كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

هي ذي الرؤيا الجديدة للراهن العربي..التي نريدها أن تكون..

هي ذي الرؤيا الجديدة للراهن العربي..التي نريدها أن تكون..

تاريخ النشر: 2025-04-29 | 19:58

"حصنوا النفطَ..فالنفط يعرف كيف يقاتل حين تكون الحروب..وقد يحسن الضربةَ الخاطفة.." (مظفر النواب )

 

بين عامي 1967 و 1979 اثنا عشر عاما وعدة حروب وهزائم عربية.

بين التاريخين أيضا حروب وانتصارات غير عربية.

بين التاريخين كذلك عدة متغيرات عميقة شملت العرب وغير العرب المنتصرين والمنكسرين على السواء.

ولكن لماذا العام 1967 ولماذا العام 1979؟ ألأنهما بالنسبة لنا نحن العرب، هما على نحو ما تاريخ واحد؟ فالهزيمة العربية المدوية-وفي القلب منها كانت الهزيمة الناصرية-لم تثمر العلقم إلا في معاهدة الصلح المنفرد، بمعنى أن العدو انتظر أكثر من عشر سنوات ليجني ثمار حرب الأيام الستة.

ألا يعني ذلك على نحو آخر أنّ مقومات الهزيمة، رغم حرب تشرين الأول 1973،بقيت كما هي في الجوهر، حتى أنها حين تكرست بزيارة رئيس أكبر دولة عربية للقدس المحتلة، كانت تصرخ-تلك المقومات-بأنها الأقوى والأشمل والأعمق غورا في أرض العرب، من كافة المظاهر السطحية الأقرب إلى المظاهرات في مقدمة جنازة؟

وهل كان النموذج الناصري المهزوم عسكريا واقتصاديا واجتماعيا في العام 1967 نمطا مصريا خاصا لا يقبل التعميم العربي،وهل كانت مصر-تشرين الأول 1973 والخيمة 101 واتفاقية سيناء الثانية وزيارة العدو واتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة واشنطن-مصر مصرية، أم كانت مصر عربية شاملة، مجرد نموذج رائد في النهضة والسقوط للعرب جميعا؟

والجواب أنّ الناصرية كانت نموذجا لا حالة فردية خاصة بمصر، فغياب الديموقراطية كهمزة وصل بين التحرير والتنمية كان أسلوب كافة الأنظمة “الإصلاحية” العربية. كما أن مصر-المعاهدة، هي النموذج المكثف لكافة الأنظمة السلفية.. فالهزيمة في العام 1967 وتكريسها في العام 1979 كان انجازا عربيا شاملا تحتل فيه مصر موقع الصدارة والمسؤولية بحكم قيادتها للنموذجين الإصلاحي والسلفي معا.

عروبة الهزيمة تكاد ترادف بمعنى ما عروبة مصر، فأصل الأصول هو النمط الإقتصادي-الإجتماعي، وفرع الفروع هو زيارة “إسرائيل” وتوقيع المعاهدة. النمط الناصري الغالب على مختلف الأنظمة الوسطية، هو غياب الربط بين التحرّر الوطني والتحرر الإجتماعي، أي غياب الصيغة الديموقراطية القادرة وحدها-بمشاركة الجماهير المستفيدة من التحرر المزدوج-على صنع القرار وحماية تنفيذه.

هذا النمط تحت أسماء مستعارة،هو الذي رسّخ الهزيمة ولا يزال، في كافة النظم التي لم يحكمها عبد الناصر،بل وبعد غياب الرجل بعشر سنوات.

إنّ القبول العربي التدريجي والشامل لما كان مرفوضا من البعض وعبد الناصر بعده حي، كقرار مجلس الأمن رقم 242 قد أصبح القاسم المشترك- أو الحد الأدنى- بين العرب جميعا، الأمر الذي يعني أنّه الحد الأقصى لغالبية العرب.

مصر- السادات بدورها،ليست أكثر من “نمط”.فالإنفتاح الإقتصادي والتحالف مع أمريكا واغتيال كافة أشكال الديموقراطية ودعم الإتجاهات الثيوقراطية وضرب العلمنة، كلها عناوين رمزية لأسلوب حياة وموت الأنظمة السلفية التي ترفض علنا الصلح مع العدو، وتقبل علنا أيضا كل ما دعا إليه السادات في ذروة الحرب من مؤتمر جينيف إلى الدولة الفلسطينية يقبلون كل المقدمات ويرفضون بعض البعض من جزئيات النتائج وتفاصيل النهايات وحتى هذه لا يرفضونها سرا.

على طول المسافة بين الهزيمتين،كان النظامان -الإصلاحي والسلفي- يلتقيان في الإرتباط البنيوي أخيرا،بالسلسلة الإستعمارية لدورة رأس المال العالمي حيث القهر القومي والوطني والإجتماعي والفردي،هو المسلسل الحتمي التابع، الأمر الذي يكرّس “زحف الهزيمة الطويل” في التخلّف والدكتاتورية ونقصان السيادة الوطنية وهو أيضا الأمر،الذي تتفرّع عنه حروب القبائل والعشائر والطوائف،وتغير اتجاه البنادق إلى حروب الإخوة. كما تتفرّع عنه مذابح الفقراء على موائد الأغنياء،ومجازر الحلفاء على موائد الأجنبي يتدهور الإقتصاد ويتحلّل المجتمع وتزدهر الأمية الأبجدية والأمية الثقافية وتنقلب بعض القيم الأساسية رأسا على عقب في زمن قياسي.

حرب لبنان،حرب مصر-ليبيا،حرب الصحراء الغربية،يكفي..!؟ 

خطف على الهوية الدينية والعرقية والسياسية،من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.ومن الشمال إلى الجنوب تعذيب يفضي إلى موت.ومن قلب الكلية العسكرية في قلب العاصمة المصرية إلى الكلية الحربية في قلب حلب السورية،يستأنف المتطرفون الإرهاب الديني وحمل السلاح.والسجن العربي يضيق بسكانه من العرب،كالسجن الصهيوني تماما من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،تأتي علامة المهدي المنتظر الذي لا يأتي.ترتفع أسعار النفط في بلاد النفط،وأسعار القطن في مزارع القطن.وتغادر مياه النيل الوادي العطشان لتروي صحراء العدو،تماما كتحوّل النفط العربي الإسلامي في أنابيب أمريكا إلى قذائف إسرائيلية على جنوب لبنان.

إنّ خط الإنكسار العربي خلال تلك الفترة كان يتناقض بصورة مأساوية مع صورة العالم من حولنا.فحين كانت تلتهب حرب لبنان عام 1975،كانت فيتنام تحصل على إستقلالها من أعتى قوّة مسلّحة في التاريخ،وحين كان “أحدنا” ينحني دون خجل أو وجل للعلم الصهيوني في مطار بن غوريون،كانت الوحدة القومية بين شمال فيتنام وجنوبها قيد الإنجاز وحين كان العرب يقتتلون قبائل وعشائر وطوائف،ويحرفون اتجاه البنادق عن العدو الواحد، وحين كانوا يستنزفون دماء بعضهم البعض في المنافي ومستشفيات الأمراض العقلية وأقبية التعذيب في السجون السرية والمعتقلات العلنية،وحين كانوا يخطفون أنفسهم ويذبحون رقابهم ذبح الشاة ويلقون بها في الأنهر والصحاري والغابات،وحين كانوا يتناسلون بسرعة وحشية لتنسي الليالي ما يجري في النهار،فتصغر كسرة الخبز ويزيد عدد الذين لا يعرفون الألف من كوز الذرة، ويقل عدد المستشفيات والمدارس والبيوت،ويزيد عدد الكنائس والمساجد..

حين كان يحدث كل ذلك كله كانت أنغولا تزيح عن كاهلها أركان امبراطورية دامت أربعة قرون،وكان البرتغاليون يزيحون عن كاهلهم سطوة دكتاتورية دامت أربعة عقود.وكانت اسبانيا تتخلى عن صحراء المغرب،بعد أن تخلت عن شبح فرانكو وكانت ايران بشعبها الأعزل تسقط أقوى قلعة مسلحة في الشرق الأوسط، وكانت نيكاراغوا تطيح بالدكتاتورية المتوارثة.

كان خط الإنكسار العربي يتناقض-كما أسلفت- صورة مأسوية مع بقية خطوط العرض والطول في خريطة العالم حيث يتلقى النمر الأمريكي-والقط الصهيوني بالتبعية-ضربات هائلة، بينما يقوم العرب دون غيرهم بتضميد جراح النمر الكسير والقط الهائج،بدموع أطفالهم ودماء شبابهم وماء الحياة لأجيالهم.

شهدت السنوات الإثنتي عشرة بين الهزيمتين،متغيرات حثيثة في القيم الرئيسية لمسيرة التاريخ الاجتماعي-الثقافي للعرب..فقد تراجعت الفكرة القومية تراجعا واضحا أمام تيارين: الديني والمذهبي من ناحية،والإقليمي والقطري من ناحية أخرى. كذلك تراجعت قضية التنمية أمام فكرة التحديث التكنولوجي كما برزت قضية الديموقراطية، وكأنها البديل عن”التحرير” الوطني والإجتماعي،وأحيانا أخرى بصفتها الطريق الوحيد إلى التحرير.

وربما كانت مصر-مرة أخرى وليست أخيرة-هي البلد الأكثر دويا بما جرى في حقيقة الأمر،للعرب جميعا. فالإقليمية والطائفية التي أفرزتها حرب لبنان ليست أقل من الشوفينية والإرهاب الديني في مصر وما ظهر بارزا على السطح المصري أو اللبناني كان مترادفات سرية وعلنية في كل أرض عربية.

ما أريد أن أقول؟

أردت القول أنّ الرؤيا الجديدة لهذا الجيل (جيل اليوم)،عليها أن تكون الرؤيا المضادة لجيل الهزيمة.الرؤيا التي تضع الديموقراطية في مكانها القابض على التحرير الوطني من ناحية، والتحرير الاجتماعي من الناحية الأخرى يجب أن تكون -أولا وأخيرا- الاستيعاب التاريخي المر: لا حرية للوطن ولا تقدم للمجتمع بغير الديموقراطية، وأي إنجاز هنا أو هناك في غيابها يهدم المعبد بأكمله فوق جميع الرؤوس.

إنها رؤيا “الثورة الثقافية الشاملة ” في مواجهة “الإصلاح الوسطي” و”الصمود السلفي” معا، اللذين يلتقيان في خاتمة المطاف.

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط