كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هيلاري والمكتب البيضاوي: عقدة وطموح

هيلاري والمكتب البيضاوي: عقدة وطموح

تاريخ النشر: 2016-06-09 | 09:46

أعترف بداية أني لم أكن يوما من محبي السيدة هيلاري كلينتون، المرشحة عن «الحزب الديموقراطي» لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية. فقدت تعاطفي حين تنازلت عن أمور أساسية تتعلق بأنوثتها وكرامتها في سبيل الوصول إلى السلطة. لم تكتف بأن تكون قريبة من السلطة، حتى كزوجة لرئيس جمهورية الدولة الأعظم. أرادتها كاملة غير منقوصة ولها وحدها ولا شريك حتى لو كان الشريك شريك حياتها. لا أحبها ولكني معجب بكثير من صفاتها. أعجبني فيها وما زال يعجبني طموحها الغلاب. أرادت أن تصل إلى منصب الرئيس، فتحملت بصبر نافذ وقوة خارقة تداعيات صعود زوجها الصاروخي وتعدد علاقاته النسائية، فتغاضت عنها إلا واحدة تصدت لها دسائس القصر وعيون الإعلام المتربص دائما بسكان البيت الأبيض. حينئذ خرجت إلى الرأي العام تفاصيل مداعبات مارسها السيد الرئيس في مكتبه البيضاوي مع الآنسة لوينسكي المتدربة في الرئاسة.
لم يعجبني أداؤها كوزيرة خارجية، بل أتصور أن هذه المرحلة كانت بين الأسوأ في التاريخ السياسي للسيدة هيلاري في تلك الفترة، وهي السنوات بين 2009، و2013. إذ لحق بسمعتها رذاذ تطاير في كل الاتجاهات بسبب تدهور علاقات واشنطن بالقيادة الحاكمة في إسرائيل، واستمرار التردي في أوضاع العراق وأفغانستان، والفشل المتلاحق في إخراجهما من حالة الفوضى والحرب. كذلك لم تفلت هيلاري من الاتهام بأنها مع الرئيس أوباما أهملا التعامل مع ثورات «الربيع العربي»، وبشكل خاص أساءا إدارة وتوجيه الحملة العسكرية في ليبيا، ما تسبب في سقوط «الدولة» هناك وانتشار الفوضى.
لاحظت، كما لاحظ آخرون راقبوا تطورات الحملة الانتخابية للرئاسة، أن هيلاري تعمدت إغفال هذه المرحلة من حياتها برغم أنها المرحلة التي تبوأت فيها أحد أعلى مراكز السلطة في واشنطن، فضلا عن أنه المركز الذي حقق لها الاتصالات الأعمق والأوسع بعديد زعماء العالم. واضح أنها اعتقدت أن الحديث الآن عن المرحلة التي تولت فيها منصب وزيرة الخارجية قد يُفقدها العديد من أصوات التيار المحافظ، فتجنبت هذا الحديث.
إلا أني يجب أن أعترف أن هيلاري، بالمقارنة بالرجلين الذين ينافسانها على منصب الرئاسة، تتمتع بأرصدة وفيرة، ليس أقلها أهمية الدعم المالي الهائل وربما غير المسبوق من جانب العناصر الأكثر ثراء في أميركا والشرق الأوسط. لا شك أيضا أن مؤسسات في الدولة تتمتع بنفوذ في سير العملية الانتخابية، اختارت في ما يبدو أن تدعم المرشحة هيلاري بوسائل شتى. أضف إلى ما سبق أن هيلاري تجسد تجربة فريدة وهي أنها عاشت في البيت الأبيض زوجة للرئيس، بل ربما الزوجة الأقوى نفوذا في سلسلة طويلة من زوجات لم يتركن أثرا يذكر في الحياة السياسية، برغم إقامتهن الطويلة في البيت الأبيض. يكفي أن نعرف أن السيدة هيلاري تعرف الآن من زعماء العالم وقادة المجتمع المدني في بلاد كثيرة، أكثر مما يعرف كل من السيد ترامب والسيناتور ساندرز.
لا يجوز لنا إغفال الخبرة التي حصلت عليها السيناتور هيلاري كلينتون أثناء تمثيلها ولاية نيويورك في مجلس الشيوخ الأميركي، برغم أننا نعرف أنها لم تقدم تشريعا واحدا مؤثراً أو قوياً، ولم تكن مشاركتها في التشريع على مستوى الشيوخ المخضرمين والنابهين. أعتقد مثل مراقبين آخرين أنها سعت إلى احتلال هذا المنصب وفي ذهنها أنه المحطة الضرورية للخطوة التالية، خطوة الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما فعلته.
من أرصدتها الثمينة أيضا التي تُميزها عن منافسيها، أنها، أي السيدة هيلاري، استطاعت، وبنجاح، الاحتفاظ بعلاقات قوية مع تيار المحافظين الجدد، وبخاصة مع ديك تشيني وبول فولفوفيتش والسيدة كيركباتريك، وكذلك مع تيار أحب أن يُطلَق عليه «الليبراليون التدخليون»، أي هؤلاء المدافعون في «الحزب الديموقراطي»، وفي الإعلام عن الحقوق والحريات، إلى حد استعدادهم دعم أي قرار يصدره رئيس أميركي لفرض النظام الديموقراطي على بلد أو آخر، ومن هؤلاء أذكر بول كروغمان وتوماس فريدمان وفاريد زكريا. وفي الوقت نفسه تحظى هيلاري بسمعة طيبة في دوائر المؤسسة العسكرية بفروعها المختلفة وبخاصة الفروع الأمنية، أخص بالذكر تلك القيادات والشخصيات المتشددة التي تحن بين الحين والآخر إلى الحرب، وهذه تشيد حتى الآن بهيلاري، بنت السابعة والعشرين التي انتفضت على التيار السائد في أميركا وقتذاك، حين عرضت نفسها على الجيش متطوعة لتحارب في فيتنام. يلخص جيفري ماكس طبيعة هذه العلاقة بين هيلاري والعسكريين في تحليل له عن دور هيلاري في صنع السياسة الخارجية، فيقول: «إن ما يسمى بخبرتها في السياسة الخارجية لا يخرج عن كونه دعما كاملا من جانبها لكل جهد حربي تقوم به دولة الأمن التي يديرها العسكريون والاستخبارات الأميركية». يعرف الكثيرون أيضا أن المؤسسة العسكرية لا تنسى لهيلاري ما قامت به من أجلها خلال عضويتها في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ.
ليس سراً، بل وجاء ذكره في بعض مذكراتها، أنها بدأت نشاطها السياسي وهي في سن السابعة عشرة كمتدربة في حملة السيناتور غولد ووتر اليميني المتطرف للرئاسة في العام 1964، ثم في حملة السيناتور المتطرف أيضا يوجين مكارثي، ولم يتجاوز عمرها واحداً وعشرين عاما. وها هي تتقدم لاحتلال منصب رئيس الجمهورية الأميركية مدعومة من المؤسسات والقوى اليمينية المتطرفة كافة، وتجري الآن محاولات جادة لزحزحتها قليلا نحو الوسط واليسار المعتدل، أملا في امتصاص بعض الطاقة «الثورية» التي أطلق عقالها السيناتور برني ساندرز.
التزمت هيلاري طويلا وكثيرا مبادئ وسياسات التطرف اليميني، ولكنها تحت ضغط منافسها «الديموقراطي» برني ساندرز تجد نفسها الآن مضطرة إلى أن تزايد عليه حتى لا تفقد أصوات الشباب والتيار اليساري المتصاعد في بعض الولايات والأوساط الأميركية، مثال ذلك دعوتها لزيادة الحد الأدنى للأجور ضد رغبة رجال الأعمال والمال، وهم الذين يمولون حملتها الانتخابية. مثال ذلك أيضا تراجعها عن دعم اتفاقية التجارة عبر الباسيفيكي بينما كانت قبل عامين تصفها بالنموذج الذهبي للتجارة العالمية. ومع ذلك لا أحد يعتقد أن هيلاري سوف تفلح خلال المرحلة المتبقية في الحملة الانتخابية في وقف انحسار شعبيتها وبخاصة في أوساط النساء الصغيرات العمر. هؤلاء لن يصوتن لها بدافع حق المرأة في أن تكون رئيسة جمهورية، لأنهن في هذه المرحلة العمرية لم يلتزمن بعد بقواعد ومبادئ الحركة النسوية. الأولوية لديهن تبقى لحقهن كشباب في التغيير، ورفضهن لمؤسسة الطبقة السياسية الحاكمة. مثلهن، وهذا هو المتغير الأشد غرابة في هذه الحملة الانتخابية، مثل كل من ساندرز وترامب، متمردات على نظام الحزبين بشكله الراهن وعلى ألاعيب السياسة الانتخابية التي تحاول أن تفرض عليهن هيلاري كلينتون، برغم عيوبها وولاءاتها المعروفة.
سمعت إحداهن تقول: «لن نصوت لمرشح، من جنسنا، لمجرد انها امرأة، ثم نفاجأ بأن هذه المرأة الرئيس ستلعب دور المعول لهدم الحقوق والحريات ولخدمة مصالح المصارف وقطاع المال والأعمال، امرأة لا تختلف عن نساء خنَّ قضايا الحرية ومكافحة الفساد مثل جين كيركباتريك ومادلين أولبرايت وكوندوليسا رايس ومارغريت تاتشر».

عن السفير

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط