كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل سيعود الإسلاميون للسلطة؟

من المؤكد أن فشل الإخوان أثر سلبيا على باقى التيارات الإسلامية، ومن المؤكد أيضا أن الإخوان عمقوا جروحهم مع كثيرين من أبناء الشعب المصرى بسبب جرائم قادتهم وانفصالهم التام عما يجرى فى المجتمع وكراهيتهم العميقة للدولة بكل مؤسساتها.

معضلة الإخوان تختلف عن معضلة باقى الإسلاميين، فالأولى مشكلتها الرئيسية فى الجماعة المغلقة التى وضعوها فوق الوطن، وتحولت فى أوقات الصراع على السلطة إلى جماعة تكره الوطن وتعمل على تدميره وإسقاط دولته، وتنظر إلى مخالفيها فى الرأى، الذين كانت تتودد إليهم أثناء مراحل الاستضعاف، «كأغيار»، لأنهم اختلفوا مع الجماعة ورفضوا سياستها.

مدهش وربما صادم أن تخسر جماعة كل معاركها السياسية والدينية على مدار تاريخها كله دون أن تتعلم شيئا، والغريب أنها خسرتها وهى فى المعارضة فى مواجهة السلطة الملكية وعبدالناصر والسادات ومبارك، وحين لاحت لها فرصة استثنائية ووصلت للسلطة بعد ثورة لحقت بها ولم تصنعها، فقدتها أيضا.

لم تخسر الجماعة السلطة فقط بسبب سياساتها الفاشلة، ولا قرارات مرسى الخاطئة، إنما أساسا بسبب صيغتها وفلسفة بنائها، فالجماعة بصيغتها الممتدة منذ 85 عاما كجماعة عقائدية مغلقة تمارس الدعوة والسياسة والنشاط الاجتماعى، وظلت أسيرة هذه الصيغة حين كانت فى المعارضة، وحين كتبت قبل الثورة عن ضرورة الفصل بين الجماعة الدعوية والحزب السياسى قالوا إن السلطة لن ترخص لها بحزب سياسى، ولن تسمح لها أيضا بتأسيس جماعة دعوية، وبالتالى لا داعى للتمييز بين الدعوى والسياسى، وبعد أن وصلت الجماعة للسلطة بسبب قوتها التنظيمية ودهائها السياسى وضعف وشيخوخة ما تبقى من رجال مبارك، استمرت فى الحكم كجماعة سرية، ورفضت أن تحصل على رخصة قانونية، واعتبرت نفسها فوق الدولة التى يرأسها مندوب الجماعة فى قصر الرئاسة فى مشهد غير مسبوق فى تاريخ أى بلد آخر فى العالم، أى أن يأتى رئيس جمهورية من جماعة سرية لا علاقة لها بقوانين الدولة التى يحكمها.

إن فشل الإخوان فى الحكم لم يعترفوا به حتى الآن، ويصرون على استدعاء خطاب المحنة والبلاء والمؤامرات الداخلية والخارجية وارتداء ثوب الضحية، بما يعنى عدم وجود قدرة على مراجعة ممارسات الجماعة الممتدة منذ 85 عاما وصدامها مع كل النظم السابقة ملكية وجمهورية، وهو أيضا أهدر فرصة تاريخية للاستفادة من وصول الإسلاميين إلى الحكم منفردين (مصر) أو بالشراكة مع قوى أخرى (تونس)، لبناء عملية تحول ديمقراطى حقيقية يكون الإسلاميون جزءا منها.

والمؤكد أن هذه الصيغة التى بنيت عليها جماعة الإخوان المسلمين لا تنسحب على باقى التيارات الإسلامية، سواء أكثرها محافظة كحزب النور أو أكثرها انفتاحا كمصر القوية والوسط، فهى كلها أحزاب وتيارات يمكن الاختلاف مع توجهاتها سياسيا، ولكن لا يوجد لدى أى منها جماعة دينية تحرك كل همسة داخل هذه الأحزاب مثلما كان الحال بالنسبة لجماعة الإخوان مع «ذراعها السياسية» حزب الحرية والعدالة، صحيح أن الدعوة السلفية مؤثرة فى حزب النور، لكنه ليس ذراعها السياسية على الطريقة الإخوانية.

أما حزب الوسط فقد وصف الكثيرون سيره خلف إخوان الحكم بأنه كان من أجل اقتسام مكاسب السلطة، فى حين رأى البعض الآخر أن مصر القوية حزب متردد بين خيارات متضاربة: إسلامية وليبرالية، ومحافظة وثورية.

كل هذه الانتقادات فى عالم السياسة مشروعة، وقد يتفق معها البعض ويختلف البعض الآخر، وقد تفقد هذا الحزب بعضا أو كثيرا من شعبيته، لكنها لا تقضى على وجوده أو شرعيته، ولا يمكن أن تخرجه خارج المشهد السياسى بقانون أو قرار حظر طالما لم يتركب أى جرائم تحريض وتآمر وقتل مثلما فعل بعض أعضاء الإخوان، فأخطاء الأحزاب الإسلامية الأخرى يرد عليها بالنقد السياسى وليس الإقصاء السياسى.

إن معضلة الإخوان، وبالتالى مستقبلها، سيختلف عن باقى التيارات الإسلامية، فأزمة الجماعة لم تكن فقط فى فشل حكم تنظيم سياسى، إنما فى فشل مشروع فكرى وتنظيمى ممتد منذ 85 عاما، وهو أمر لا ينطبق على باقى التيارات الإسلامية. إن تقدم الإسلاميين فى بلاد الربيع العربى مثّل فرصة تاريخية لم تتح لتجارب إسلامية أو قومية سابقة، وهى أن وصولهم للسلطة جاء عبر صناديق الانتخاب وليس عبر انقلاب عسكرى كما جرى فى السودان، أو ثورة أسقطت النظام والدولة معا كما فى إيران، إنما عبر «ثورات إصلاحية» حديثة شاركوا فيها (ولم يشعلوها) لتغيير النظام وإصلاح الدولة وبناء نظام ديمقراطى، مثلما جرى فى كل بلاد العالم فى الأربعين عاما الأخيرة من أوروبا الشرقية إلى أمريكا اللاتينية، مروراً بإسبانيا والبرتغال وتركيا وماليزيا، وغيرها من التجارب التى صنعت تقدمها دون ثورة، وبنت ديمقراطيتها عن طريق إصلاح الدولة لا هدمها.

إن معضلة قطاع واسع من تيارات الإسلام السياسى فى مصر تتمثل فى علاقتهم بالدولة، فالمؤكد أن الأخيرة قد أقصت هذا التيار بدرجات مختلفة، ودمجت أساسا الإسلام «غير السياسى»، ممثلا فى الأزهر وباقى المؤسسات الدينية، وتفاعلت إيجابا مع كل الاتجاهات الدينية غير السياسية، وبقيت مشكلة التيارات الإسلامية السياسية مستمرة منذ عقود.

ولعل هذه المعضلة هى التى جعلت كثيرا من هذه التيارات يختزل ما جرى فى 3 يوليو فى «انقلاب عسكرى»، وعبر أكثر من مرة عن كراهية واضحة للدولة ومؤسساتها، ولم يعتبر أن وجود هذه المؤسسات على أزماتها هو الذى حمى مصر من مصير كثير من الدول العربية المجاورة التى تفككت دولها وانقسمت جيوشها وصارت فى كارثة سياسية حقيقية.

عودة الإسلاميين إلى لعب دور فاعل فى الحياة العامة والسياسية وفتح الباب أمام وصول جديد للسلطة ديمقراطيا متوقف بشكل رئيسى على حسم إيمانهم بالدولة الوطنية، حتى لو شعر كثير منهم بالغربة عن هذه الدولة التى أقصتهم منذ ثورة يوليو من كل مؤسساتها، فعليهم ألا ينسوا أن كثيرا منهم رفع السلاح فى وجهها.

لقد نجح حزب العدالة والتنمية فى السنوات العشر الأولى نجاحا كبيرا قبل شيخوخته الأخيرة نتيجة إيمانه بالدولة التركية من جيش وطنى وقضاء وإدارة (رأوها ظلمتهم)، وهو ما مثل عنصرا حاسما فى وصولهم للسلطة، وأيضا طريقا لإصلاح مؤسسات الدولة.

أما خطاب هدم الدولة وكراهية الجيش والشرطة والقضاء، واختزال ما جرى فى مصر فى أنه انقلاب عسكرى وتجاهل الحقيقة الواضحة أن الإخوان فشلوا فشلا مدويا فى الحكم فلن يغير من الأوضاع شيئا، فسيبقى الإسلاميون فى المعارضة إلى الأبد وستبقى الدولة بلا إصلاح إلى الأبد، وسيبقى الوضع تقريبا على ما هو عليه: إسلاميون يكرهون الدولة ويحاربونها بالدعاء أو العنف، ودولة تواجه الإسلاميين بالقانون أو بالإقصاء.

عن المصري اليوم

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط