كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل كُسر غصن الزيتون وسُرقت البندقية؟

هل كُسر غصن الزيتون وسُرقت البندقية؟

تاريخ النشر: 2016-01-14 | 05:50

سُألت ذات يوم عن "البطل" ( (heroفي حياتي، وكان الجواب: والدي ويليه بمراحل كل من نزار قباني وزعيم دمشق المرحوم فخري البارودي. القدوة البطل يمكن أن يكون صديق أو فرد من افراد الأسرة، أو شخصية تاريخية سياسية كانت ام أدبية تركت بصماتها في الوعي الجماعي للأمة السورية.

منذ عشر سنوات أجريت استبيان على عينة من الطلبة تتراوح اعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع السوري بكامل الوان الطيف السياسي والجغرافي والعرقي والمذهبي. جميعهم كانوا من مواليد حقبة الثمانينيات، جيل العولمة والإنفتاح، لديهم معرفة تتراوح بين الوسط والجيدة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. سؤلوا عن "القدوة البطل" بعد أشهر قليلة من حرب تموز وكان من المتوقع أن يكون الجواب "السيد حسن نصر الله،" الذي كانت جماهير سوريا يومها ترتقب خطاباته النارية بشغف وتتناقل كلامه بإعجاب كبير، عن ضرب "حيفا وما بعد حيفا." المفاجئة الأولى كانت ان ستون بالمئة من الطلبة السوريون أجابوا يومها ان لا قدوة تاريخية لهم في هذه الحياة. 

في القسم الثاني من الإستبيان طلبت منهم ان يختاروا شخصية عالمية مفضلة من التاريخ المعاصر، شرط أن لا تكون سورية، وجاء رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالمرتبة الأولى بنسبة 36%، يليه رئيس وزراء ماليزيا الدكتور مهاتير محمد بنسبة 24%. أقل الأصوات صبت لصالح الثوريين من القادة العرب، مثل جمال عبد الناصر وياسر عرفات ومعمر القذافي وصدام حسين. أجاب هؤلاء السوريون أنهم معجبون بصناع الإقتصاد المتين وليس بصناع الثورات الشعبية، مشيرين الى دور الشيخ زايد بجلب الإستثمارات لبلاده، وإيجاد فرص عمل للملايين، وصناعة قصة نجاح مذهلة لدولة الإمارات.

قالوا بصدق أن هذه الانجازات تعنيهم اكثر بكثير من من حارب اسرائيل على مدى اربعة عقودِ من الزمن أو من امم قناة السويس أو حرر الجنوب اللبناني.

توقفت عند الأجوبة طويلا. كان واضحاً أن شيئَ جوهرياً قد تغير عند شريحة لا يُستهان بها من المجتمع السوري، بالرغم من محبتي الشديدة واعجابي البالغ بحكيم العرب الشيخ زايد رحمه الله وبمهاتير محمد. يجب أن ندرك هذا الأمر وان نسأل انفسنا عن سبب هذا التغيير الملفت عند هؤلاء الشباب؟ الجواب الأول طبعاً يكون في الانظمة العربية نفسها التي خزلت الشعوب منذ عام 1948 وتركت فلسطين في مهب الريح، لا تتذكرها الا في الخطب الحماسية أو في التعبئة الطلابية، وتحكم بالحديد والنار بإسم القضية الفلسطينية. مع مرور الوقت فقد هذا الكلام المؤدلج الرنان بريقه وكشفت الحقائق أمام الناس وتبين أن لا احد ينوي تحرير ولا شبراً واحداً من فلسطين او تقديم أكثر من دعم شفهي لأهلها. بل على العكس كانت فلسطين "قميص عثمان" للحكام العرب، يتاجرون به ويعطون لأنفسهم شرعية عن طريقه. السبب الأخر هو سجل الدول العربية الحافل بالهزائم المتتالية منذ قيام الدولة العبرية وحتى الأن،  فلا انتصار يذكر لهم الا معركة الكرامة عام 1968، ومعركة سلطان يعقوب عام 1982، واخيراً تحرير الجنوب اللبناني عام 2000. عدا عن تلك المعارك فان العرب هزموا في كل حروبهم العسكرية والسياسية والاقتصادية والاعلامية ضد اسرائيل، فظهر جيل جديد يفضل الإبتعاد عن "القضية" من الإستمرار في هذه المعركة "الخاسرة" والمخجلة.

السبب الثالث هو احتلال العراق وما يسمى بالربيع العربي، وكل الخراب والمصائب التي حلت على سكان الشرق منذ عام 2003. فمن الغير المعقول أن يطالب المواطن السوري مثلا أو العراقي ان ينصر أو يتابع مجريات القضية الفلسطينية أو ان يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيون انفسهم، في الوقت الذي يحترق بيته الداخلي في كل من دمشق وبغداد.

كيف للسوريين والعراقيين ان يطالبوا بحق العودة للفلسطينيبن وقد صار عندهم ملاين من اللاجئين السوريين والعراقيين؟ الحرب الطاحنة في بلادهم انزلت هذا الشعب العزيز والنبيل الى أسفل درك العوز والجوع والعطش، فلم يبقى متسعاً لفلسطين لا في قلبوهم ولا في عقولهم.

كل هذه الأسباب مُقنعة وحقيقة، وانا اتفق الى حد بعيد من كتب "زايد بن سلطان،" ولكن الإبتعاد عن البندقية الفلسطينية شيئ والتنكر لها ومهاجمتها شيئ أخر، مؤلم وخطير جداً وهو ما يحدث في عالمنا اليوم.    

عند انتشار خبر استشهاد "عميد الأسرى العرب في سجون الاحتلال" سمير القنطار بغارة اسرائيلية على حي جرمانا القريب من دمشق نهاية العام الماضي، تجلت هذه الانقسامات الحادة وتبين كم أن السوريون منقسمون اليوم حول موضوع المقاومة وفلسطين ورموزها. طبعاً الموضوع تجاوز بكثير حالة "الإبتعاد" عن القضية ووصل الى حد تخوين الرجل، مذكرين بقول غسان كنفاني الشهير: "اخشى ما اخشاه أن تصبح الخيانة يوماً مجرد وجهة نظر." مؤيدوا الحكومة السورية بكوا سمير القنطار شهيداً لمحور المقاومة وصديقاً لسوريا وفلسطين، أما معارضوا النظام فقد نعتوه بالمجرم الخارج عن القانون "والمشارك بسفك دماء الشعب السوري." البعض هلل لسماع خبر إستشهاده وذهب للقول انه قتل على يد الحكومة السورية، دون الدخول في اسباب مقنعة وراء اتهام من هذا النوع. نسف كثيرون تاريخ اسرائيل الطويل والحافل بالإجرام، متجاهلين أن الصهاينة لا يغفرون لأي شخص حاربهم بالسلاح وقتل ولو يهودياً واحداً، كان من كان، فيلاحقونه ويقتلونه ولو بعد سنوات طويلة.

سمير القنطار لم يكن الا استمرار لتلك القائمة الطويلة من الشهداء، نذكر منها مثلاً غسان كنفاني الذي قتلته اسرائيل في بيروت عام 1972، وفي نفس العام اغتال جهاز الموساد القيادي وائل زعيتر في روما، وبعدها بعام جاء ايهود باراك بنفسه على متن زورق مطاطي الى شواطء بيروت لتصفية حساب دولته مع كل من كمال عدوان (احد قادة فتح) وكمال ناصر (عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير) ومحمد يوسف النجار (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح). الدكتور وديع حداد مات مسموماً على يد الموساد في ألمانيا عام 1978 بجرعة شوكولا بلجيكية، وأبو حسن سلامة قائد القوة 17 قتل بسيارة مفخخة في بيروت عام 1979. في نفس العام إغتالت اسرائيل قائد منطمة الصاعقة زهير محسن في مدينة كان الفرنسية، أما رسام الكاريكاتير ناجي العلي فقد قتل على يد شاب فلسطيني إعترف لاحقاً  أنه يعمل لصالح الموساد، وكان ذلك في لندن عام 1987. بعدها بعام قتلت اسرائيل القائد الفلسطيني الكبير أبو جهاد في تونس وبعادها بثلاث سنوات اغتالت صديقه أبو اياد في تونس أيضاً. لم تفرق اسرائيلي بين خصومها العلمانيين والإسلاميين، ففي عام 1995 اغتالت فتحي الشقاقي الأمين العام للجهاد الاسلامي في مالطا، وفي سنة 1992 انتقمت من قائد المخابرات الفلسطينية عاطف بسيسو في باريس.

في عام 2004 وحده صفت اسرائيل أربعة رموز من للثورة الفلطسينية، الأول كان الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإساتمية "حماس" في اذار، تبعه امين عام جبهة تحرير فلسطين محمد العباس (أبو العباس) الأب الروحي والمعلم الأول لسمير القنطار الذي مات في السجون الأميركية في العراق (وأغلب الظن انه قتل بأمر من أريل شارون نفسه). لحقهما الدكتور عبد العزيز الرنتيسيي من حماس الذي قتل بصاروخ اسارائيلي في قطاع عزة في نيسان 2004، قبل وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مسموماً في احدى المشافي الفرنسية في تشرين الثاني من نفس العام. أخر القتلى الكبار قبل القنطار كان محمد المبحوح احد مؤسس كتائب عز الدين القسام والذي قتل في دبي عام 2010.

الجماهير العربية بكت ابا جهاد وابا اياد وابا عمار طويلاً، قبل ان يتغير مفهوم النضال لديهم منذ عام 2011. سقط مصطلح "الفدائي" واستُبدل "بالجهادي" وتحول الهجوم من "عملية فدائية" الى "عملية إستشهادية،" وتغير العدو طبعاً من تل أبيب الى دمشق وبغداد وصحراء سينا وضاحية بيروت الجنوبية. خبر رفع العلم الفلسطيني في الأمم المتحدة في أيلول الماضي مر مرور الكرام، وبعض وسائل الاعلام العربية لم تعطيه أي اهمية، وشعر المقاومة لمحمود درويش ونزار قباني سقط من على شفاه جيل كامل من العرب، لدرجة أن البعض صار يضحك عند سماع "منشورات فدائية على جدار اسرائيل" ويعتبرها ضرباً من السخافة والكذب.

أنا ابن القضية الفلسطينية ولعلي انتمي وبكل فخر الى اخر جيل عربي كان مؤمناً بعدالتها وقداستها، ردد لسنوات طويلة كلام الرئيس عرفات في الأمم المتحدة: "اتيت حاملاُ بيدي عصن زيتون وبندقية ثائر...لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي...لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي." اليوم سقط الغصن الأخضر كلياُ واصبحت تلك البندقية تهمة، حاملها خارج عن القانون، قضيته متروكة لكتب التاريخ والأعمال التلفزيونية.

حزينة شعوبنا في مصابها وحزينة فلسطين في جوارها. ختاماً نذكر بعالم الفلك الشهير غاليليو والذي جائه أحد الطلاب قائلاً: "حزينة هي الشعوب التي لا تملك ابطال" فأجابه العالم الإيطالي يالقول: "كلا، حزينة هي الشعوب التي ما زالت بحاجة لأبطال."

د.سامي مبيض هو كاتب ومؤرخ سوري، صاحب "مؤسسة تاريخ دمشق"

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط