كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل ستنهي الصين أمركة العالم؟

جيوش بكين الاقتصادية تزحف نحو العالم لتعيد اكتشاف دروب الحرير، ولكنها هذه المرة تسير فيها البضاعة في اتجاه واحد وبغزارة وبثمن بخس مقارنة مع نظرائها من عمالقة الاقتصاد وكسر حاجز التفوق النوعي نسبياً، وهي تسابق الزمن ليصبح هذا القرن المرحلة الأخيرة من مشروع نهوض التنين، وبعده ستصبح البضاعة والخدمات الصينية معيار الجودة في العالم وفقاً للمثل الصيني، إذا أردت أن تلعب الشطرنج فلابد من اللعب مع الأفضل، وهذا المثل يدلنا أن الثقافة الصينية تؤمن بأن الإنسان كي يظهر أفضل ما عنده ويستطيع قياس مدى تطور مهاراته لابد وأن يكون لاعباً في صفوف النخبة والصفوة، وهذه هي العقلية الصينية وليس البيع بكمية كبيرة وبأسعار منخفضة لاكتساح السوق، فتلك الموجة مجرد تكتيك وقتي وفق إستراتيجية مدروسة للسيطرة على أسواق العالم، ولذلك نجد أن قلق الصين الحالي يتمركز على الخارج ، فهي على سبيل المثال أكثر قلقاً بشأن احتمال عجز الولايات المتحدة عن تسديد ديونها وارتباط ذلك بخفض قيمة الدولار، وتخفيض قيمة العملة سيؤثر بصورة كارثية على قيمة الاستثمارات الصينية في سندات الخزانة الأميركية ومن شأنه أيضاً جعل واردات الصين أكثر تكلفة وأقل سهولة لبيعها في الولايات المتحدة، وهي ثاني أكبر سوق خارجية للصين.

وفي حال وجود أي خفض في التصنيف السيادي للولايات المتحدة، ستبدو دروس انهيار التجارة العالمية في عام 2008 لا تزال حبيسة الدروج وكمبيوترات مراكز الدراسات، فالصين ليست فقط أكبر طرف في ديون الولايات المتحدة... ولكنها في موقف صعب بعد أن تراكمت لديها أكبر كمية من الاحتياطيات الأجنبية، حوالي 3.5 تريليون دولار، وشراء سندات في الخزانة الأميركية بدلاً من شراء الشركات وتغير سياستها مؤخراً بشراء شركات وأسهم كبيرة في شركات مختلفة ناجحة في كل بقاع العالم وتمويل مشاريع حيوية تضمن لها وجود وتأثير في كل القارات.

ومن جهة أخرى، فإن دبلوماسية الجانب الصيني الاقتصادية ومساعدتها لدول أفريقية وآسيوية وأوروبية عديدة بتوقيع اتفاقيات معها وصب مليارات عديدة لإنعاش اقتصادات تلك الدول خلال الأزمة المالية العالمية كانت فرصة ذهبية للصين لتحديث هيكلها الاقتصادي وزيادة نفوذها في الشؤون الدولية فتطميناتها للجانب الأميركي أثناء الأزمة المالية العالمية على سبيل المثال ساعدت البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على إبقاء الولايات المتحدة فوق مؤشر الخطر أثناء تلك الأزمة، مما مكن أميركا من تنفيذ سياسة «التسهيل الكمي بطبع النقود، وضخ الأموال في النظام المصرفي، وخفض أسعار الفائدة وإعادة تشغيل صناعة الإسكان وأميركا مدينة لأصدقائها الذين أنقذوها من الانهيار المالي وبالتالي النظام الاقتصادي العالمي من خلال المحافظة على انخفاض أسعار النفط والطاقة في الشرق الأوسط، وكذلك التعامل الناضج اقتصادياً من الصين وعدم مبادرتها بعمليات بيع سريعة لسنداتها في الخزانة الأميركية، والذي كان من شأنه أن يشل الولايات المتحدة وبالتالي ارتفاع سعر «اليوان» وحرمان الصين من أسواق التصدير الحيوية.

وباختصار، الصين لديها مصالح وطنية اقتصادية كبيرة في استقرار الدولار الأميركي والتزامات الولايات المتحدة، فإن أي تعطيل كبير في استقرار الدولار له مضاعفات محتملة ستلقي بظلالها على صحة الاقتصاد الصيني.

وكانت الصين تحت ضغط كبير من المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة والأوروبيين، للسماح لـ«اليوان» بالارتفاع، ولكن عدم ارتفاعه في الوقت الحاضر يعد صمام أمان للصينيين وعاملاً رئيسياً في إدارة التنافسية، ونمو صناعة التصدير مصدر قوة الناتج المحلي الإجمالي بالإضافة إلى توفير فرص عمل وفيرة، وشرط لا غنى عنه للاستقرار السياسي الداخلي وعليه قيمة الدولار ترتبط بالنسبة للصين بالتضخم أو حدوث خلل في آلة التصدير الصينية، وهو أمر غير مقبول النقاش فيه من قبل الصينيين وكذلك للحد من اعتمادها على الديون المقومة بالدولار الأميركي، ناهيك عن أن أكبر الدائنين للولايات المتحدة - من الصين واليابان إلى البرازيل- يفضلون أن يروا واشنطن تقوم باتخاذ خطوات نشطة لتنظيم أدائها المالي بدلاً من مجرد رفع سقف الديون وهو إجراء تصحيحي عجزي يضع مصداقية الولايات المتحدة كزعيمة للنظام المالي الدولي تحت الحصار الصيني بنمو اقتصادي سنوي يقدر 7.5 في المئة سنوياً، بجانب فوائض تجارية هائلة واحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية وتلقين العالم دروساً مجانية في الدبلوماسية الاقتصادية التقدمية، حتى في التعامل مع ملف مثل ملف الأسلحة الكيميائية السورية، ووضع أميركا في فوهة المدفع وإظهارها بالدولة، التي لا تملك الحزم في اتخاذ القرار لما تعانيه من مشاكل تفقدها تركيزها في الجانب الدبلوماسي وإدارة الملفات السياسية، والتي في واقع الأمر هي صراعات الدولار من جهة و«اليوان» وسلة عملات القوى الاقتصادية الأخرى في العالم من جهة أخرى، ومن سيملك المخزون الأكبر من الذهب والنفط والغاز وأحدث الاختراعات العلمية والتكنولوجية العابرة للقارات وغيرها من السلع الإستراتيجية لدعم عملته، وبالتالي لعب عراب التحكم في الأسواق العالمية، حتى أصبح الرئيس الصيني «شي جين بينغ» النجم الأول في كل مؤتمر أو حدث عالمي يحضره، والنسخة الصينية من القرن 21 لطريق الحرير تستيقظ على وقعه النمور الآسيوية مجدداً وفضاء رحب للتسويق للإستراتيجية الصينية الذكية، التي ستجعل من الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الصين بين الأعلى عالمياً بحلول عام 2020 وفي نفس السنة متوقع أن يكون بالصين حوالي 195 مليون خريج جامعي تلقوا تعليماً نوعياً، وبناء 221 من المدن الجديدة وطريق حرير حديدي (الجسر البري الأوراسي الثالث)، بجانب شبكة السكك الحديدية الحالية عالية السرعة، التي تربط ميناء جنوب شرق شنتشن في جنوب مقاطعة يوننان، وشينجيانغ، في غرب الصين بميانمار وبنجلاديش والهند وباكستان وإيران وتركيا، ومن ثم على طول الطريق إلى ميناء روتردام الهولندي والجسر البري الأوراسي الثاني الذي يربط فعلياً بين الصين وكازاخستان وروسيا وروسيا البيضاء وبولندا، ومن ثم على طول الطريق إلى أسواق الاتحاد الأوروبي وكذلك الشحن عبر المحيط الهندي.

الصين حريصة على الاستثمار في قناة سيتم شقها عبر «كرا ايسثموس» في جنوب تايلاند كقناة آسيوية على غرار قناة بنما، لتخفيف الضغط على مضيق «ملقا» ومشاريع ربط منطقة البحر الكاريبي بالمحيط الهادي. وبحكم التمركز الجغرافي للصين ومشاريعها العملاقة لربط قارات العالم لا محالة أنها قادمة بقوة مستخدمةً سلاح الربط بين أسواق العالم بصورة خلاقة، وتطبيق القواعد الجديدة بلكنة صينية خالصة، وإن كانت القيادة ستبدو جماعية مع حلفائها في ظل تراجع الولايات المتحدة البطيء، ولكن المستمر منذ الصدمة النفطية في عام 1973 بالتوازي مع السقوط البطيء للدولار الأميركي الذي يفقد قيمته تدريجياً، وقد أنهت الولايات المتحدة التعامل بالذهب في تاريخ 15 أغسطس من عام 1971 بشكل أحادي وفرض قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وكنتيجة لذلك، أصبح الدولار عملة الاحتياط في العالم، وأصبحت العملة الورقية غير مربوطة بقيمة أي من المعادن الثمينة.

ومن جانب آخر، يُعد استخدام الدولار في المعاملات التجارية في سوق الطاقة هو آخر حصون الدولار، وبالرغم من أنه عملة الاحتياطي العالمي، فإن الصين تشتري الدولار بشراهة وفق لعبة تجيدها بكين تماماً في خطتها المطولة لقلب الطاولة في الوقت المناسب بكل اختصار. وهذا الفكر بالتحديد وراء نشاط الصين في مقايضات العملة مع أكثر من 20 من كبار شركائها التجاريين، فالصين ببطء- ولكن بثبات- تسحب البساط من الدولار الأميركي لإزاحته عن عرش منظومة الهيمنة والغزو بالعملة وحتمية عولمة عملة أممية تروق للقوة الاقتصادية الأولى في العالم، وفي الوقت نفسه، عودة صعود موسكو إلى الساحة الدولية كلاعب مؤثر ورئيسي يتطلب وجود عملة احتياطية جديدة، تكون مدعومة كلياً من قبل الذهب أو الفضة، وهو جزء من خطة بكين التي تجمع وتراكم الذهب بكل الوسائل الممكنة.

ولكن التحدي الأكبر للصين هو إقناع حلفاء أميركا التقليديين بالتخلي ولو نسبياً عن حليفتهم القوية وخاصة عسكرياً، وهو أمر في غاية الصعوبة، ولكن ليس مستحيلاً في ظل ما تقوم به أميركا من تحركات استراتيجية أقرب للتخبط الإستراتيجي، الذي ترى بأنه يخدم مصالحها القومية فقط، وليس أي طرف آخر سواها بما في ذلك إسرائيل، التي لن تتوانى أميركا عن استبدالها بأية قوة إقليمية إذا تطلب الأمر ذلك للحفاظ على أمنها القومي الذي يتغذى بصورة قطعية على جغرافية مصادر الطاقة، وبالمقابل يمثل وصول حلفائها وأصدقائها في الشرق الأوسط بالتحديد لمرحلة النضج الكامل في فن التفاوض السياسي التكاملي، والإتقان التام لممارسات البترودبلوماسية والدبلوماسية الجيوسياسية، وبالتالي بقاءها محايدة وفتح أبوابها لكل الاحتمالات وكل الحلفاء والأصدقاء، بل حزمة من التحالفات الإستراتيجية ضمن أمنها الإستراتيجي المستدام بما يخدم مصالحها بدورها وليس إلا...

وأكبر المستفيدين في عالم بلا أقطاب في المنطقة دول مثل الصين وروسيا وتركيا وإيران على وجه التحديد في مثلث زواج جيوسياسي، لابد من أن يكون العرب في جبهة متوحدة أحد أضلاعه قبل فوات الأوان. ولا سيما أن تركيا وإيران (حلف العمامة والبدلة ومشروع الإسلام البديل)، مرشحتان بقوة ﻷن تصبحا حليفتي الولايات المتحدة وفق النفعية السياسية الطبيعية لمصالح أميركا في المنطقة رغم كل التصريحات والتطمينات الظاهرية الأميركية.

عن الاتحاد الاماراتية

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط