كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل تصدق نبوءة "أبو إياد" وتجهض "فتح"؟

هل تصدق نبوءة "أبو إياد" وتجهض "فتح"؟

تاريخ النشر: 2020-12-30 | 18:16

جهاد أبو شنب
جهاد أبو شنب

المكانة الطبيعية لحركات التحرير تكمن تحت سلطة الاحتلال بوصفها قوة مناهضة تسعى لتحرير الشعب والبلاد وصولًا للاستقلال الوطني، ولكن وجودها في السلطة يحولها لحزب حاكم يفقد أهم مبرر لوجوده ويقيد اتجاه غايته الوطنية، بل يسقط عنه كافة الشعارات الأيديولوجية المتمثلة في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والنضال ضد القمع والاضطهاد والظلم والفساد، باختصار: تصبح هذه الحركات التي انخرطت في السلطة، فريسة «الكرسي» فيأكلها الأخير قطعة قطعة، حتى تمسي نظامًا سياسيًّا يتمنى الشعب المحتل رحيله وإسقاطه.

وفي الحديث عن مرحلة التحرر الوطني مبررًا لبعض الحركات لدخولها السلطة، أو الانخراط في إدارة الحياة المدنية لحين الوصول للاستقلال الكامل، فإن الفصل في هذه الحالة يصبح ضرورة فكرية لكي تكفر الجماهير في حركات التحرر، بمعنى أن ينشئ الشعب أحزابًا اجتماعية صغيرة لتدير حياته المعيشية، وتكون حركات التحرر بمعزل عنها لتستطيع أن تكمل مسيرتها دون الانشغال أو السقوط في وحل التفاصيل الداخلية؛ لأن أفضل بيئة لنمو الفساد هي القوة والنفوذ، ولكن حين تصبح القوة بمعزل عن السلطة ويتولى السلطة من لا يمتلك قوة التفرد ينعدم الفساد، وإن وجد تكون تكلفة إزالته بسيطة.

فيمكن أن تتحول حركات التحرر مثل «جيش البلاد» المنفصلة عن كرسي الحكم، مهمتها تحرير الوطن، وتكون بمثابة درع حماية للشعب من أي توغل داخلي من قبل الأحزاب الاجتماعية، باختصار: إنشاء أحزاب اجتماعية لإدارة الشؤون الداخلية للبلاد المحتلة هو الحل الوحيد لتجنب انهيار حركات التحرر أو انحراف بوصلتها الوطنية.

أما في حال فشلت حركات التحرر في تحقيق غايتها أو على الأقل المحافظة على وسائلها وأدواتها النضالية وأيديولوجيتها الثورية، وفي حال انحرفت بوصلتها الكفاحية، فإن حل تلك الحركات يصبح ضرورة وطنية لكي لا تتحول الأخيرة لمجرد وسيط بين الشعب ومحتله، وفي مرحلة ما تصبح أداة في يد المحتل.

وهذا ما ينسحب على حركتي فتح وحماس؛ فالتجربة الفلسطينية في استمرارية حركات التحرر عانت من معضلة انخراطها في السلطة، فتحولت عبر مراحل عديدة لقوى سياسية مدنية تتحدث بالدبلوماسية وتنبذ العنف والإرهاب، وتمارس القمع والاضطهاد.

بالمقارنة بين الحركتين، فإن الفوارق مقرونة بالعمر الزمني لهما، وفي هذا المقال سنسلط الضوء على تجربة حركة فتح في ذكرى انطلاقتها السادسة والخمسين، هذه الحركة التي أسست الحركة الوطنية المعاصرة وصنعت الهوية الفلسطينية في وقت كادت أن تذوب وتندثر، هذه الحركة التي انطلقت بالبندقية وكان مجرد التلميح للانخراط بالتسوية السياسية عارًا يقترب من حد الخيانة، ولكن شكلت حالة الضغط الكبيرة على قيادتها المصاحبة لعوامل كثيرة، أهمها اغتيال مفكريها وقادة ومنظرين البندقية، حالة من تشتت الفكر وخشية أن يتحول هذا التشتت لضياع اعتقدت الحركة أن الحل في «أوسلو».

«بلا مواربة»، بمجرد توقيع منظمة التحرير التي تقودها الحركة لاتفاقية أوسلو، وشطب بند «إزالة إسرائيل»، والاعتراف بالاحتلال دولة قائمة، شكل ذلك تحولًًا ومنعطفًا تاريخيًّا لهذه الحركة، ولكن ما شكل خطرًا وجوديًّا حقيقيًّا عليها كان في كيفية إدارة هذه الحركة ما بعد أوسلو، حيث انخرطت الحركة في مفاصل السلطة بكافة عناصرها وكوادرها من رئيسها وحتى عضو خليتها، وتحولت من حركة تمتلك سلطة القرار والتنفيذ، لدائرة تتبع السلطة، والأخيرة مرجعيتها في كل التفاصيل، وهنا دخلت الحركة لقفص الحكم دون الأخذ بعين الاعتبار أن الثائر المتلحف بالبزة العسكرية سيتحول مع مرور الأيام «المصحوبة بالمتغيرات السياسية والداخلية للحركة» لشرطي تحكمه قوانين محلية ودولية، ويصبح مجرد الحديث عن الثورة تهمة، والوطنية ادعاء.

دخلت الحركة في حالة انتظار طويلة على أمل الوصول لحل يلبي الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني، ولكن للأسف أدركت الحركة متأخرًا أن الانتظار ليس سوى استراتيجية يتبعها الاحتلال لإذابة الهوية وتحييد أكبر قدر من القوى الإقليمية والعربية.

ورغم كل ما قدمته حركة فتح على صعيد البناء والمؤسسات والكيان المستقل، فإنها اصطدمت عند أول اختبار حقيقي كان بمثابة تقييم لمسيرتها ما بعد أوسلو، بعقاب شعبي كان بديهيًّا لحركة تحرر تحولت لسلطة قمع وفساد.

سقوطها في الانتخابات التشريعية عام 2006 كان آخر مسمار في نعش وجودها في قطاع غزة، فالمنافس المقابل لم يكن مجرد حزب سياسي، بل حركة تحرر أيضًا تمتلك مشروعها السياسي وأدواتها ورؤيتها الخاصة، بل تحالفاتها الإقليمية التي ستفرض فيما بعد تكلفة عالية على القضية وعلى المنافس الجديد «حركة حماس».

خسارتها في الانتخابات لم تكن لمجرد تحولها من حركة تحرر لحزب يمارس الحكم داخل قوقعة السلطة، بل لأنها استوفت كافة عوامل الهزيمة، على الصعيد الداخلي لم تجدد الدماء في شرايينها ولم تقدم وجوهًًا شابة جديدة تعتمد على الكفاءة والقدرات بل اكتفت بالكوادر النضالية والأسماء المحسوبة على العائلات الكبيرة فقط، وحتى بنيتها التنظيمية كانت مهترئة مرهقة من أزمة تدافع وصراع الأجيال وفي بعض الأحيان صراع الجيل الواحد.

اشتد الخلاف بينها وبين «حركة حماس»، وسرعان ما تحول لصدام مسلح اختتم بأحداث 2007، تلك الأحداث التي عدها الفلسطينيون وصمة عار على جبين الحركتين وخاصة حركة حماس التي استعجلت في استخدام القوة لبسط نفوذها على مفاصل الحكم في قطاع غزة، ورغم ذلك فإن تلك الأحداث كانت نتيجة حتمية لنتائج الانتخابات، لأن فلسطين لم تكن تمتلك نظامًا سياسيًّا صحيًّا متينًا يمكن تداول السلطة فيه، خاصة عندما تكون الحركتان المتنافستان على شاكلة «فتح وحماس» حركات تحرر وليست أحزابًا سياسية.

ولم تكن هذه الضربة الأخيرة على رأس حركة فتح، بل استمرت الضربات تتوالى حتى وصلت لشرخ الحركة داخلياً عندما برز الخلاف بين عضو لجنتها المركزية «سابقًا» محمد دحلان ورئيس الحركة محمود عباس، هذا الخلاف الذي أشغل الكوادر التنظيمية وشتت فكرهم لينقسموا بين مؤيد ومعارض لقرار فصل «دحلان» من فتح.

وسرعان ما انتقل الخلاف من الغرف المغلقة إلى شاشات التلفزة، ومن ثم أسقط على كافة مفاصل الحركة خاصة بعد أن شكل السيد دحلان «تيار الإصلاح الديمقراطي لحركة فتح»، هذا التيار الذي ما زال يحافظ على وجوده ضمن الإطار الفكري للحركة، يعتقد البعض أن وجود هذا التيار لربما يكون عاملًا مساعد لضمان استمرار الحركة، أو على الأقل المحافظة على أبنائها من الخروج عنها، ولكن ما هو مؤكد أن وجوده ليس أمرًا صحيًّا لحركة تحرر تحتاج وحدة في الموقف والقرار والتنفيذ، تبقى قضية الفصل في ذلك رهن المستقبل، فنحن أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما أن يصبح التيار حركة مستقلة، وإما أن يحل «تحت أي ظرف» وتعود الحركة لوحدتها، ولكل سيناريو معطياته ونتائجه فلا يمكن أن نحكم بشكل مسبق قبل أن تولد الفكرة ونرى التجربة، رغم أن السيناريو الأول ستكون تداعياته على الحركة أكبر.

إن الإرهاصات الأولى لتأسيس حركة فتح تؤكد أن الخلاف ولد معها وفيها وبين ثنايا فكرتها التي لم تكن ذات بعد أيديولوجي، وهذا ما ساعد على تنوع الرؤى والأفكار، ولكن كانت كافة عقولها وسواعد فدائييها منشغلة في فكرة واحدة وحيدة وهي تحرير فلسطين، ولكن حين انغمست بالسلطة أصبح الخلاف أكثر شراسة، ببساطة لأن القواسم الوطنية لم تعد تجمع الأطراف المتنفذة داخلها.

«أبو إياد» صلاح خلف، أحد أبرز قيادات الحركة، بل يعد الرجل الثاني فيها، يقول في نهاية كتابه «فلسطيني بلا هوية»:«إنني لا أستبعد فرضية حدوث كارثة، شلل أو تدمير حركتنا وتلك لن تكون أول مرة أو آخر مرة تنجح قوى الرجعية الجاهلية في إجهاض ثورة».

«غير أن شعبنا سيلد ثورة جديدة ويُنجب حركة أعظم بأسًا من حركتنا وقادة أكثر دراية وتجريبًا وأشد خطرًا على الصهاينة. فإرادة الفلسطينيين التي لا ترد في مواصلة المعركة كائنًا ما كانت الظروف، هي حقيقة لا تأتيها الريبة من يديها ولا من خلفها، بل إنها إرادة تمليها طبيعة الأشياء، ونحن عازمون على البقاء كشعب وسيكون لنا ذات يوم وطن».

اليوم حركة فتح تقف أمام تحديات جسام، أمام المستقبل منقسمة دون بندقية، دون حلفاء استراتيجيين وسند عربي حقيقي، لربما تعرضت الحركة للكثير من الأزمات والصعاب، إلا أن الواقع الذي تواجهه اليوم يختلف، إنها تواجه تهديدًا وجوديًّا، فهل تعود لسابق عهدها أم تصدق نبوءة «أبو إياد»، وإن صدقت فهل فعلًا نحن قادرون على كسر قيود «التبعية الحزبية» وإنجاب حركة ثورية جديدة؟

أسجل ملاحظة بسيطة لربما لا تفيد القارئ كثيرًا، وهي:

«إني أعتصر وجعًا وألمًا وأنا أحاول الكتابة بكل موضوعية عن حركة فتح، هذه الحركة التي انتميت إليها منذ بزوغ فجر ميلادي، انتميت إليها حين قرأت تاريخها ومسيرتها النضالية، انتميت إليها لأنها كانت الوسيلة الأقصر لتحرير بلادي، انتميت إليها لأن أغلب أعضاء مركزيتها شهداء على مذبح الحرية والاستقلال، انتميت إليها لأنها أم الجماهير والفدائيين والمناضلين، لأنها بيئة الوسط والاعتدال، ورغم كل ما سبق ما زلت مؤمنًا بأنها تستطيع لأنها استطاعت، ولأن أبناءها لم يخفت عنفوان الثورة داخلهم، لكن لن يلامس إيماني الواقع إلا لو درست تجربتها وعالجت أخطاء الماضي وصححت مسيرتها نحو بوصلتها الوطنية، لأن قيمتها لا تتجاوز قيمة الوطن، وانتماؤنا لها فقط لأجله، فإن رأى أنه لم تعد تلزمه وأنه يحتاج لأداة جديدة فبالتأكيد يجب علينا أن نتبنى وجهة نظر وطننا الحبيب».

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط