كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل صمتت غزة أم أُسكتت؟

هل صمتت غزة أم أُسكتت؟

تاريخ النشر: 2026-01-21 | 18:04

في قلب المشهد الفلسطيني الأكثر قسوة، يقف قطاع غزة اليوم شاهداً على مأساة مركبة لا تختصرها مشاهد القصف والركام وحدها، بل تتجاوزها إلى واقع داخلي مثقل بالخوف والصمت والعجز. فبينما تواصل إسرائيل حربها المفتوحة على القطاع مستخدمة أقصى درجات القوة والتدمير، تتكشف في الداخل أزمة أخرى لا تقل إيلاماً، تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع الغزي وسلطة الأمر الواقع التي تدير شؤونه في ظل الحرب والحصار، وهي علاقة باتت محكومة بمعادلات القوة أكثر من كونها قائمة على الشراكة أو المساءلة.


غزة التي اعتادت الصمود في وجه العدوان تبدو اليوم مدينة منهكة لا فقط بفعل آلة الحرب، بل أيضاً نتيجة تضييق المساحات التي تتيح للناس التعبير عن آلامهم وأسئلتهم ومخاوفهم. فالصمت الذي يخيم على الشارع الغزي لا يمكن قراءته بوصفه حالة رضا أو إجماع، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لحالة خوف عميقة تشكلت عبر سنوات من الحكم الأمني المشدد، وتعززت أكثر في أجواء الحرب حيث تتراجع الأولويات المدنية لصالح اعتبارات الضرورة والطوارئ، ويُنظر إلى أي رأي مختلف باعتباره عبئاً لا ضرورة له.


منذ اندلاع الحرب الأخيرة، دخل القطاع مرحلة غير مسبوقة من الانهيار الإنساني، حيث سويت أحياء كاملة بالأرض، وخرجت المنظومة الصحية عن الخدمة، وأصبح النزوح الجماعي سمة يومية للحياة في غزة. ومع تعثر المسارات السياسية واستمرار العمليات العسكرية يعيش الغزيون حالة انتظار ثقيل، انتظار لا يعرفون له نهاية ولا ملامح، وفي هذا المناخ القاتم يصبح أي صوت ناقد أو متسائل مخاطرة غير محسوبة، لا لأنه معادٍ أو متآمر، بل لأنه يكسر حالة الاصطفاف الإجباري التي فرضتها ظروف الحرب.


القراءة الموضوعية لواقع غزة تفرض علينا الاعتراف بأن الفصائل المسلحة، وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، لا تمارس دورها فقط كقوى مقاومة، بل كسلطة أمر واقع تتحكم بمفاصل الحياة اليومية. هذا التداخل بين المقاومة والإدارة، وبين السلاح والقرار المدني، خلق معادلة حساسة أدت إلى تآكل المسافة بين حماية الجبهة الداخلية وبين تقييدها، بحيث يشعر كثير من المواطنين بأن المجال العام بات ضيقاً، وأن التعبير عن السخط المتعلق بالأوضاع المعيشية أو بسوء الإدارة أو حتى بجدوى بعض الخيارات السياسية والعسكرية، لم يعد أمراً مأمون العواقب.


الانتقاد هنا لا يستهدف مبدأ المقاومة ولا ينكر حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه في وجه الاحتلال، بل ينطلق من سؤال جوهري يتردد في وجدان كثيرين، هل يمكن لمشروع تحرري أن ينجح إذا شعر الناس بأنهم مطالبون بالصمت الدائم حتى وهم يدفعون أثماناً باهظة من حياتهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم؟ فالقوة الحقيقية لأي حركة تحرر لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضاً بمدى ثقتها بشعبها واستعدادها للاستماع له واحترام حقه في السؤال والمساءلة، لأن الحاضنة الشعبية لا تُبنى بالخوف ولا تُحفظ بالقسر.


ومع تراكم الخسائر وتحول الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء، تحول الصمت في غزة إلى ما يشبه وسيلة نجاة. فالمواطن الذي فقد منزله أو أحد أفراد عائلته لا يبحث عن مواجهة إضافية، بل عن الحد الأدنى من الأمان في واقع هش. غير أن هذا الصمت، سواء فُرض بالقوة أو اختير بدافع الخوف، يحمل في طياته خطراً طويل الأمد على النسيج الاجتماعي، لأنه يراكم شعوراً بالمرارة والانفصال بين الناس ومن يدير شؤونهم، وقد يتحول مع الوقت إلى شرخ نفسي عميق يصعب ترميمه حتى بعد توقف الحرب.


ويزداد المشهد تعقيداً مع غياب أفق سياسي واضح، سواء على صعيد وقف إطلاق النار أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وهو فراغ يغذي الإحباط ويدفع نحو تكريس إدارة أمنية للقطاع على حساب البعد المدني والوطني الجامع. وفي ظل غياب مؤسسات جامعة وفاعلة تبقى الكلفة الأكبر على المواطن البسيط الذي يدفع ثمن الصراع الخارجي ويتحمل تبعات الانسداد الداخلي دون أن يمتلك أدوات التأثير أو التغيير.


ومن هنا تبدو غزة اليوم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة هادئة وشجاعة، مراجعة لا تقوم على تبادل الاتهامات ولا على كسر العظام، بل على إعادة الاعتبار للمواطن الفلسطيني بوصفه جوهر القضية وغايتها. كسر جدار الخوف الداخلي، وتوسيع مساحة التعبير، وبناء الثقة مع الناس عبر الشفافية والمحاسبة، ليست ترفاً سياسياً ولا مطلباً ثانوياً، بل شروط أساسية لصمود حقيقي ومستدام في وجه الاحتلال.


غزة التي صمدت في وجه واحدة من أشرس الحروب تستحق أن يُصان صوت ناسها لا أن يُخفت، لأن القضية الفلسطينية في جوهرها قضية حرية وكرامة قبل أن تكون صراعاً على الأرض. فبين مطرقة الحرب وسندان القهر يبقى السؤال مفتوحاً بلا مواربة، هل صمتت غزة أم أُسكتت؟ وهو سؤال لن تحدد الإجابة عنه ملامح ما بعد الحرب في القطاع وحده، بل مستقبل المشهد الفلسطيني بأسره.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط