تاريخ النشر: 2026-10-04 | 12:58
تاريخ النشر: 2026-10-04 | 12:58
في الوقت الذي تنفذ فيه طائرات ومدافع ودبابات جيش الاحتلال ومسيّراته حرب إبادة جماعية على أرض قطاع غزة. هناك حرب إبادة لا تقل خطورة إن لم تكن أكبر وأفدح، يجري التخطيط والإعداد لها في غرف مظلمة لممولين دوليين وصهاينة، ولربما من أبناء جلدتنا كفلسطينيين وإن كانوا قلة. حرب تستهدف السيطرة على جغرافية الوعي والذاكرة للجيل الفلسطيني الناشئ من أجل إعادة تدويرها وهندستها عبر مفاهيم تستند إلى تغيير المناهج التعليمية، بما يتوافق ونقض السردية والحكاية الفلسطينية، لتلائم الاحتلال ويبرئ الصهاينة من كل ما ارتكبوه من جرائم ومحارق ومجازر بحق شعبنا منذ ما قبل النكبة إلى يومنا هذا.
لم تعد محاولات التدخل في التعليم مجرد تقارير مُسرّبة أو ضغوط سياسية، بل تحولت إلى مشاريع على الأرض ومقايضات علنية برعاية دولية، حيث تتقاطع الأجندات الأوروبية مع كيان الإبادة في نقطة خطيرة الدلالات، في اتهام المنهاج الفلسطيني الحالي محرضاً على "التطرف".
ويربط الاتحاد الأوروبي ومانحون غربيون بانتظام مساعداتهم المالية المخصصة لقطاع التعليم، سواء للسلطة الفلسطينية أو لوكالة "الأونروا"، بإجراء تعديلات جذرية على الكتب المدرسية، وهو ما يُعرف أوروبياً بـ "معايير السلام وعدم التحريض". ومع تدمير البنية التحتية التعليمية في قطاع غزة، فُتح الباب لشركاء ومبادرات مدعومة دولياً لملء الفراغ، ولعلّ أبرز ما كشفته صحيفة "ذا جويش كرونيكل" البريطانية مؤخراً يوضح هذا الأمر، إذ يدير طبيب الأعصاب الفلسطيني-الأمريكي "ديفيد حسن" مشروع "قرية أطفال غزة" (GCV)، الذي توسّع ليضم (30) أكاديمية تعليمية تخدم حوالي (25) ألف طالب في غزة، بتمويل ودعم مباشر من مانحين ومتمولين صهاينة.
وتقوم هذه المشاريع بتعديل المناهج المعتمدة دون موافقة وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وحذف أي إشارة للرموز الوطنية، أو (الأسرى الشهداء). وتُستبدل المسائل الرياضية والأمثلة التاريخية بأخرى عامة، مع إدخال دروس حول "الرواية البديلة" ل "لتاريخ اليهودي" في الشرق الأوسط، بل واستخدام مصطلحات محايدة كـ "الجار" لوصف الكيان الصهيوني.
وتحت لافتة "الدعم النفسي والاجتماعي" وتخفيف النزوع نحو العنف، تُمرر هذه المناهج المعدّلة، لكنها في الواقع تُحدث تدميراً صامتاً في البنية النفسية للطفل الفلسطيني في غزة، الذي يعيش صدمة مزدوجة، فبينما يرى بأم عينيه الطائرات تقصف منزله والاحتلال يشرّد عائلته، يُطلب منه قراءة نصوص تصف هذا الاحتلال بـ"الجار". هذا التناقض الحاد يحرم الطفل من المرجعية المعرفية، ويخلق حالة اغتراب نفسي تجعله يفقد الثقة في المعلم وفي المنظومة التعليمية ككل.
وهذا يمثل تناقضاً حاداً مع النظريات التربوية الحديثة التي تؤكد، على أنّ الانتماء لهوية وطنية وقصة جماعية مُشرِّفة يمثل حائط صد نفسي يحمي الأطفال في مناطق الصراع من مشاعر الضياع. وإنّ تجريد المنهاج من الرموز والالتزامات الأخلاقية تجاه قضيته يسلب الطفل أدوات صموده. كما أن حذف مصطلح "الشهيد" يمنع الطفل من معالجة حزنه الشخصي على فَقْد والديه أو أشقائه، حيث يُحرم من إطار قيمي يمنح هذا الفقد المأساوي معنى يعينه على البقاء والتجاوز.
وتهدف الشروط الأوروبية ومبادرات كيان العدو المشتركة إلى خلق قطيعة معرفية بين جيل الأطفال الحالي والأجيال السابقة. ففي الوقت الذي يتلقى الطفل في المنزل من عائلته تاريخاً حياً وشفوياً عن النكبة والتهجير والمقاومة، بينما يتلقى في "الأكاديميات" المحدثة رواية منقحة ومفرغة، هذا التباين يمزق ولاءات الطفل الذهنية والنفسية بين محيطه الأسري ومحيطه التعليمي.
على الرغم من الشلل التربوي الذي أصاب المدارس التقليدية والضغوط المالية والسياسية الهائلة التي يمارسها التحالف الغربي- الصهيوني، إلا أن هذه المحاولات تصطدم بوعي مجتمعي صلب. حيث تنشط في مخيمات النزوح مبادرات "التربية الشعبية" التطوعية، فيعمد معلمون ومثقفون فلسطينيون مستقلون إلى تدريس التاريخ الوطني، وسرد حكايا اللجوء، وتفعيل الفنون الملتزمة. كما تظل الأسرة الفلسطينية، وتحديداً الأمهات داخل الخيام، خط الدفاع الأول والحصن التربوي الأكثر مرونة، إذ يقمن بتفكيك المناهج الدخيلة وتلقين الأبناء ثوابتهم الأصيلة، مما يضمن فشل مساعي "كي الوعي" وإعادة تدوير الذاكرة الجيلية مهما بلغت درجة التمويل والضغط الدولي.
على ما تقدم يكفي أن ندقق فيما عرضه تقرير صحيفة "ذا جويش كرونيكل" عن الجهات الممولة والداعمة لمشاريع "أكاديميات ومدارس الأمل وقرية أطفال غزة" لتوصلنا من يقف وراء هذه الحرب التي تستهدف السيطرة على جغرافية الوعي والذاكرة للجيل الفلسطيني الناشئ من أجل إعادة تدويرها وهندستها عبر مفاهيم تستند إلى تغيير المناهج التعليمية، بما يتوافق ونقض السردية والحكاية الفلسطينية، لتلائم الاحتلال ويبرئ الصهاينة من كل ما ارتكبوه من جرائم ومحارق ومجازر بحق شعبنا منذ ما قبل النكبة إلى يومنا هذا: -
• تأسس المشروع كمنظمة أمريكية غير ربحية برئاسة الدكتور "ديفيد حسن"، وتقوم بجمع التبرعات وتأمين الشحنات والمساعدات الإنسانية والتعليمية.
• يحظى المشروع بدعم مالي وتمويلي مباشر من "كنس ومجتمعات صهيونية" في الولايات المتحدة "مجتمعات ببتسبرغ وأوكلاند"، والتي تنظم حملات تبرع لدعم غرف التدريس وتأمين الوجبات الغذائية للأطفال.
• تعاون المشروع بشكل وثيق مع منظمة الإغاثة الصهيونية "ناتان"، والتي افتتحت عيادة طبية متكاملة داخل الأكاديمية لتقديم الرعاية الصحية، التطعيمات، والدعم النفسي للأطفال بالتوازي مع العملية التعليمية.
في المحصلة، تكشف الهجمة الشرسة على المناهج التعليمية في غزة أن صراع الهوية لا يقل مصيرية عن معركة البقاء على الأرض. ورغم الضغوط المالية الهائلة والتحالف الأوروبي القائم والمتواصل مع كيان الإبادة لتمرير روايات بديلة تمحو "الشهيد" وتشرعن "الجار"، فإنّ هذه المحاولات لتفكيك البنية النفسية والوطنية للطفل الفلسطيني تصطدم بجدار وعي مجتمعي صلب. إن خيمة النزوح التي أريد لها أن تكون مختبراً لتجريف الذاكرة، تتحول بفعل "التربية الشعبية" وصمود الأمهات والمعلمين إلى حصن تربوي بديل، يثبت أن الذاكرة الجيلية عصية على التدوير، وأن الحقوق التاريخية للشعوب لا يمكن شطبها بممحاة التمويل المشروط.
رامز جبارين
كاتب فلسطيني
اسم المؤسسة / الجهة: