كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هل يُمكن قياس درجة استقرار النظام السياسى؟

هل يُمكن قياس درجة استقرار النظام السياسى؟

تاريخ النشر: 2016-11-28 | 09:46

استقرار النظم هو «سؤال المليون دولار» فى منطقتنا.

هل يمكن التنبؤ بثورة؟ قليلون للغاية هم من نجحوا فى ذلك. أغلب الثورات جاء اندلاعها مفاجئاً. الانفجار المفاجئ يُعد لصيقاً بفكرة الثورة ذاتها. فقط عند قراءة الأحداث بأثر رجعى يبدو اندلاع الثورة منطقياً. شىء من هذا حدث فى مصر فى يناير 2011. نتذكر كيف شرح محللون ذوو ثقل استحالة اندلاع الثورة فى مصر على غرار تونس، وساقوا البراهين على ذلك. نفس هؤلاء عادوا بعدها وعددوا عشرات الأسباب لانفجار يناير، بصورة تجعلنا نشعر بأن الثورة كانت حدثاً منطقياً تماماً، وأن غير المنطقى هو عدم حدوثها!

هذا الفشل فى التنبؤ أرّقَّ العاملين فى مجالات التقدير الاستراتيجى والاستخبارات. إذا لم يستطع هؤلاء التنبؤ بحدث بهذا الحجم، وكانوا قادرين فقط على شرحه بعد حدوثه، فما هى فائدتهم؟ من بين هؤلاء الذين أرَّقهم العجز عن التنبؤ الجنرال الإسرائيلى «عاموس يادلين».

«يادلين» هو رئيس سابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية. هو يعمل حالياً رئيساً لمركز دراسات الأمن القومى التابع لجامعة تل أبيب. يُعَد هذا من أهم مراكز البحث الاستراتيجى المتخصصة فى شؤون الشرق الأوسط. «يادلين» وضع كُتيباً فى 2013 تحت عنوان: «استقرار النظم فى الشرق الأوسط: نموذج تحليلى لتقييم احتمالات سقوط الأنظمة السياسية». الكُتيب اقترح نموذجاً كمياً لتقييم مدى استقرار النظم، واحتمالية اندلاع الانتفاضات والثورات. النموذج يشبه الترمومتر الذى يقيس «الحرارة الثورية» فى المجتمعات. هو يقوم على فكرة بسيطة: إعطاء درجات (بمقياس كمى) للعوامل المختلفة التى تسهم فى استقرار النظم أو سقوطها. هذه العوامل جرى تقسيمها إلى أربع فئات رئيسية: الوضع الداخلى/ تأييد أو عداء المجتمع الدولى/ الوضع الاقتصادى/ العوامل المانعة للثورة. مجموع هذه العوامل جميعاً يتم تمثيله كمياً بمائة درجة. حصول نظام الحكم على أربعين درجة فأقل يعنى أنه غير مستقر وأن احتمال اندلاع الثورة كبير. من 40 إلى 80 درجة تشير إلى تقدير معقول لاستقرار النظام. ثمانون فما فوق تعنى أن النظام يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار.

الوضع الداخلى هو المفتاح، لذلك جرى تمثيله بثلاثين درجة على المقياس. هناك معايير مختلفة لقياس استقراره. المعيار الأهم داخلياً هو مدى ولاء النخبة العسكرية وفاعليتها، ويرتبط بذلك درجة خوف الشعب من المؤسسة الأمنية (18 درجة). السبب فى أهمية هذا المعيار هو الدور المركزى التى تلعبه الجيوش فى حفظ النظام الداخلى فى دول المنطقة. ولاء الجيش للنظام والقائد، بما فى ذلك الاستعداد لاستخدام العنف وإطلاق النار على المدنيين دفاعاً عنه، يُعد عاملاً حاسماً فى بقاء النظام من عدمه. فقدان المؤسسة الأمنية لصورتها الرادعة يصبح نذيراً بتداعى النظام كله.

على المنوال السابق، يُعطى المقياس 20 درجة لتأثير الساحة الدولية والإقليمية، ويعطى 20 درجة لتأثير الوضع الاقتصادى، كما يضع 20 درجة لتأثير العوامل المانعة لاندلاع الثورات. من هذه العوامل المانعة- مثلاً- ضعف تماسك المعارضة، واحتفاظ الذاكرة الوطنية بأحداث مأساوية، كحرب أهلية، تدفع الناس للخوف من فكرة الثورة.

المؤلف يطبق النموذج على مصر عشية انتفاضة 2011. فى البداية لا يطبق النموذج بأثر رجعى (أى بما نعرفه الآن عما حدث)، وإنما بواقع التقديرات والتحليلات التى كانت سائدة بالفعل فى وقت اندلاع الانتفاضة فى المجتمع الأكاديمى والاستخباراتى. حصل النظام المصرى على 58 درجة من 100. يعكس هذا استقراراً، وإن كان هشاً نوعاً ما. المعنى: أن النظام المصرى، فى عيون المحللين وقتها، كان يبدو راسخاً.

كيف حصلت مصر على هذه الدرجة؟ النموذج أعطى النظام المصرى 17 من 18 درجة بخصوص العامل الأول الخاص بمدى ولاء الجيش للنظام وفاعليته واستعداده للدفاع عنه. الدرجة تعكس الرأى الذى كان سائداً وقتها. كان الرأى مبنياً فى الأساس على السوابق التاريخية. النظام المصرى يتمحور حول الجيش، والرئيس هو- دائماً- ابن للمؤسسة العسكرية يعمل كممثل لها فى الرئاسة. دفاع الجيش عن الرئيس هو، بمعنى ما، دفاع عن المنظومة ذاتها.

ولكن ما حدث فى الواقع هو أن الجيش، لأسباب كثيرة، أحجم عن استخدام العنف ضد المتظاهرين. هذا قلب الموازين. الدرجة الإجمالية لاستقرار النظام تراجعت من 58 إلى 46، أى أن الاحتمالية الأكبر (من واقع قراءتنا الآن لما حدث) تصير لتغيير النظام وليس لاستقراره. عامل آخر قاد إلى الفشل فى التنبؤ: الوضع الدولى. وقتها، ساد الاعتقاد بأن مصر تُعد حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة. لم يتوقع أحد أن تتدخل أمريكا لترجيح كفة تغيير النظام. أوباما فاجأ الكثيرين بدعوته مبارك للتنحى عن السلطة. أدى ذلك إلى انخفاض النتيجة الكلية (المُعدَلة بواقع معرفتنا بما جرى) إلى 42 درجة.

عندما ننظر من موقعنا الآن، وباستخدام هذا النموذج، يبدو أن النظام المصرى عشية 2011 كان بالفعل عرضةً للانهيار. المشكلة أن التوقعات بشأن مواقف الأطراف، وعلى رأسها الجيش والعالم الخارجى، بُنيت على أساس السوابق التاريخية. عندما جاء سلوك الأطراف بصورة تُغاير المتوقع تغيرت النتائج.

الكتيب أعطى السعودية وإيران درجات مُستقرة (80 و77 من مائة على التوالى)، وطرح أسباباً مختلفة لهذا التقدير. لا أعرف إن كان النموذج دقيقاً، ولكنى رأيتُ أن أضعه أمام القراء. يقينى أن التنبؤ بالثورات يظل عملاً شبه مستحيل. الأرقام التى يستخدمها النموذج تُعطى مؤشرات هنا وهناك. هو يصلح للتنبيه لخطورة وضع أو قياس قابليته للانفجار. على أن حدوث الانفجار ذاته يظل رهناً بعوامل لا يمكن قياسها. الانتفاضات والثورات شعور جمعى قبل أى شىء. هى روح عامة تتسرب لنفسية الجمهور بالتزامن. شرارة بسيطة قد تشعل ناراً خمدت تحت الرماد. حدث عابر قد يوقظ غضباً متراكماً لسنوات. لحظة واحدة قد يفقد فيها الجهاز الأمنى- مهما بلغت قوته- هيبته وصورته الرادعة. إن أمزجة الشعوب، كنفسية البشر، تبقى لغزاً عصياً على الفهم، وشفرة يصعب كسرها وفك رموزها!

عن المصري اليوم

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط