بعد كل ما حدث في غزة، لم يعد السؤال فقط: كيف سنعيد بناء ما دمرته الحرب؟
السؤال الأعمق هو:
كيف سنعيد بناء الإنسان الذي أنهكته الحرب والانقسام والخوف والتلقين؟
فإعادة إعمار البيوت والشوارع والمدارس ضرورة، لكن إعادة بناء الوعي لا تقل أهمية عنها. لقد عاش جيل كامل من شباب غزة سنوات طويلة في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، حيث امتزجت الحياة اليومية بالانتماءات التنظيمية، وأصبح الشاب في أحيان كثيرة يُعرَّف من خلال الجهة التي ينتمي إليها، لا من خلال علمه وأخلاقه وقدراته وأحلامه. وهنا يجب أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال الذي ربما تأخر كثيرًا:
هل حان الوقت لكي يتحرر شباب غزة من أسر التنظيمات؟
لسنا ضد التنظيم... نحن ضد أسر العقل. الحديث عن التحرر من أسر التنظيمات لا يعني رفض العمل السياسي أو التنظيمي. فالعمل السياسي حق، والانتماء حق، والمشاركة العامة حق. لكن لا يجوز أن يتحول التنظيم إلى سقف للعقل، ولا أن يصبح الانتماء سببًا لمنع السؤال أو إسكات النقد أو تخوين المختلف. المشكلة ليست أن يكون للشاب انتماء. المشكلة أن يفقد الشاب حقه في أن يكون له عقل مستقل. أن يصبح مطالبًا بأن يكرر ما يُقال له، وأن يدافع عن كل موقف لمجرد أن مصدره الجهة التي ينتمي إليها، وأن يرى المختلف معه خصمًا لمجرد اختلافه. هنا يصبح الانتماء قيدًا، ويصبح الشباب أسرى لحلقات مغلقة من الأفكار. ماذا صنعت سنوات الانقسام في الوعي؟.
لا يمكن تجاهل أن الانقسام السياسي الفلسطيني ترك آثارًا عميقة في المجتمع، وأن الاستقطاب الطويل أثّر في العلاقات الاجتماعية وفي الخطاب العام وفي طريقة نظر الأجيال إلى بعضها البعض. وعندما يكبر الطفل والشاب داخل بيئة يسمع فيها باستمرار لغة التخوين والتصنيف والاصطفاف، فإن الخطر لا يتوقف عند السياسة.
الخطر أن تتحول هذه الثقافة إلى طريقة تفكير وحياة.
فيصبح السؤال:
"أنت مع من؟"
ويصبح اسم التنظيم أهم من صحة الفكرة.
ويصبح الدفاع عن الموقف أهم من البحث عن الحقيقة.
وهنا نخسر أهم شيء يحتاجه المجتمع بعد الحرب:
العقل النقدي.
شباب غزة ليسوا وقودًا لأي مشروع، شباب غزة ليسوا جمهورًا يُستدعى عند الحاجة، ثم يُترك خارج دوائر التأثير. وليسوا أرقامًا في قوائم العضوية. وليسوا أصواتًا انتخابية فقط. وليسوا أدوات للصراع السياسي.
هم جيل دفع ثمنًا هائلًا من حياته، ولهذا الجيل حق في أن يسأل:
ماذا بعد؟
ماذا عن التعليم؟
ماذا عن العمل؟
ماذا عن الصحة النفسية والاجتماعية؟
ماذا عن إعادة الإعمار؟
ماذا عن مستقبل الأطفال؟
ماذا عن بناء المؤسسات؟
ماذا عن دولة القانون؟
وماذا عن حق الشباب في أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل؟
لا نريد جيلاً يكره التنظيمات... بل جيلاً لا يخاف منها.
المطلوب ليس أن ننتقل من التبعية لتنظيم إلى العداء للتنظيمات. المطلوب أكبر وأعمق:
أن يصبح الشاب قادرًا على الانتماء دون أن يفقد استقلاله. أن يقول نعم عندما يقتنع، ولا عندما يرفض.
أن ينتقد من ينتمي إليه قبل أن ينتقد خصمه.
أن يعترف بالخطأ حتى لو صدر من أقرب الناس إليه.
أن يضع مصلحة المجتمع فوق مصلحة المجموعة.
وأن يعرف أن فلسطين أكبر من أي فصيل، وغزة أكبر من أي تنظيم، والإنسان أهم من أي شعار.