كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل تحتمل غزة أعباءً فوق جراحها؟

هل تحتمل غزة أعباءً فوق جراحها؟

تاريخ النشر: 2026-01-08 | 15:00

في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تُحشد كل الطاقات الممكنة لتعزيز صمود الغزيين في القطاع المنكوب، وبينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه المفتوحة التي أتت على البشر والحجر لمدة عامين متواصلين، يجد الغزي نفسه محاصرًا بواقع مركّب تتداخل فيه نار القصف مع ثقل المعيشة وضيق الأفق، فالحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت وشلّ الاقتصاد وتجريف البنية التحتية، بل تركت المجتمع في حالة إنهاك عميق تتآكل فيها القدرة على الاحتمال يومًا بعد يوم، وسط غياب أي أفق سياسي أو إنساني واضح ينهي هذا النزيف المستمر.

ما يطفو على السطح في الأشهر الأخيرة من شهادات ميدانية وتقارير محلية يكشف عن مشهد بالغ القسوة، إذ تتسع دوائر الأعباء الاقتصادية المفروضة على السكان في لحظة يفترض أنها لحظة نجاة لا جباية، النقد هنا لا يصدر عن خصومة سياسية ولا عن مزايدة أخلاقية، بل ينبع من أسئلة مشروعة يطرحها شارع مسحوق، يسأل عن معنى تحميل الإنسان كلفة إضافية وهو الذي فقد منزله ومصدر رزقه وأمنه، ويعيش تحت تهديد دائم لا يسمح له بالتقاط أنفاسه أو ترميم ما تبقى من حياته.

إن تحويل واقع استثنائي بهذا الحجم إلى مساحة لاستخلاص موارد مالية بدل توجيه الجهد نحو تخفيف المعاناة وحماية النسيج الاجتماعي، يثير إشكاليات عميقة تتصل بترتيب الأولويات في زمن الكارثة، فالغزي الذي واجه آلة الحرب بصدور عارية وانتقل من بيت إلى خيمة ومن شارع إلى ملجأ، كان ينتظر إدارة للأزمة تُشعره بأن هناك من يشاركه العبء، لا أن يُترك وحيدًا في مواجهة القصف من جهة وضيق العيش من جهة أخرى، وفي مثل هذه الظروف، يصبح الفارق حاسمًا بين سياسات تُدار بروح المسؤولية الوطنية وأخرى تُقرأ في وجدان الناس بوصفها استنزافًا لما تبقى من قدرتهم على الصمود.

وتزداد حساسية المشهد حين تمتد هذه الأعباء إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى المياه التي تُستخرج من آبار امتلأت بفعل المطر، وإلى السيولة النقدية الشحيحة أصلًا، وإلى أنماط سكن اضطرارية فرضتها الحرب ولم يخترها أحد، فالخيمة التي احتمى بها النازح من القصف ليست خيارًا سكنيًا ولا مساحة للترف، بل رمز لفقدان البيت والأمان، وحين يشعر الإنسان أن حتى هذا الملاذ المؤقت بات محاطًا برسوم وأعباء إضافية، تتآكل ثقته بأي إدارة قائمة، ويتحول الصمود من فعل إرادة جماعية إلى عبء نفسي ومعيشي يثقل الروح قبل الجسد.

وعلى مستوى أوسع، تبرز إشكالية التعامل مع المساعدات الإنسانية، التي وُجدت أصلًا لتخفيف الألم لا لتعقيده، فأي إحساس بأن هذه المساعدات تتحول إلى عبء على التجار أو المواطنين، أو إلى مدخل لإجراءات مالية إضافية، يفاقم الإحباط ويُنتج شرخًا نفسيًا داخل مجتمع يعيش أصلًا على حافة الانهيار، وفي هذا السياق، تتحمل حركة حماس، بوصفها القوة المسيطرة فعليًا على القطاع، مسؤولية مضاعفة في إدارة التوازن الدقيق بين متطلبات الصراع من جهة وحماية المجتمع من الإنهاك الكامل من جهة أخرى، ومن الموضوعية الاعتراف بأن الحركة تعمل في بيئة شديدة القسوة وتحت ضغط عسكري وأمني غير مسبوق، غير أن الإشكال يظهر حين يشعر الناس أن كلفة المواجهة تُنقل إليهم وحدهم، وأن احتياجات المدنيين اليومية لا تحظى بالأولوية التي تفرضها ظروف الحرب المفتوحة.

إن أخطر ما يواجه غزة اليوم لا يقتصر على استمرار العدوان الإسرائيلي وتداعياته المدمرة، بل يتجسد أيضًا في خطر الاستنزاف البطيء من الداخل، حين تتحول الحياة اليومية إلى معركة اقتصادية ونفسية لا تقل شراسة عن القصف، فالشعب الذي أثبت قدرة استثنائية على الصمود تحت النار قد ينهكه الشعور بأن أعباء البقاء باتت أثقل من طاقته، وأن المستقبل يزداد غموضًا في ظل غياب أي خطة واضحة لإعادة الإعمار أو لترميم ما تبقى من مقومات الحياة.

بعد أكثر من عامين من الحرب المتواصلة، لم تعد مطالب الغزيين ترفًا سياسيًا ولا شعارات مؤجلة، بل حقوقًا بديهية تتعلق بإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية المدنية وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وكل سياسة لا تضع هذه المطالب في صدارة أولوياتها، تسهم، بقصد أو دون قصد، في تعميق الفجوة بين الناس وواقعهم، وفي إضعاف قدرة المجتمع على الاحتمال طويلًا.

إن الرهان على قدرة تحمل الغزيين هو رهان محفوف بالمخاطر، فالمواطن الذي قدم للوطن كل ما يملك، ينتظر من سلطة الأمر الواقع أن تشاركه ثقل الصبر، لا أن تحاسبه على شربة ماء أو مساحة خيمة، فالشرعية الحقيقية لا تُبنى بإجراءات تنظيمية ولا تُفرض بمنطق القوة، بل تُكتب في وجدان الناس حين يشعرون بأن من يدير شؤونهم هو درعهم في وجه الفقر، تمامًا كما هو درعهم في مواجهة العدوان، وإذا استمر استنزاف ما تبقى في الجيوب الخاوية، فإن الخشية الحقيقية أن يأتي يوم يلتفت فيه الغزي حوله فلا يجد خصمًا أشد قسوة من الجوع، وحينها لن تنفع الشعارات ولا التبريرات، فغزة التي أذهلت العالم بصمودها، تستحق سياسات تُنقذ إنسانها من الانهاك، لا أن تُثقله بأعباء فوق جراح لم تلتئم بعد.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط