط لاستئناف المفاوضات وإحياء ما يسمى "عملية السلام".

السبب الثالث، وهو وثيق الارتباط بالسبب الثاني، ويرجع إلى عدم الاتفاق على برنامج وطني مشترك وهدف وطني مركزي واحد وأشكال النضال المناسبة، لا سيما في ظل الجدال والخلاف الحاد وغير المبرر بالخلاف على جلد الدب قبل صيده، وحول هدف إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة، فهناك من يرى أن حل الدولتين انتهى، ولا بديل من طرح برنامج جديد تتعدد الاجتهادات حوله: بين من يطالب بالعودة إلى خيار التقسيم، وبين من يريد إقامة الدولة الواحدة في ظل تعدد أشكالها وكيفية الوصول إليها، وبين من ينادي بالتركيز على إنهاء الاحتلال ويحذر من التخلي عن هدف الاستقلال الوطني في ظل مرحلة الضعف والانقسام والتوهان الفلسطيني، وكذلك هناك جدال حول أشكال النضال: فمن يرى أن المقاومة المسلحة هي الطريق الرئيسي، وبين من يرى أن المقاومة الشعبية هي الطريق الوحيد، ومن يرى الجمع ما بين مختلف أشكال النضال مع اعتبار المقاومة الشعبية هي الأسلوب الرئيسي.

لا يجب التقليل من أهمية هذه الخلافات، والدليل أن التخلي عن برنامج إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة لا يفتح الطريق لبرامج أعلى كما يتوهم البعض، بل يفتح الطريق لتقدم لاعبين جدد ولبدائل وبرامج أقل سقفًا تعيدنا إلى ما قبل تبلور الهوية والكيانية الفلسطينية وتكرس التعامل مع الشعب الفلسطيني كأفراد وسكان وعائلات ... إلخ.

كما أن هناك تحذيرات وجيهة أطلقت من خطورة تنفيذ عمليات مسلحة غير محسوبة وفوضوية واستعراضية، وجرّ الهبات الشعبية إلى مواجهات مسلحة غير محسوبة تمكّن قوات الاحتلال من استخدام نقاط قوتها وتفوقها، وتضغط على نقاط الضعف الفلسطينية وتلحق أضرارًا فادحة بالفلسطينيين.

السبب الرابع، أن عشرات السنوات من الاحتلال والتشابكات والتداخلات معه، وأكثر من أربعة عشر عامًا على الانقسام؛ أوجدت بنية متكاملة، اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية أمنية، نمت على أساسها جماعات مصالح يهمها بقاء الوضع على حاله، لأن تغييره يفقدها النفوذ والمصالح والمناصب والثروة التي حصلت عليها في ظل الانقسام وتحت الاحتلال.
السبب الخامس والأخير، أن المقاومة المستمرة الباسلة التي لم تنقطع طوال أكثر من مائة عام، وما شهدته من ثورات وانتفاضات، وما قدمته من تضحيات غالية ومعاناة مستمرة؛ لم تؤد إلى انتصارات ومكاسب تتناسب معها، بل أدت إلى أوسلو وتعميق الاحتلال، وتوسيع الاستعمار الاستيطاني، وتهويد القدس، وحصار قطاع غزة، والانقسام، وتهميش القضية، وحالة من التوهان، وكانت الانتصارات أقل، وهي تتركز ببقاء القضية حية وبصمود نصف الشعب الفلسطيني على أرضه، وببقاء جذوة المقاومة مشتعلة.

والأخطر مما سبق أن الوضع الفلسطيني يسير إلى الأسوأ، إذا لم تحدث تطورات ويصار إلى عملية تغيير شاملة في الرؤية والإستراتيجيات والأداء، وإلى إنهاء الانقسام على أسس وطنية وديمقراطية وشراكة حقيقية، بما يهدد الإنجازات المتحققة والباقية، لذا لن تندلع انتفاضة شاملة، وإذا اندلعت لن تستمر وتحقق أهدافها قبل الإجابة عن سؤالين أساسيين: لماذا لم ننتصر في الانتفاضات السابقة؟ وكيف ننتصر في الانتفاضة القادمة؟

فالأمل وليس اليأس يصنع الثورات والانتفاضات، والإجابة عن هذين السؤالين مطروحة بقوة على الفلسطينيين جميعًا بصورة عامة، وعلى القوى والمؤسسات والحراكات والمثقفين ومراكز الأبحاث بصورة خاصة.

أي انتفاضة حتى تكون قادرة على الانتصار، وحتى لا تكون مجرد صفحة مجد جديدة، ولا تقع بالفوضى والفلتان الأمني وتعددية أكبر في السلطات ومصادر القرار، وحتى لا تنجرف إلى صراع وتدمير داخلي مدمر على خلفية الانقسام والصراع على الخلافة، بحاجة إلى رؤية وهدف قابل للتحقيق، وبرنامج وقيادة واحدة، وجبهة وطنية عريضة تعددية، وإمكانيات وتنظيم، وظرف إقليمي ودولي مناسب، وإلى أشكال نضال وعمل مناسبة، وإلى استخلاص الدروس والعبر من الانتفاضات والثورات السابقة، وهذا كله صعب التحقيق، ولكنه ليس مستحيلًا، ويمكن تحقيقه في غمار المقاومة المستمرة، المتسلحة بالرؤية الواضحة والهدف المركزي الناظم المحدد، التي تؤمن بسر وسحر التراكم القادر على إيصال السفينة الفلسطينية التي تتلاطمها الأمواج والعواصف العاتية إلى بر الأمان والانتصار العظيم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط