كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل كان جدي دوسلدورفياً ؟

هل كان جدي دوسلدورفياً ؟

تاريخ النشر: 2019-06-11 | 16:54

ثائر ثابت
ثائر ثابت

هي جدلية الأسئلة حين تثير في ذواتنا زوبعات من رغبات الاكتشاف ومتعة الفضول؛ فلسفة التنقيب عن ما تركوه هناك من ذكريات وقصص وحكايا وأسماء وأرقام وأشياء غامضة، هذه المرة يختلف النص في جنسه وشكله؛ لا يقبل أن يكون صحافياً ولا أدبياً ولا مرثية متقنة، بل هو أقرب إلى عودة الأحفاد للبحث عن أزمنة الأجداد في بلاد الألمان.

هناك، وتحديداً في مدينة جميلة تسمى "دوسلدورف" عاش جدي المرحوم محمد ثابت المعروف "بأبي الخير" 25 عاماً، أي ربع قرن من الزمن، أمضاها حِرفياً في أكبر شركات ومصانع Mannesmann التي اشتهرت بصب الحديد وما شابه.

الجد القادم إلى تلك البلاد في نهاية خمسينيات القرن الماضي مع مجموعة عمال فلسطينيين وعرب باحثين عن حياة فضلى ومصدر رزق وفير، كل واحد منهم ربما رسم أحلامه بحبر الترقب والأمل والاشتياق والانصهار.

 كثيرة هي الأشياء التي كانت تجول في خواطرنا نحن الصغار، عن حياة الجد هناك، وأسئلة مشرعة في وجه الاحتمالات، حول الأصدقاء والحبيبات والمال والثقافة، لكن الإجابات تكاد تكون ضئيلة أو مبتورة، وهي أشبه بخزائن مجوهرات تغريك بمظهرها الخارجي بيد أن قلوبها فارغة تماماً...!

في رحلتي هذا الصيف لبلاد الألمان، تزامنت زيارتي والذكرى العاشرة لرحيل جدي عن الحياة، ودائماً ما يحيرني كيف عاد هنا للبلاد في ثمانينيات القرن المنصرم، ولم يفكر يوماً أن يعود إليها ولو لقضاء إجازة ما في دوسلدورف، مع أن نجله، أي عمي، الذي يعيش في ألمانيا منذ أربعة عقود تقريباً لم يقنعه أن يأتي إليه لزيارة عائلية؛ لاسترجاع زمن الحنين سيما وهو الذي عاصر بعض الذكريات والمواقف معه في المدينة ذاتها ؟!.

دوسلدورف، عاصمة ولاية شمال الراين وستفاليا، يشقها نهر الراين، تماماً كما تشق سكينة خاصرة تفاحة يانعة، مدينة رغم الخسائر التي تكبدتها إثر حروب موجعة، بقيت محافظة على جمالها الأخاذ، متمردة على الانكسار، حتى باتت من المراكز الاقتصادية القوية لا على مستوى ألمانيا فحسب؛ بل على مستوى العالم.

ووفقاً لبعض المسوح، في العام 2009 - وهو العام الذي ترجل فيه الجد عن صهوة الحياة -، "احتلت دوسلدورف المرتبة الأولى على مستوى ألمانيا والسادسة على مستوى العالم في قائمة أفضل المدن من حيث جودة المعيشة"، لا ندري هل كانت ستثير هذه المعلومة الفضول لدى الجد وهو يتأملها .... هي أسئلة لا أكثر ...؟!

التنقيب في رمل الذكريات، ربما هو الأجمل والأعمق من البحث عن التبر، إذ يسحبك الحنين بسطوة إلى حيث ما عاش جدي أبو الخير؛ تتشابك المشاعر كما الأسئلة المختلطة، عندما تتأمل نوافذ العمارة الصغيرة التي سكنها وهي حاملة رقم (53) وأسماء الساكنين المكتوبة على جرس كل منزل تتخيل اسمه بينهم، الدراجات النارية المتعانقة برؤوسها على مقربة من الباب، مكتب السفريات والسياحة، دكانة أو مخبز الكعك الذي كان يعشقه، كلها تتعرف عليها أو هي تتعرف عليك، وأنت الحفيد الآتي؛ لنبش ركام الحكايا بمعول الفضول؛ فضول الصحافي الذي يشتم عبق الأماكن؛ لينقلها أو ليحاصرها على جسد الورق أو في الفضاءات الإلكترونية.

جدي المولود في قرية صغيرة اسمها عزموط تتبع محافظة نابلس، وحسب المؤرخ مصطفى مراد الدباغ معناها "القوي حتى الموت"، مات الجد القوي فيها، ولم تغيره سنوات الغربة إلى حد الانسلاخ، فقد عاشت فيه القرية وعاداتها وتقاليدها، حتى حين عاد ليستقر فيها، معلناً عن رحلة مشاريعه التجارية، صرافة، وخضراوات، ولحوم، وآخرها أدوات منزلية، كلها تجارب في محل صغير ابتاعه في سوق مدينة نابلس الشرقي، وما يزال حتى اللحظة يشهد على منطقه في البيع والشراء، ما زلت أتذكر عناده وطبعه الحاد ومزاحه المهاب، السعر عنده لا يقبل القسمة، ولا مجال للمفاصلة أو المجاملة، هل هي عادة ألمانية أم أنها صفات التاجر المر ...؟! هي أسئلة وتتكرر.

هنالك أشياء متناقضة أو متداخلة في شخصه، وهي تثير دوماً حوله الأسئلة، هل كان قروياً فلاحاً عزموطياً ( نسبة إلى قريته) ؟ هل كان تاجراً مدنياً نابلسياً ؟ هل كان حرفياً ألمانياً دوسلدورفياً ...؟

جدي دوماً كان ينتصر للأناقة؛ فكثيراً ما تروق له الملابس العصرية وألوانها، لا ندري هل هي عادة أصيلة أم مكتسبة من الألمان؟ وما يبرهن على عشقه للموضة والتمتع بصيحاتها، هو صداقته مع شارع الكونيغساله Königsallee ( شارع الملوك) وهو الذي قادني خلال جولتي مستكشفاً سر هذه الصداقة؛ فهذا الشارع يشتهر بجذبه للسياح وللزبائن العاشقين للبضائع والماركات العالمية .. كم خطوة ترك جدي على رصيف الكونيغساله  خلال ربع قرن من الزمن ...؟!

في دوسلدورف، وضمن نظام صارم خصص الجد ساعة واحدة كل يوم لمتعة السباحة، كان يدرك تماماً جدوى الرياضة للجسم وللروح وللقلب، حتى قبل وفاته بأيام لم يترك ميدان رياضة كمال الأجسام، أو المتعارف عليها رياضة الحديد ... وهذه الرياضة دائماً ما جعلته يبدو نشيطاً وقوياً وحتى حين فارق الحياة في سبعينيات العمر، تفاجأ الكل بأن مجرد دخوله الطارئ للمشفى نتيجة وعكة صحية ألمت به ستكون هي النهاية .. نهاية درب الحياة... هل أحب هذا الدرب كثيراً ...؟!

من برج الراين، تثير فينا المدينة الحيرة والتساؤلات أكثر، تتفرس وجه البيوت والجسور والمعالم، من علو شامخ نترحم على العابرين فيها، لذكرياتهم، نعود إليها كأبناء لها بمنطق يغاير رأي الأجداد وحكمتهم، هم الذين عاشوا فيها كمحطة مؤقتة لا مستقراً، دائماً ما استهوتهم بساتين الزيتون والبلاد المتواضعة بجمالها، متطرفة بتاريخها وملاحمها.

وداعاً جدي ... يا أبا الخير،،

نلتقي قريباً يا دوسلدورف .

وسنبقى نسألك  .. هل كان جدنا دوسلدورفيا ً ....؟!

 

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط