كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل تنقرض فعلاً خريطة سايكس بيكو؟

لعلّ الاستيلاء المفاجئ لتحالف الميليشيات العربية السنّية الذي شكّل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) رأس حربته على مدينة الموصل في شمال العراق يمثّل نقطة تحوّل مصيرية في تاريخ العراق. وقد ذهب الكثيرون إلى ما هو أبعد من ذلك قائلين إنه يجري الآن محو نظام الدول القطرية الذي وُضِع في عام 1916، عندما رسم الديبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، سرّاً، المصير النهائي للمقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

وعلاوة على ذلك، يجري تصوير التحدّي الذي يواجه دول المنطقة باعتباره صراعاً بين المسلمين السنّة والشيعة، بما في ذلك في عدة بلدان عربية مواطنوها من السنّة حصراً تقريباً. فمنذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 وإقامة حكم غالبية هناك، والذي يعتبره الكثير من العراقيين السنّة وصفة لهيمنة الشيعة، حقّقت مقولة أن الطائفية هي المحرّك الرئيس للسياسة الإقليمية والمحلية زخماً، غير أن الصراع السوري المستمر منذ عام 2011 ساعد على جعلها مقولة مهيمنة.

ويبدو أن كلا المقولتين بتغيّر النموذج الأساسي الناظم للحياة السياسية العربية تثيران الاهتمام، غير أنهما تخلطان بين المظاهر والأسباب. الأمر المؤكّد هو أن العديد من دول المنطقة تعاني من أزمات بنيوية عميقة تهدّد التماسك الاجتماعي وتزعزع التحالفات السياسية الداخلية فيها. بيد أن تصوير تلك الأزمات باعتبارها تشكّل تحدّياً واسعاً للحدود التي رسمها اتفاق سايكس – بيكو وتعبيراً عن الانقسام الطائفي الشامل بين السنّة والشيعة ينطوي على مبالغة في الخطر الذي يتهدّد الدول القطرية القائمة، وإفراط في تبسيط الديناميات الاجتماعية الكامنة وراء التحدّيات السياسية الناشئة.

أولاً، وبعيداً عن كونه عاماً، يبدو هذا التحدّي محلياً للغاية. فالتحدّي الأهم للخريطة التي رسمها سايكس وبيكو يأتي من تنامي الحكم الذاتي للأكراد. إذ يحقّق نشر جيش حكومة إقليم كردستان، البيشمركة، في مدينة كركوك الاستراتيجية الغنية بالنفط في شمال العراق في 12 حزيران (يونيو)، هدفاً قديماً، ويقرّب الأكراد من الاستقلال الكامل. ويعزّز هذا التوجه الاستقلال الذاتي للأكراد في سورية، سواء تم إنجاز استقلال إقليم كردستان العراقي قريباً أم لا، على رغم أن اختلاف الأجندات السياسية والحواضن الاجتماعية بين الحزب الديموقراطي الكردي في العراق وحزب الاتحاد الديموقراطي المسيطر في سورية قد يحول دون توحيد المناطق الكردية في البلدين تحت سقف واحد.

في الوقت نفسه، تقع الحدود الوحيدة التي يبدو أنه قد تمت إزالتها حتى الآن بين شرق سورية وغرب العراق، حيث كانت العشائر العربية المحلية والتجار والمهربون والجماعات المسلحة تنتقل في كلا الاتجاهين على مدى سنوات. ولكن حتى في هذه الحالة لا تبدو الديناميات السياسية والاجتماعية في شرق سورية مكمّلة تماماً لتلك الموجودة في غرب العراق، وقلّة هم الذين يقاتلون في حروب بعضهم بعضاً، على رغم ظهور مساحة من التشدّد السلفي والجهادي على جانبي الحدود.

تقف غالبية العشائر على الجانب السوري من الحدود، على سبيل المثال، إما في صفّ نظام الأسد أو جماعات الثوّار، بما فيها «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة»، والتي تركّز تماماً على سورية في سياق الصراع الدائر على السلطة هناك. وحتى عندما تعلن العشائر ولاءها لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، فإنها تفعل ذلك لمواجهة خصومها المحليين. وبالمثل تضع العشائر والميليشيات العراقية المتمرّدة على الجانب الآخر من الحدود، العلاقات مع العاصمة بغداد نصب أعينها.

ربما سيعاني العراق من تقسيم فعلي بين المناطق السنّية والشيعية نتيجة القتال الدائر حالياً، ولكن من المستبعد أن يكون هذا التقسيم ثابتاً أو دائماً. ذلك أن عدداً هاماً من الأحزاب السياسية والزعماء الدينيين البارزين في كلتا الطائفتين ما زالوا يصرّون على التعايش والتكامل، في حين يصرّ من يسعون إلى الحكم الذاتي الإقليمي على الحصول على حصة من الأصول الأساسية – العاصمة والنفط خاصة - وبالتالي سيضطرّون للتوصّل إلى حلول وسط مقبولة مع الطوائف أو الجماعات الأخرى في نهاية المطاف.

وعلى رغم تكرار التوقعات المتشائمة، من المستبعد أن ينتهي الصراع السوري إلى تقسيم رسمي للبلاد، حتى لو كانت المصالحة المجتمعية وإعادة البناء الوطني صعبة وبطيئة بصورة مؤلمة. وعلى النقيض من سكان الموصل العرب السنّة، على سبيل المثال، الذين كانوا يتطلّعون دائماً إلى حلب في سورية وإلى جنوب شرقي تركيا في علاقاتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وربما يفضلون الآن حكماً ذاتياً ضمن دولة عراقية اتحادية، فإن نظراءهم في حلب لم يروا أنفسهم قطّ إلا في إطار الدولة السورية الموحّدة.

حتى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، الذي لا يزال يعمل حقاً بوصفه حركة عابرة للحدود، فهو يركّز إلى حدّ كبير على العراق، حيث نشأ أصلاً وترعرع. أما في سورية فقد عجز التنظيم عن الاحتفاظ بأي منطقة غرب حلب، أو إرساء جذور حقيقية له على الأرض في المناطق التي يسيطر عليها في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة في شرق سورية. وعلاوة على ذلك يقتصر وجود تنظيم «الدولة» جغرافياً على الحدود العراقية - السورية وليس له وجود في لبنان والأردن حتى الآن، وهناك احتمال ضئيل أن يكسب حاضنة محلية كبيرة في أي من البلدين. ويرجع هذا جزئياً إلى التركيبة الاجتماعية والطائفية في لبنان وقوة مؤسّسات الدولة في الأردن.

ثانياً، التحدّي الذي يواجه النظام الإقليمي القائم ليس ناجماً عن طائفية السنّة والشيعة، بل عن ثلاثة مسارات هي التي كانت تحرّكه على مدى العقدين الماضيين أو أكثر. المسار الأول هو تراجع الدولة عن توفير الخدمات العامة الحيوية مثل الصحة والتعليم، وغيرها من أشكال الرعاية الاجتماعية وشبكات الأمان في خضمّ أشكال مشوّهة من التحرير الاقتصادي لم تصاحبها عملية «تخفيف ضغط» سياسي موازية. ثانياً، تسبّبت عملية الخصخصة الجشعة التي تمت في السنوات العشر التي سبقت بداية الربيع العربي في اتّساع الفوارق في الدخل إلى مستويات غير مسبوقة حتى عهد قريب في منتصف تسعينات القرن الماضي.

وقد تجاوز تأثير المسارين السابقين الخطوط الطائفية أو الأثنيّة الفاصلة في كثير من الحالات. فحيث تلاقى هذان المساران مع سياسات الدولة التي تمنح جماعات معيّنة الأفضليات وتهمّش أخرى، سواء من حيث حق الوصول السياسي أو الرعاية الاجتماعية أو الفرص الاقتصادية، تولّدت قوى مضادّة معارضة للنظام. فمن ناحية، يفسّر هذا حقيقة أن المجتمعات التي تعاني معدّلات فقر أسوأ قد لا تلجأ إلى التشدّد، بينما قد تلجأ إليه المجتمعات الأقلّ تأثراً به. فتصل نسبة السكان الفقراء في بعض مدن الجنوب الأردنية إلى أربعة أضعاف المتوسط في منطقة عمّان الكبرى، على سبيل المثال، لكن يجري تخفيف وطأة ذلك من خلال ضمان الأمن الوظيفي في القطاع العام. وبالتالي يأتي الجهاديون الذين يدعون للإطاحة بالنظام الداخلي والإقليمي الحاكم في العادة من الأحياء ذات الدخل المنخفض في مدينتي عمّان والزرقاء وليس من المدن الفقيرة مثل المفرق أو معان أو الطفيلة.

من ناحية أخرى، وفي الاتجاه المعاكس، أنعش إضفاء الطابع الأمني المتعمّد على علاقات حكومة بغداد مع المحافظات ذات الغالبية السنّية في غرب العراق في عهد المالكي، والذي وظّفه كوسيلة لزيادة سلطته وإقناع منافسيه الشيعة بدعم مسعاه للفوز بولاية ثانية ومن ثم ثالثة في منصبه، التمرد السنّي وأجّجه. وبالمثل، أفرز إهمال الحكومة لأحياء «المناطق الحضرية الفقيرة» في طرابلس وصيدا في لبنان تشدّداً سنّياً، تماماً كما حدث في أحزمة الفقر الكبيرة حول المدن السورية منذ عام 2011.

يمكن القول إن الطائفية أصبحت أكثر من مجرّد نتيجة طبيعية لهذه العمليات، بيد أن تأثيرها الأكبر لا يزال يأتي من التقاء المسارات الثلاث المشار إليها أعلاه. إذ يجري تسليط الضوء على هشاشة الدول القطرية في بلاد الشام وسهولة اختراق حدودها، ولكن التهديد الحقيقي لنظام سايكس - بيكو يأتي ممن يصرّون على إعادة تصوير مجتمعات المنطقة وسياستها بوصفها تخضع لحكم الطائفة والهوية الأثنية. وهذا يدفعهم إلى التماس أو قبول ترتيبات سياسية جديدة تتجاهل الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، فتولد خاطئة وغير مستقرّة. لعلّ الحدود الداخلية بين المناطق والجماعات لدولٍ مثل العراق سوف يعاد رسمها، ولكن ليس حدودها الخارجية.

* باحث أول في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بيروت.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط