كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل تنتهي "الداعشية" بانتهاء "دولتها"؟

هل تنتهي "الداعشية" بانتهاء "دولتها"؟

تاريخ النشر: 2017-07-07 | 17:42

قبل ثلاث سنوات من الآن، كان المدعو أبو بكر البغدادي، يعلن قيام ما أسماها "دولة الخلافة" من على منبر جامع النوري الكبير التاريخي، الذي شيد فى مدينة الموصل عام 1173 بأمر من نور الدين زنكى، بعد أن سيطر على المدينة. وها هم جنود "دولة الخلافة" وبعد أن اشتد الخناق عليهم، يقومون بتفجير المكان الذي كان منطلق الاعلان عن دولتهم المزعومة، إضافة إلى تفجير مئذنة الحدباء التاريخية، وقبلها بأيام كان الروس يعلنون مقتل البغدادي أثناء غاراتهم على الموصل، دون أن يؤكدوا ومعهم الأميركيون ذلك، فهل يشكل هذا إيذانا بانتهاء حلم الخليفة والخلافة سواء بسواء؟.

وهل انتهت "دولة الخلافة" المزعومة التي علقها المدحورون من سلطة بعض الجيوش العربية وأجهزتها الأمنية بين السماء والأرض، أملا باستعادة سلطة لهم ولمن ساندهم وتواطأ معهم من مخابرات الدنيا؛ وفي حين أن وهم الخلافة هذا، لم يدم أكثر من ثلاث سنوات عجاف، قتل خلالها مئات الألاف من البشر، كل ذنوبهم أنهم لم يمتثلوا لسلطة الخليفة وجنوده الملاعين، ممن يعانون من متلازمات مرضية عديدة، انتزعت منهم عقولهم وقلوبهم وهيئاتهم الإنسانية، محولة إياهم إلى روبوتات لا تجيد القتل الرحيم مطلقا، وها هي شرور أعمالهم بدأت تودي بهم إلى التهلكة، وهم يطردون أو يهلكون في الموصل، فيما تتواصل حملة اجتثاثهم من الرقة.

بين رمضان 2014 ورمضان 2017 ثلاث سنوات "عاشت" فيها "دولة الخلافة" وأماتت بمسلكياتها الوحشية خلقا كثيرون، لكن سلطات ما قبل تلك "الدولة" وما بعدها سوف تواصل مسلسل القتل، وفق ما درجت عليه السلطة بطبيعتها، والكهنوتية منها تحديدا، دفاعا عن ذاتها أولا، ومصالحها ثانيا، وتشبثها بهيمنتها التسلطية ثالثا.

وهكذا وسط فتن الخراب السلطوي التديّني، تذهب الخرابات "الداعشية" و"المتدعشة" وأضرابهما على جانبي التمذهب الديني والسياسوي، إلى التمسك بالسلطة، أو الاحتفاظ بها، وإن لم تفلح ذهبت إلى تدميرها، أو محاولة ذلك، في حال أوشكت أن تضيع، أو تفلت من أيدي "أهل الخراب"، الذين يزدادون تشبثا بها، حتى ولو أدى الأمر إلى الانقلاب عليها وتأسيس سلطة لهم "جديدة" تماما، تناقض أشكال الهيمنة والسيطرة السلطوية القديمة، على ما فعل ضباط الجيوش التي انهارت أنظمتها السياسية أو توشك على الانهيار، كما هو حال الجيش العراقي والسوري، وفي العديد من أنظمة المنطقة التي استعصت على التغيير الشعبي أو الثوري، واجهضت حراكاتها الجماهيرية؛ فما كان من "السلطة العميقة" إلا أن شكلت الغلاف البديل والسميك في إسنادها للسلطة، على ما فعل الجيش المصري بامبراطوريته الاقتصادية، التي لم تستطع أن تنتج استقرارا، بقدر ما خلقت من الأزمات ما تراكم منها وما تراكب ازدواجا مع أخرى، ليس في الداخل فقط، بل وفي سيناء ومع الحدود مع قطاع غزة وفي تماسه مع الوضع الفلسطيني العام، المأزوم هو الآخر وسط صراعاته السلطوية وما ذررته وفرخت من أزمات، أصابت كامل الكيانات السياسية والتجمعات الفلسطينية على امتداد الوطن وفي الشتات.

المسلكيات "الداعشية" الأخيرة التي رأيناها تتجسد على أيدي "جنود الخلافة"، كان يناظرها على الدوام مسلكيات لجنود هذه السلطة أو تلك على مدى أزمان التسلط الاستبدادي، والحكم باسم السياسة أو الدين، لا فرق في جوهر الأمر، حيث السلطة الفاجرة لا ترعوي ولا تنصاع لقانون محلي أو دولي، أو حتى لتقاليد أهلية أو قبلية؛ طالما أن لا سلطة معتبرة، من تقاليدها الأساس محاسبة ومراقبة مسلكيات من يفترض فيهم أن يكونوا المثال الأعلى لتطبيق معايير النزاهة والعدل والمساواة والقيم الانسانية المشتركة، واحترام مواطنية المواطن في بلد يحكمه القانون، حيث يتساوى أمامه كل الناس ويساوي هو بالطبع في الحقوق والواجبات بين كل الناس، لا فروق شكلية أو جوهرية في ما بينهم، لا جنسيا ولا طائفيا أو مذهبيا أو إثنيا وعرقيا.

وهذا تحديدا هو مثال العيش الكريم والحرية كثمرة لمساواة مفتقدة وديمقراطية مشتهاة، تتوق إليها مجتمعاتنا ودولنا، وهي تقف عند عتبات انحدارها أو صعودها، نحو سلم القيم والأخلاقيات المفترض أننا نتشارك فيها مع الثقافات والأمم والحضارات التي كان لنا نصيبنا من الإسهامات الخلاقة فيها، قبل أن يشملنا الانحدار لنعود القهقرى نكوصا وانحطاطا، فيصبح الماضي سيد المثالات والنماذج التي يسعى بعضنا للغرق فيها، وللهروب إليها من حاضر ناشز، لا يقود إلى أي مستقبل.

كل هذا وسط الخراب التديّني، ما عاد يمكنه استعادة أمل الألق والحلم بحياة إنسانية تقف فيها السلطة على حيادها المفترض نسبيا، وسط سلوك بشري يعتاد على ممارسة الحرية كما ينبغي، طالما أن ليس هنالك ما يؤذي مشاعر وأحاسيس الآخرين، ولا يتدخل في جوهر خصوصياتهم المعيارية المتعارف عليها، ولا يؤثر قسرا وإكراها في رؤاهم تجاه بعضهم البعض، أو تجاه الآخر بشكل عام.

ووسط الخراب "الداعشي" العميم، حتى ما بعد سقوط "دولة الخلافة الداعشية" سوف يبقى هناك بقايا "متدعشين" هنا وهناك، يواصلون سرديات التآمر والقتل والإجرام بصبغته "الداعشية"، الأمر الذي يحتم علينا جميعا أفرادا وجماعات ومجتمعات مواصلة التأهب لمواجهة كامل الانحرافات التدينية وما يشابهها من انحرافات قوى التكفير والتطرف والارهاب، حتى لا تقوى شوكتها، وكي لا يعاد بناء سردية "داعشية" جديدة في فضاءات بلادنا الموبوءة بسرديات وطبائع استبداد متنوعة ومتعددة، جميعها لا تقبل الآخر الديني أو السياسي، وتعادي العالم بأكمله.

قبل "داعش" مثّل "دواعش" أنظمة الاستبداد السلطوية النموذج الفاقع على وجود الأفران والمحارق والمقابر والذبح والتمثيل بالجثث، وستبقى هذه الحالة مع اختفاء "داعش" كدولة أو كتنظيم أو كفقه أيديولوجي متوحش، يغالي في مناصبة الآخر ليس مجرد التعادي والتضاد معه، بل وسلوك دروب الإبادة بحقه. وما بعد "داعش" أو في ظل استمرار فقهه الوحشي، سوف تستمر بعض المسلكيات "الداعشية" بتداعياتها تطل بين الحين والآخر، لتنتقل هنا أو هناك أو هنالك.

لقد مثل السلوك "الداعشي" طوال السنوات الثلاث الماضية صدمة ترويعية هائلة لكل العالم، وحتى في دواخل بلداننا، لم تنج مجتمعاتنا من مضايقات "داعشية" على أيدي بعض السياسيين وإقطاعهم وزعاماتهم وزلمهم والسلطات الموازية والعميقة وأشباهها، وهي تفرض عليهم إرادتها ورغباتها، حتى وصلنا في بعض بلداننا إلى أن يجري حشر وقولبة الديمقراطية (ديمقراطية صندوق الاقتراع) في قالب "قانوني" يتوافق مع رغبات هذا السياسي أو ذاك، عبر تلغيم قانون الانتخاب وجعله متوافقا وآلية اختيار السياسي لناخبيه، لا انتخاب الناس لممثليهم.

وتلك مهزلة المهازل، و"داعشية" مختارة ومنتقاة، حين يراد للناس أن "تختار" من لا يلتفت إلى مصالحها وتطلعاتها، بل ُيطلب منها أن تصفق لاستبداد الاقطاع السياسي، كما صفقت وتصفق بعض قوى "الاسلام السياسي" وفرقه التدينية لبعض فقهاء التقويل وفقه التوحش التكفيري، والشعارات التي لا تحوز قابلية العقل لها، بقدر ما قاد ويقود إليها عقل الاستتباع النقلي، وهو يتعدى على الدين، وعلى كامل محاولات التفقه به، وعلى التشريع، من دون أن يرف له جفن، كما فعل التدين "الداعشي" وأمثاله من تدين التطرف والتكفير والإرهاب، وكما يفعل الاستبداد السياسي وهو يقود مجتمعات الدولة عندنا للعودة إلى تقديس طواطم السلطة الاستبدادية الغاصبة، وما جلبته طوال السنين المواضي من تغييب سلطة العقل وإحلال عقل السلطة البراغماتية مكانه، حتى بتنا على ما هو حالنا اليوم، نشهد احتلال السلطة للفضاء العام واختلال السياسة مع اختلال العقل السياسي السلطوي، وإصراره على إنتاج وتوليد ما لا ينفع السياسة ولا الناس ولا الدولة ولا السلطة المعيارية المناقضة لطبائع الاستبداد السلطوي، الحالم بمد أمجاد امبراطوريته الخانقة نحو فضاء سلطوي أكثر اتساعا – سياسيا ودينيا – على ما حاول فعله "دواعش" هذا الزمان.. وفشلوا.

هل انتهت "الداعشية" بانتهاء "دولتها"؟ أم أن "داعشية" ما قبل "داعش"، سوف تواصل مسلكياتها المتوحشة في ظل سلطة استبدادية قمعها الوحشي أقرب إلى "التدعيش" المنفلت، في وقت لم تكن "داعشيتها"، أقرب إلى القمع المنضبط؟ وفي كل الأحوال نادرا ما قد نجد خاصة في بلادنا سلطة تجافي "الحقيقة الداعشية" التي رأينا وعايشنا صورتها البشعة على امتداد السنوات الثلاث، حيث امتدت مفاعيل فقه التوحش من مركز وأطراف "دولة الخلافة" إلى أكثر من اتجاه على امتداد العالم.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط