كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل هذه انتفاضة أبو مازن؟

بينما كان العالم بانتظار اتفاق إطار يمهّد لتسوية فلسطينية - إسرائيلية، إذا به يحصل على اتفاق إطار بين الحركتين الفلسطينيتين الرئيستين، «فتح» و «حماس»، توخّتا فيه إنهاء انقسام الكيان الفلسطيني بين الضفة وغزة، وإنجاز مصالحة وطنية كاد الفلسطينيون ييأسون من انتظارها.

لا شكّ في أنه يمكن قول أشياء كثيرة عن هذا الاتفاق - المفاجأة، أهمها أنه جاء في ذروة أزمة سياسية ووجودية للحركتين المذكورتين، إضافة إلى أزمة الشرعية. القصد أن اتفاق الضرورة والمصلحة هذا، وبغضّ النظر عن الأمنيات أو الرغبات، لا يشجّع على التفاؤل، بالنظر إلى تجربة الانقسام المريرة، وبالقياس الى التنصّل من الاتفاقات المعقودة سابقاً في مكة وصنعاء والقاهرة والدوحة، لا سيما أن نصّ الاتفاق الجديد لم يتطرّق إلى نقاط الخلاف الأساسية، بشأن المكانة السلطوية لكل من «فتح» في الضفة و «حماس» في غزة. ومعلوم أن التوافق الحاصل اقتصر على تأليف حكومة «تكنوقراط»، وتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية (في غضون ستة أشهر)، وتفعيل الإطار القيادي الموقّت.

أيضاً، ثمة ما لا يشجّع على التفاؤل بشأن الاتفاق الحاصل بالنظر إلى أن الأزمة الفلسطينية هي في الحقيقة، أزمة مشروع تحرر وطني، وأزمة خيارات وبني وعلاقات وأشكال عمل، أي أنها أكبر وأعمق وأعقد وأسبق من انقسام السلطة، ومن الخلاف بين «فتح» و «حماس»، بخاصة أن هذه الأزمة تشمل هاتين الحركتين، في بنيتهما وفي خياراتهما السياسية وتحولهما من حركة تحرر إلى سلطة. والمعنى أن إنكار هذه الحقيقة لن يغيّر من الواقع الفلسطيني كثيراً، مع مصالحة أو من دونها. لذا، فإن الاتفاق المذكور سيفضي، في أحسن الأحوال، إلى نوع من شراكة اضطرارية بين «فتح» و «حماس» في إدارة السلطة، وربما في إدارة العمل الفلسطيني عموماً، إلى هذه الدرجة أو تلك.

والحال، فإن هذا الكلام لا يقلّل من أهمية ما حصل، هذا إذا تم التمسّك به، وخصوصاً إذا تم الاشتغال عليه بتحويله إلى واقع، وبتطويره، إذ إن أي اتفاق أحسن بكثير من عدم الاتفاق، بين هذين الفصيلين، أولاً، لأن ذلك يمكن أن يساهم في إنهاء حصار قطاع غزة، والتخفيف من معاناة أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني فيه كانوا عانوا الأمرّين خلال الأعوام السبعة الماضية. وثانياً، لأن ذلك قد يوقف حال العبث والاستنزاف في الجسم الفلسطيني، والذي أدى إلى تبديد طاقة الفلسطينيين، بدل تركيزها في مواجهة إسرائيل وسياساتها. وثالثاً، لأن هذا الأمر يمكن أن يساهم في تغطية حركة «حماس»، بتكييفها في الإطار الوطني العام، بعد التحولات الحاصلة عربياً، وبعد كل هذا الشقاق بين الفلسطينيين، ما يخدم هذه الحركة بخاصّة والحركة الوطنية الفلسطينية بعامة.

أما إسرائيل فرأت في هذا الاتفاق تمرداً على سياساتها، ونوعاً من الخروج عن الصورة النمطية التي اعتادت عليها عن القيادة الفلسطينية، باعتبارها مجرّد قيادة خانعة، ولا تملك خيارات أخرى، وهي الصورة التي شجّعت إسرائيل على انتهاج اللامبالاة إزاء الفلسطينيين، والإمعان في قضم حقوقهم وامتهان كرامتهم، لا سيما مع اتفاقات التنسيق الأمني والاقتصادي، خلال عشرين عاماً.

وفي الواقع، فإن إسرائيل لم تترك منفذاً للقيادة الفلسطينية، باستهتارها بكل الاتفاقات التي وقّعتها معها منذ عقدين.

ويبدو من كل ذلك أن القيادة الفلسطينية باتت تدرك أنها وصلت إلى عتبة ما عاد يمكن معها التنازل أكثر، والأهم أنها باتت تعي أن تصوّر إسرائيل للتسوية لا يتلاقى مع الحد الأدنى المقبول عندها، ولا يتضمن دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة، وأن كل ما تسعى إليه إسرائيل في الضفة هو إيجاد نظام سياسي مختلط، ثلاثي الأبعاد، يتشكّل من نظام استعماري إزاء الأرض الفلسطينية، ونظام فصل عنصري يميّز بين المستوطنين والفلسطينيين، ونظام حكم ذاتي للفلسطينيين يغطّي على النظامين السابقين، ويجنّب إسرائيل الأعباء السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية المترتبة على كونها دولة احتلال. أي المطلوب تسهيل سعي إسرائيل إلى احتلال مريح ومربح وبرضى السكان الأصليين!

وفي وضع يسيطر فيه الرئيس على السياسة الفلسطينية، ويتحكم في خياراتها، من الصعب التكهّن بالطريقة التي ستسير فيها الأمور، نظراً إلى التجارب السابقة وطبيعة الطبقة السياسية السائدة التي تدين بمكانتها لخيار المفاوضة والتسوية. مع ذلك، ثمة ما يشي بإمكان ذهاب أبو مازن إلى خيار أبو عمار، بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000)، وإن على نحو آخر، بحكم الاختلاف في طبيعة الرجلين واختلاف تجربتهما الشخصية، إدراكاً منه لأنه وصل إلى نهاية طريقه السياسي، بعد كل هذا العمر، لا سيما أنه أفصح عن ذلك مراراً، إن في حديثه عن الاعتكاف أو في حديثه عن «حل السلطة». أيضاً يمكن اعتبار كل ما جرى، أي وقف المفاوضات والمصالحة، جزءاً من عملية الصراع التفاوضي ضد إسرائيل. علماً أن الرئيس ذاته كان أعرب عن محدودية هذه المعركة السياسية، في خطابه أمام المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله (26/4)، بتجديد تمسكه بخيار المفاوضات وبشروط «الرباعية» الدولية (الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف واحترام الاتفاقات السابقة)، ناهيك بكلامه المتكرر عن التزامه عدم نزع شرعية إسرائيل، على رغم إدراكه أن هذه تفعل عكس ذلك تماماً.

وحقاً، ثمة ما يغري في المقارنة بين تجربتي الرئيسين ابو عمار وأبو مازن، إذ إن الأول انتظر عاماً واحداً بعد انتهاء فترة الحكم الانتقالي، ليعود من مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000) ويشعل الانتفاضة الثانية. أما أبو مازن ففهم الدرس وعرف حدود القوة الفلسطينية، وأبدى انضباطاً لعملية التسوية أكثر مما يجب. وبالنتيجة فقد اضطر أبو مازن للانتظار قرابة عشرة أعوام (2005-2014) كي يذهب نحو انتفاضته الخاصة، من دون مقاومة مسلحة وحتى من دون مقاومة شعبية، وهو ما تمثّل في سعيه المتدرّج لأخذ الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة (2012)، والانضمام إلى المعاهدات الدولية، وأخيراً في محاولته استعادة وحدة الكيان والنظام الفلسطينيين، في عقده اتفاق مصالحة مع حركة \\\"حماس\\\".

وعلى أي حال، ومع كل التخوّفات، فإن إضفاء صدقية على التوجهات الفلسطينية الجديدة يتطلب ترجمتها وترسيخها في الواقع، كما يتطلب تأمين متطلباتها، علماً أن الأحوال الدولية وتبرّم الإدارة الأميركية والدول الأوروبية من إسرائيل، واتساع مسارات المقاطعة لها ونزع الشرعية عنها، تساعد على ذلك.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط