كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل يمكن أن يمسي الإنسان جداراً!

هل يمكن أن يمسي الإنسان جداراً!

تاريخ النشر: 2024-11-01 | 14:12

عن "حكاية جدار" للأسير ناصر أَبو سرور

مقدِّمة: في الرسم الهندسيِّ، حين تتعقَّد التَّفاصيل داخل جسم ما، علينا أن نجري ذلك القطع الَّذي يؤمِّن لنا القدرة على إبصار الأَحشاء، تفاصيل الأَحشاء، بدقَّة، كي يصبح بوسعنا الاطِّلاع على ما تحوي داخلها....بالتَّفصيل، ما يعطينا القدرة على رسمها، ثمَّ أَحياناً، حين تكون الأُمور أَكثر تعقيداً، يصبح لزاماً علينا أَن نجري قطعاً في القطع، وهكذا دواليك، حتَّى يصبح بوسعنا إظهار التَفاصيل المدروسة كافَّة، وقد يصبح هذا الأَمر أَكثر تعقيداً بكثير حين نجري هذه القطوع على الفكرة، أو على تلك الأَفكار الكامنة وراء أَحداث قد تبدو في الظَّاهر طبيعية لكنها ليست كذلك.

قطع 1: قطع في الزَّمن: لم يكن الزَّمن يوماً كليَّاً، لكنَّنا نحن من اعتقدنا ذلك لزمن طويل، ثمَّ اكتشفنا أَنَّ لكلِّ مكان زمنه الخاص، ثمَّ حين دققنا النَّظر جيِّداً في تفاصيل الواقع وجدنا أَنَّ لكلِّ مجموعة منَّا زمنها الخاص، ولكلِّ شخص داخل المجموعة زمنه الخاص، فالزَّمن هو إحساسنا بالزَّمن، من هنا، لا يمكن أَن نقارن الزَّمن خارج السِّجن، بالزَّمن داخله، فالزَّمن خارج السِّجن هو زمن المكان كلِّه، بكلِّ امتداداته اللامتناهية، يحتوي المكان، ومن يدبُّ في المكان، وبما أَنَّ المكان رحب فالزَّمن رحب أَيضاً، أَما الزَّمن داخل المعتقل فهو أَسير أَيضاً، داخل الجدران، يمتدَّ حسب واقع المكان في الامتداد، ولأَنَّ الزَّمن يفرض شروطه اللامتناهية على الواقع، وعلى المكان، يتمدَّد بقدر وسع المكان، ستجده داخل المعتقل، أكثر تعقيداً، مكثَّفاً، وأَكثر بطئاً، بل إنَّه يذهب إلى أَبعد من ذلك، إنَّه يتمدَّد داخل البشر لضيق المكان، ما يعني أَنَّ الإحساس بالزَّمن قد يصبح معكوساً، حيث يصبح الزَّمن قنبلة موقوتة تهدِّد كلَّ من يعيش هذا الواقع.

هل يمكن عودة الزَّمن إلى الصِّفر، إلى البداية؟ منطقيَّاً، نعم، حين يبدأُ زمن الاعتقال يكون الزَّمن صفراً، فينا، داخلنا، لأَنَّ علاقتنا بالزَّمن تصبح عكسيَّة تماماً.

إنَّنا هنا نخرج من زمن إلى زمن، نتيجة لخروجنا من مكان إلى مكان آخر.

قطع 2: المكان هو فكرة عن المكان لا أَكثر، يتصاغر المكان، يضيق، العالم سيغدو أَربعة جدران هي أَبعاد المعتقل، وأَحياناً الزِّنزانة، والعالم كلُّه يغدو فكرة فقط، أَيضاً، داخل الرَّأس، ويتحوَّل إلى ذكريات، سيختفي من الحضور، من الزَّمن الذَّاتي، ويصبح منتمياً إلى الذَّاكرة.

سنعيش ذلك التَّناقض القاسي بين المكان الحقيقيِّ، وفكرتنا عن المكان، تلك الفكرة الَّتي تبقى عالقة في الوعي، في الذَّاكرة، وتبدأُ تفاصيلها بالتشوُّه رويداً رويداً، وصولاً إلى إعادة تشكيل المكان كليَّاً، بعد الحذف، والإضافات، ببطء، وهدوء، وصولاً إلى خلق صورة للمكان لا تمتُ للواقع بصلة كبيرة.

قطع 3: المسمَّيات...ومن ذلك قوله تعالى في الكتاب الحكيم" وعلّم آدم الأَسماء كلَّها" سيخرج آدم إذن من وعي إلى وعي، ومن دلالة إلى دلالة، ستتضخَّم مفاهيم كثيرة، وتتضاءل مفاهيم أُخرى حتَّى تنتهي، وتذوب، وتتلاشى، سيكبر مفهوم الحريَّة، والانتظار، والأَمل، والصَّبر، والحبِّ، والتَّضحية، والعمر، والضَّوء، والشَّمس، والقمر، واللَّيل، والنَّهار، وتتلاشى أَو تضعف مفاهيم الاقتران، الجنس، الزواج، اللَّمس، الذَّوق، الأَلوان، الغيرة، السَّفر، الجسد، وغيرها الكثير.

سيعيد الوعي ترتيب علاقته بالمفاهيم وإسقاطاتها، بالمادَّة ومسمَّياتها، فباب الزنزانة لا يشبه باب البيت بشيء وإن حمل كلاهما المسمَّى ذاته، والشمس التي كنا نمر عليها مرور الكرام دون أن تلفت انتباهنا ستصبح عزيزة وجميلة وغالية، والجدار ما عاد يحمل مفهوم الجدار في الخارج، سيواظب المقهور على الوقوف أمام النافذة التي تطل على حي رفيديا في نابلس طوال إقامته في معتقل جنيد، سيراقب عائلة بعينها من النَّافذة، من بعيد بعيد، سيعيش معها في وجدانه، في خياله، وسيشعر بالألفة وكأنه فرد منها، لكنَّه، مع ذلك، سيعيد تفسير كلِّ الوقائع والأَحداث والبيانات وفقاً للوعي المُكتسب.

قطع 4: الشُّعور...كل ذلك بالضَّرورة سيقودنا إلى وعي مختلف لا محالة، من هنا، يصطدم في العادة أُولئك الَّذين يغادرون المعتقلات بالواقع في الخارج، خصوصاً حين يقضون فترات طويلة داخل هذه المعتقلات.

مع انحراف دلالات الأَشياء الماديَّة، والأَحداث، ستختلف لغة الاستقبال في الوعي، والانطباعات، فثمَّة ما سيصبح أَكبر بكثير من معاييره المألوفة في الخارج، وثمَّة ما سيحدث له العكس، سيصغر، أَو يتلاشى، وينتهي.

إنَّه شرط الدَّاخل، أَو شروط الدَّاخل إن شئنا، ومعطياته، وأَدواته، سيصبح للجدار دلالات لا يمكن أن يحملها أي جدار في الخارج حتى جدار برلين ذاته، أو جدار الصين على عظمته، إنَّه جدار لا يعني أَحدا، ولا يشير إلا إلى تلك الأشياء الجوانيَّة لشخص بعينه.

وحين تظهر ننَّا من زيتا، حين تحاول أن تكسر ذلك المنطق الذي لا يمكن في الحقيقة كسره نتيجة للشُّروط المذكورة أعلاه، ستفشل في نهاية المطاف.

ستحاول، وتناضل، وتجادل، وتتعذَّب، وتعذِّب، وتتسامى، وتتبخَّر، وتتأمَّل، وتأمل، وستسلِّم مفاتيح حبِّها لسجين خلف القضبان للقدر، وتنسحب من المشهد، في نهاية المطاف، بصورة دراماتيكيَّة، إنَّه الأَمل، لكنَّه أمل محكوم بالشُّروط الَّتي لا نحاول تجاوزها فحسب، إنَّما اجتيازها بالقفز عنها، ستصبح في لحظة ما، بعد انسحابها من المشهد كلِّه، هي الجدار، والملاذ، لكن ضمن شرط التمثُّل عبر مفاهيم الدَّاخل لا الخارج، فالمسألة لا تحتمل التَّواصل الماديَّ الَّذي يشبه إلى حدٍّ بعيد تواصل ما قبل الموت بما بعده، أو الماديِّ بالميتافيزيقي، ستتحوَّل إلى حالة، فكرة، وآنذاك فقط يمكن للأسير أن يتعايش معها.

قطع 5: ذات يوم، غودو سيعود لا محالة...هكذا قال الأَسير.

[*] مداخلة في ندوة "أسرى يكتبون" في رابطة الكتاب الأردنيين (الخميس 17.10.2024)

 

 

 

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط