كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل سيبقى شيء من مانديلا؟

قُدّر للذين عرفوا نيلسون مانديلا حول العالم، قبيل خروجه من السجن وبعده ثم انتخابه رئيساً فانسحابه من الحياة السياسية إلى مواراته في مثواه الأخير، أن يعايشوا أسطورة من لحم ودم تتحرّك أمامهم، وقد يكون بما حمله ومثّله من قيم إنسانية نموذجاً أخيراً لمن استحقّ الأسطورة بل اكتسبها وهو حيّ، في انتظار الأسطورة المقبلة إذا أتيح لها أن تظهر في خضم تغيّر القيم وانحدارها.

لحظة كان مانديلا يتطهّر من الحقد والعنف وهو في زنزانته، لم يكن يواجه نظام الفصل العنصري فحسب، بل كان وشعبه يعانيان من الاستقطاب الأعمى الذي شغل العالم خلال الحرب الباردة. ولم يكن الغرب يرى أي عيب في نظام "الأبارتايد" طالما أنه ينتمي إلى المعسكر المناهض للمعسكر الاشتراكي السوفييتي، في حين أن مانديلا كان آنذاك مصنّفاً شيوعياً وإرهابياً وبالتالي، فإن قضيته ما كانت لتحظى بتعاطف أو اهتمام في الغرب. وعندما اعتقل في 1964، كان السود في الولايات المتحدة نفسها يخوضون معركتهم من أجل حقوقهم المدنية، وقد صعد نجم مارتن لوثر كينج وسطع عالمياً قبل أن تطفئه رصاصات الاغتيال، فيما كان مانديلا يعاني الفترة الأسوأ والأكثر قسوة من أعوام احتجازه.

 

تلك الحقبة الحالكة استحضرت نفسها بمناسبة رحيل بطل أفريقيا وعظيمها الجنوب أفريقي، لأن سجّانيه وداعمي سجّانيه السابقين انبروا إلى الصفوف الأولى من أجل رثائه وأبدوا حرصاً على الظهور كأنهم من رفاق مانديلا منذ بدايات كفاحه. لكن حبر التاريخ لم يبهت بعد، فإذا كان مانديلا نفسه أعطى بالقول والعمل مثال التفوق على الذات والقدرة على تجسيد قيم التسامح والمسالمة وضخّها في شرايين شعبه، إلا أن الحقائق والوقائع لا تزال ماثلة في الأذهان.

يكفي التذكير بأن "ماديبا"- كما كانوا يسمونه- أفنى عمره مناضلاً من أجل "الحرية والديمقراطية" اللتين تختصران فكره المبني على قيم العدل والكرامة الإنسانية، لكن الغرب الذي يعتبره اليوم أيقونةً ينبغي لكل زعيم أن يقرنها بمسيرته كان في الوقت يعاديه باسم "الحرية والديمقراطية" أيضاً بصفتهما من قيم العالم الغربي الحرّ، بل كان يقلّل من شأن قضيته لمجرد أنه "شيوعي حليفٌ للسوفييت". لذلك صعب على عتاة اليمين الغربي، أمثال رونالد ريجان أو مارجريت ثاتشر، أن يقتنعوا بأن مناصرة قضية السود ضد البيض في جنوب أفريقيا مسألة تستحق أن يتخلّوا عن نوازعهم.

باكراً جداً لفظ عالم الثقافة النظام العنصري من جسمه ولم يتقبّله في "اليونيسكو"، إذ انتظرت جنوب أفريقيا ثمانية وثلاثين عاماً لتأخذ مقعدها في هذه المنظمة عام 1994. وتبعه عالم الرياضة عندما علّقت اللجنة الأولمبية عضويتها في 1970، وأخيراً الجمعية العامة للأمم المتحدة التي طردت جنوب أفريقيا في 1974 لتطلق المنظمة الدولية بعدئذ قطار الحظر والعقوبات التي راحت تشدّد سنةً بعد سنة إلى أن أصبحت خانقة أواخر الثمانينات. كان التضامن الأفريقي عاملاً أساسياً في تشكيل الضغط الدولي على نظام بريتوريا، لكن يحسن التذكير بأن بلوغ القضية نهايتها بالتفاوض مع مانديلا ثم إطلاقه تزامن عملياً مع انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة. أُدخل مانديلا السجن كـ "إرهابي سوفييتي" وأخرج منه أيقونة تحرر ما لبث الغرب أن تبنّاها كما لو أنه صنعها، أو بالأحرى ليمحو بها عار وقوفه الطويل مع النظام العنصري.

الفارق بين مانديلا وسجّانيه المباشرين وغير المباشرين أنه تعلّم من محنته وأنهم لم يتعلّموا مما اقترفته سياساتهم، بدليل أنه هو القائل إن "حريتنا لا تكتمل إلا بتحرر الفلسطينيين"، لكن الذين يتغنّون بأمجاده في الولايات المتحدة يفضلون إقصاء هذه العبارة من تراثه، إذ قطعوا مساهمتهم في ميزانية "اليونيسكو" لمعاقبتها بعد تصويت دولها على قبول عضوية دولة فلسطين فيها. وقبل ذلك كانوا قد مارسوا أقصى الضغوط لسحب قرار للأمم المتحدة يصنّف إسرائيل "دولةً عنصرية". لكن مناسبة رحيل مانديلا وفّرت لكتّاب إسرائيليين فرصة التساؤل متى يظهر "فريدريك دو كليرك" إسرائيلي لينهي نظام التمييز العنصري ضد الفلسطينيين.

في أفريقيا، وفي كل أنحاء العالم تبارى الزعماء والقادة في تمجيد مانديلا لكنهم لا يشاطرونه مُثُلَه، ولا قدرته على تجاوز عذاباته، ولا أهداف مكافحة الفقر والأمية والأمراض، التي وضعها للنجاح الحقيقي الذي حلم به لبلاده وليس لنفسه. استطاع أن ينتزع الحرية لشعبه وهو لا يزال في السجن، وأن يستثمر ما تبقى له من طاقة ذاتية لقيادة المصالحة والمسامحة وبناء الديمقراطية وهو في سدّة القيادة فالرئاسة، وأن يبقى منارة أخلاقية ومعنوية وهو في الاعتكاف. والأمل أن يبقى من إرثه ما يحصّن مناعة مجتمعه من تداعيات غيابه، وما يلهم كبار المجتمع الدولي لإحقاق الحق حتى لو لم يكن في سياق مصالحهم.

عن الاتحاد الاماراتية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط