كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل تقف طهران على أعتاب التحول الكبير أم أن النظام ما زال يملك مفاتيح البقاء

هل تقف طهران على أعتاب التحول الكبير أم أن النظام ما زال يملك مفاتيح البقاء

تاريخ النشر: 2026-01-13 | 16:29

اندلعت الاحتجاجات الواسعة في العاصمة طهران ومعظم المدن الايرانية على نحو بدا في ظاهره مفاجئا لكنه في جوهره كان نتيجة تراكم طويل من الغضب المكبوت والخيبات المتراكمة فالشوارع التي امتلأت بالمتظاهرين لم تخرج عن سياق تاريخي معقد تشكل عبر سنوات من الضغط الاقتصادي والعزلة السياسية وانسداد الأفق الاجتماعي حيث لم يكن الانفجار الشعبي وليد لحظة عابرة بل تعبيرا عن اختلال عميق في العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهي العلاقة التي لخصها الجبرتي قديما حين ربط ( صلاح الرعية بصلاح السلطان ) وكأن التاريخ يعيد إنتاج حكمته وشرارة الاحتجاج كانت من الاسباب المباشرة للانهيار المتسارع للعملة وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر لتطال الطبقة الوسطى التي طالما شكلت صمام أمان للنظام ومع أول صدمة اقتصادية كبرى تحولت المطالب المعيشية إلى طروحات سياسية وجودية تتعلق بشرعية الحكم ومستقبله

 

خلال الأيام الأولى رفعت الجماهير الحاشدة شعارات تطالب بالإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية وتوفير الخدمات وفرص العمل لكن سرعان ما تغير المزاج العام حين أدرك المحتجون أن الأزمة أعمق من قرارات حكومية عابرة وأن أصل المشكلة يكمن في بنية نظام يصر على خوض صراعات خارجية بينما يترك الداخل ينهار حيث انتقلت الهتافات من نقد للسياسات الحكومية إلى الطعن في رأس الهرم السياسي ذاته كما برزت دعوات جريئة لإسقاط النظام بل وعودة الملكية في تعبير صريح عن اليأس من إمكانية الإصلاح من الداخل وهذا التحول السريع كشف أن الاحتجاجات ليست مجرد موجة غضب عفوية بل لحظة كاشفة لانقطاع الثقة الكامل بين المجتمع والسلطة

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بطبيعة هذه الاحتجاجات ومن يقف خلفها خاصة وان النظام الايراني دأب تاريخيا على اتهام أي حراك شعبي بأنه صنيعة الخارج ويقوده العملاء والمأجورين غير أن هذه الرواية فقدت بريقها داخليا وخارجيا إذ لم يعد من السهل إقناع شعب يئن تحت وطأة الغلاء والبطالة بأن جوعه وسوء معيشته هو نتاج مؤامرة أجنبية ومع ذلك لا يمكن إنكار أن واشنطن وتل أبيب تراقبان المشهد بدقة وتعتبران ما يجري فرصة استراتيجية لإضعاف خصم إقليمي عنيد بالتحريض الإعلامي والدعم المعنوي ومحاولات استثمار الغضب الشعبي وكلها عناصر حاضرة لكن الفارق الجوهري أن الخارج لم يصنع الأزمة بل يسعى إلى توظيفها بعدما صنعها النظام نفسه بسياساته المتصلبة

 

اقتصاديا وصلت إيران إلى مرحلة حرجة فالتضخم خرج عن السيطرة والعملة فقدت قيمتها بشكل صادم والركود أصاب مفاصل السوق بما في ذلك البازار الذي كان تاريخيا حليفا للسلطة وحين ينضم التجار وكبار المستثمرين إلى دائرة الغضب فهذا مؤشر خطير على عمق الأزمة كما أن تشديد العقوبات وإغلاق منافذ الالتفاف عليها وتراجع عائدات النفط جعل الدولة عاجزة عن شراء الوقت عبر الحلول الترقيعية المتكررة ومع كل محاولة لرفع أسعار الوقود أو تقليص الدعم كانت تتسع رقعة الاحتقان والحساسية ويزداد الشعور الشعبي بأن النظام يدير ظهره لمجتمع ينهار اقتصاديا بوتيرة متصاعدة

 

اجتماعيا تبدو الصورة أكثر قتامة فارتفاع البطالة بين الشباب وخريجي الجامعات خلق جيلا محبطا لا يرى مستقبلا داخل منظومة بيروقراطية مغلقة تستهلك مواردها في مشاريع عسكرية ونووية لا تنعكس على حياة الناس اليومية ومع تراجع مستوى المعيشة تفككت روابط اجتماعية كثيرة وارتفعت معدلات الجريمة والمخدرات والعنف الأسري وكأن المجتمع يدفع ثمن خيارات سياسية لم يشارك في صنعها وهذا التدهور الاجتماعي جعل الاحتجاجات أكثر اتساعا واستعدادا للمواجهة لأن الخسارة باتت واقعا يوميا لا تهديدا مؤجلا

 

سياسيا يعيش النظام حالة انقسام وارتباك ودعوات الحوار التي صدرت من أعلى المستويات عكست إدراكا متأخرا بخطورة اللحظة لكنها في الوقت ذاته كانت تصطدم بعقلية أمنية ترى في أي تنازل مقدمة للانهيار ولهذا ظلت السلطة تتأرجح بين لغة الانفتاح وسوط القمع بينما بقى الحرس الثوري والباسيج عمودها الفقري وشبكة أمانها الأخيرة غير أن الاعتماد المطلق على القوة يحمل في داخله بذور الانفجار خاصة إذا ما طال أمد الاحتجاج واستنزف الأجهزة الأمنية والعسكرية

 

أما المعارضة الخارجية فهي حاضرة في المشهد كظل أكثر منها كقائد وتنظيمات مثل مجاهدي خلق وأنصار النظام الملكي السابق تسعى بجد لاستثمار اللحظة لكنها تفتقر إلى قاعدة داخلية جامعة تجعلها بديلا جاهزا للحكم ومع ذلك فإن مجرد عودة هذه الأسماء إلى التداول الشعبي يعكس فراغا سياسيا خطيرا فإذا سقط النظام دون وجود قوة وطنية منظمة وقادرة على إدارة المرحلة الانتقالية فإن البلاد قد تدخل في فوضى مفتوحة وهو ما تخشاه حتى القوى الدولية التي تعارض طهران وعلى راسها واشنطن

 

إقليميا ودوليا تقف إيران شبه معزولة فلا تربطها علاقات مستقرة إلا بعدد محدود من الدول فيما يعتمد بقاؤها الاستراتيجي على شراكات براغماتية مع موسكو وبكين وفي الداخل لا يستند النظام إلا إلى مؤسساته الأمنية وقاعدته الأيديولوجية الضيقة وهذا النمط من الحكم القائم على العزلة والقوة الصلبة قد يصمد لفترة محددة لكنه يظل هشا أمام أي انفجار شعبي واسع ومتواصل

 

يبقى السؤال الأهم هل يستطيع التيار الاحتجاجي إسقاط النظام الجواب ليس بسيطا فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تسقط بالاحتجاج وحده بل بتلاقي الشارع مع انشقاقات داخلية وضغوط خارجية حاسمة وإذا ما تزامن استمرار الغضب الشعبي مع تصدعات في بنية السلطة أو ضربات خارجية دقيقة تستهدف مراكز الثقل فقد يصبح السقوط ممكنا أما في غياب ذلك فإن النظام قد ينجح في شراء الوقت وقمع الموجة الحالية بثمن باهظ من شرعيته ومستقبل استقراره

 

مع كل ما سبق لا يمكن لأي قراءة مسؤولة لما يجري في طهران أن تتجاهل فرضية أن الاحتجاجات مهما كانت دوافعها الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية فإنها تجري داخل بيئة دولية معادية ترى في إيران خصما استراتيجيا يجب إنهاكه لا إسقاطه السريع وواشنطن وتل أبيب لا تبدوان متحمستين لانهيار مفاجئ للنظام بقدر رغبتهما في إبقائه في حالة استنزاف دائم اقتصاديا وأمنيا وسياسيا بما يؤدي إلى تفكيكه من الداخل وفرض تحولات كبرى وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لا وفق إرادة الشارع الإيراني الخالصة واستراتيجية العقود الأخيرة لم تقم على الحروب الشاملة بل على إنهاك الخصوم عبر العقوبات والضغط الداخلي والحرب النفسية والإعلامية وإطالة أمد الأزمات بحيث يصبح النظام محاصرا بين شارع غاضب وخارج متربص

 

هذا السيناريو يحقق هدفين في آن واحد إضعاف إيران الإقليمية وإجبارها على تقديم تنازلات في ملفها النووي والصاروخي دون المخاطرة بفوضى شاملة قد تنتج نظاما أكثر تطرفا أو انفلاتا أمنيا يهدد المنطقة برمتها ومن هنا يمكن فهم هذا التوازن الدقيق في الخطاب الأمريكي الذي يعلن دعمه للشعب الإيراني أخلاقيا لكنه لا يقدم حتى الآن اي أدوات حاسمة لإسقاط النظام بل يفضل تركه ينزف تحت وطأة الاحتجاجات والعقوبات في آن واحد

 

في المقابل فإن افتراض أن سقوط النظام أصبح قدرا محتوما يتجاهل حقيقة أن طهران لا تزال تمتلك أدوات متعددة لترويض الغضب الشعبي وتقليص مخاطر الانهيار خاصة وان النظام الإيراني خبر الأزمات ونجح مرارا في تحويل التهديدات الوجودية إلى فرص للبقاء عبر مزيج من القمع والاحتواء والمناورة السياسية وقوات الحرس الثوري والباسيج لا زالا يشكلان شبكة أمنية وعقائدية عميقة قادرة على منع الانهيار السريع كما أن السلطة تملك هامشا اقتصاديا يمكن توظيفه مؤقتا عبر الدعم النقدي وتخفيف الضرائب وامتصاص غضب البازار

 

 إضافة إلى امكانية استخدام ورقة الحوار مرة اخرى لكسب مزيد من الوقت لتفكيك وحدة الشارع والسيطرة عليه كما لا يمكن ايضا إغفال قدرة النظام على إعادة إنتاج خطاب المؤامرة حين تشتد الضغوط عليه وتحويل أي تدخل خارجي عسكري أو استخباراتي إلى عامل تعبئة وطنية شاملة يعيد جزءا من المجتمع إلى مساندة الدولة الاصطفاف خلفها خوفا من استشراء الفوضى والحرب وفي هذا السياق يصبح بقاء النظام ممكنا وإن كان بثمن باهظ يتمثل في تآكل شرعيته وتحوله إلى سلطة أمنية صلبة بلا قاعدة شعبية واسعة وهو سيناريو لا يعني نهاية إيران لكنه يعني دخولها مرحلة طويلة من الهشاشة والتوتر المستدام حيث ( لا انتصار حاسما للشارع ولا انهيارا نهائيا للنظام ) بل دولة تبقى عالقة بين الغضب المكبوت والاستقرار القسري وهي أخطر مراحل التاريخ السياسي لأي أمة

 

في المحصلة تقف ايران اليوم عند مفترق طرق تاريخي مفصلي وهام والاحتجاجات المتواصلة كشفت عمق الازمة وحدود الصبر الشعبي كما وضعت النظام امام اختبار وجودي غير مسبوق لكن في الحقيقة ان بقاءه او سقوطه لن تحسمه الشوارع وحدها بل لا بد من تفاعلات معقدة بين الداخل والخارج وبين قدرة المجتمع على الاستمرار وقدرة السلطة على التكيف او استمرار القمع فأما ان تنجح ايران في اعادة صياغة علاقتها مع شعبها عبر تحولات حقيقية تخفف منسوب الغضب وتفتح افقا جديدا للبقاء واما ان يستمر الانسداد حتى تصل البلاد الى لحظة لا يعود فيها ممكنا لا الاحتواء ولا القمع وحينها فقط يتحول الاحتمال البعيد الى واقع ملموس وتدخل ايران فصلا جديدا لا يمكن التنبؤ بمالاته على الداخل ولا على المنطقة بأسرها

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط