كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل يتحمّل العرب نهاية الاستبداد؟

هل يتحمّل العرب نهاية الاستبداد؟

تاريخ النشر: 2015-11-03 | 06:37

كشف «ربيع» العرب عن مشهد مجتمعي أسأنا تقييمه والتعرف إليه قبل ذلك. تولّت الايديولوجيات تفسير الظواهر الاجتماعية بأدوات تحليل مرفقة مع المنتج الايديولوجي المستورد. ساهمت التحليلات في الحديث عن طبقات وعشائر ووجهات، لكن سرعان ما اعتُبِر ذلك تفصيلاً فولكلورياً مقارنة بالهدف الأممي أو القومي أو ذلك المتعلّق بالتحرير. وفي رواج الاسلام السياسي ودينامياته عند السنّة والشيعة، تمّت تعرية تلك المجتمعات والكشف عن مكنوناتها، بحيث باتت المذهبية أصلاً من ثوابت العلاقات بين البشر تُوظّف آليات الحكم والدولة خدمة له.

ذكّر سيف الإسلام القذافي الليبيين في بداية الحراك في ليبيا أنهم قبائل ووجهات وعشائر بعدما ملأ القذافي الأب آذانهم بنفي ذلك وأحالتهم إلى هويات عابرة للحدود. فيما استعان علي عبدالله صالح بالزيدية في تحالفه مع الحوثيين الحالمين بالعودة لحكم الأئمة، بعد أن عمل خلال حكمه على نفي المذهبية والتمسك بالجمهورية وفق منطق اليمن الموحد. في سورية لم يكن الأمر يحتاج إلى استدارة كبرى. يستند الحكم، من دون خجل، على قاعدة مذهبية يريدها حامياً أصيلاً أساسياً، فيما الحاميات البعثية العروبية العلمانية الممانعة اصطناعية تسقط أوراقها بخفة. وفي كل الأمثلة التي أسقط حراك الشارع قناعها كان الاستبداد يغري الخائفين بالبديل الناجع الوحيد على مدى عقود: الاستبداد.

يتواكبُ تمسك الأقليات باستبداد يقيهم من شطط الأغلبيات، مع جهد يصدر من داخل الأغلبيات دفاعاً عن الطغاة وطقوسهم. ففي تمرين الدفاع عن نظام الأسد مثلاً توق ساذج مفرط في توهُّم علمانية متوخاة، يختلط مع استماتة في صيانة شعارات لطالما أغرقت كتب التربية والتعليم، كما شغلت سجالات المنظّرين منذ الاستقلالات. ثم إن المدافعين عن الاستبداد لم يعرفوا غيره في النصوص كما في آليات مقارعة الآخر. فالماركسيون يروّجون لنموذج توتاليتاري، فيما القوميون يتوسّلون الهيمنة العروبية من خلال آليات القهر التي يسوّقها الحزب القائد والقائد الخالد.

تربى في الذاكرة الجمعية مقتٌ للغرب وبضاعته. قامت الحركات الاستقلالية في المشرق والمغرب ضد هذا الغرب وممارساته. ثم إن هذا الغرب لطالما استخدم خطاب حقوق الإنسان إبان الحرب الباردة، فحوّله إلى بروباغندا ضد خصومه في العالم لتقويض أنظمتهم وتصديع لحمتها. على هذا يقوم الاشتباه بالدعوات الخارجية لإرساء الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. ألم يُزِل ربيع اوروبا الشرقية إمبراطورية الاتحاد السوفياتي العزيزة على قلب اليساريين والممانعين والنوستالجيين؟ انهارت منظومة استبداد كاملة في تلك المنطقة وأقيمت على انقاضها ديموقراطيات تنتعشُ وتعيشُ تجربتها بحلّوها ومرهّا، فيما لم يجد خشبيو المنطقة في ذلك إلا كونه مؤامرة امبريالية يعود سيّد الكرملين هذه الايام لردّها وكنسها واستعادة عبق الأمجاد الخوالي.

برع عبدالرحمن الكواكبي أوائل القرن الماضي في تشخيص الاستبداد في كتاب «الطبائع» الشهير، معتبراً أن الاستبداد أصل لكل فساد، وأنه يبدأ من سلطة الأب وينتهي بسلطة الحاكم. والواضح في وقتنا الراهن، كما في غابر الزمان، أن تفكيك الاستبداد لا يتم بزوال المستبد بل بتفكيك البيئة التي تنتجُ استبداداً. في ذلك تمرين لدفع الأسئلة إلى مدياتها القصوى. وفي الأسئلة تحرّش بالمقدس والثابت والعرف والتقليد. وفي الأسئلة أيضاً إعادة قراءة لعلاقة المجتمعات ببعضها، كما علاقة البشر بعادات ومعتقدات تطاول شؤون التعايش بين الذكر والأنثى (وهو أمر يأخذ الحيّز الأبرز في تخلفنا)، كما علاقة المذاهب بالمذاهب، كما بدور الدين في تسيير أمور البشر. وفي ورشة التفكيك اجتهاد لتجاوز ما هو نمطي، والمغامرة بخوض ما يقود إلى تنوير وتسامح وانفتاح وتغيير.

من يتفقد مزاج الناس في العالم العربي من خلال وسائط الاعلام الاجتماعي سيستنتجُ ببساطة متانة بيئة الاستبداد في منطقتنا. ففي ملاحظة انكباب الناس على الدفاع عن التشدد، وفي تعظيم خطاب العيب، وفي تمجيد الماضوية وتحقير الراهن، وفي ترويج مزاج التخوين والطعن في الواقعية، وفي الزعم بالفضيلة وإدعاء الامساك بمعايير المحاسبة، وفي الدعوة لمنظومة أخلاق شخصانية تستندُ على سلف ولا تعترف بخلف، ما يوطّد الخشبية والجماد في التفكير الجمعي لمنطقة عاجزة منذ عقود، إذا ما قلنا منذ قرون، عن تحقيق تقدم أو ارتقاء في السلم المعاصر لمجتمعات اليوم.

في الفكر الغربي من دافع عن الاستبداد واعتبره ضرورة. هكذا رأى هوبز لردع الإنسان بخصائصه الذئبية، وهكذا رسم ماكيافيلي حين نزع الاخلاق عن اي ممارسة للحكم، وهكذا دافع بودان عن الملكية المطلقة بصفتها أمراً طبيعياً. وفي الفكر الغربي من قوّض فلسفة الاستبداد ولزوميتها كما رأى سبينوزا ولوك ومونتيسكيو وروسو. وفي تطاحن الفكرين نزفت مجتمعات حتى استقرت حديثاً على حاضر يخلو من الاستبداد.

في معاداة الاستبداد في منطقتنا انماط. نمطٌ ينطلق من استبداد عقلاني للاطاحة بالاستبداد المطلق. نمطٌ يروم اقتلاع الاستبداد العلماني نصرة لاستبداد ديني. نمطٌ يسعى الى اقتلاع وجوه الاستبداد لإحلال وجوه استبداد أخرى. نمطٌ حالم يجهد لاقتلاع الاستبداد منطقاً وسلوكاً وثقافة وشخوصاً. في ذلك يبدو العرب مهجوسين بفكرة مغادرة الاستبداد والانتقال إلى طور آخر لا يشبههم، ذلك أن مقاومة الماضي تبدو عسيرة، على رغم أن مقاومة التاريخ تبدو مستحيلة. فالاستبداد إلى زوال مهما تلطّى وراء غبار زائل.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط