كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

واحة

واحة

تاريخ النشر: 2021-09-18 | 05:56

يريد أن يكتب عن تلك التجربة، هل يكتب "عن حب جميل"، أم يكتب "عن حب أجمل"، أم يكتب "عن الحب الأجمل"؟ ساءل نفسه عن العناوين ودلالاتها، وبدأ يتحاور مع ذاته، حتى كاد ينسى الموضوع. أمر ذاته أن يعود ليكتب ويوسّع ما سطّره من رؤوس أقلام في دفتر يومياته الذي لا يفارقه في حله وترحاله.

سرّح نظره من نافذة عربة القطار، القطار بطيء بما فيه الكفاية ليرى المنظر ساكناً نسبياً وتملاّه، الغابة الممتدة بموازاة خط السكة الحديدية لوّنها الخريف بتلك الألوان التي يأتي الناس من كل المناطق ليروها في هذا الموسم. احتوته اللوحة الخريفية بجمالها، فكّر ماذا لو كان القطار سريعاً، ماذا سيحدث للوحة؟ تخيلها لوحة في إطار ألوانها من ضربات ريشة فنان يجمع بين روعة الأصل ولمسة الإبداع. توقف عن النظر من خلالها إلى الخارج حين انتهت حدود الغابة وأصبحت النافذة إطاراً للوحة يسودها لون واحد يتغير بين الأخضر والرمادي.

عاد إلى دفتر اليوميات الموضوع على الطاولة بين مقعده والمقعد المقابل الفارغ لحسن حظه. وقع نظره مرة أخرى على ذلك السطر، رأى السطر يتحول خطه إلى خط غامق ويخرج من الصفحة كأنه على شاشة الحاسوب يصغر ويكبر، يتقدم ويتراجع ليلفت الانتباه، السطر طفل يشكو جوع النقصان، طفل يشكو نسيان الأم، ينادي بصوت قوي لم يضعفه الجوع: اكتبني، أكمل نقصاني. السطر الذي كتبه عندما رأى وجهاً يجلس في المقعد المقابل في القطار وذكّره بذلك الوجه، بالوجه، يكفي أن يقول الوجه ليقصد ذلك الوجه. الوجه يضم السطر الطفل وينظر نحوه معاتباً دون أن ينبس ببنت شفة. السطر يرجع ساكناً على صفحة الدفتر أسيراً لدائرة يخرج منها سهم صغير ينتهي بكلمة "أكمل". لم يستطع أن يوسّع السطر يومها، صار السهم يتيماً ووحيداً، فيرسم دائرة وسهماً ليذكّراه بإلحاح بضرورة إخراج السطر اليتيم من دائرة النقصان، من وضع اليتم والوحدة. تساءل مستنكراً أو مستغرباً وهو يعرف الجواب "وهل التذكير كافٍ؟".

حاصرته غابة من الأسئلة نبتت من سؤال الكفاية، يتصدرها سؤال راوح طويلاً في انتظار إجابة متعسرة الولادة لأنها عالقة بين بوابة البوح وبوابة العدم. غرق مرة أخرى في أسئلة فلسفية، أسئلة تنتظر إجابة ربما لن تأتي، فهل يكتب النتيجة أولاً ثم يعود إلى البداية، أم يتسلسل من البداية إلى النتيجة؟ يصرّ أن يسميها النتيجة وليس النهاية، هناك نتائج في الدروب وليست نهايات، كل نتيجة، ولو سمّاها بعضهم نهاية، تنقلب بداية لأنها نتيجة، إلاّ النهاية التي لا تتبعها بداية فتلك يمكن تسميتها نهاية. أدخلته غابة الأسئلة الأولى في غابة أخرى من الأسئلة الفلسفية، وتذكّر نصائح المتفذلكين "لا تضع العربة أمام الحصان"، تساءل ما الذي يقصدونه إذن عندما يقولون "العربة أمام الحصان"، ومن يضع عربة أمام حصان إلاّ المجنون، فهل ستجر العربة الحصان، أم إنهم يقصدون "لا تشترِ عربة قبل أن يكون لديك حصان"؟ عنده أجمل الخيول ويمكنه شراء العربة ولو بعد حين، ولكن الطرقات مغلقة بالحواجز والأسلاك الشائكة والخوف النابع من اللايقين ومصائد الشكوك.

هدأت عاصفة الأسئلة، وعاد إلى صفحة السطر الذي يقبع أسيراً في دائرة يخرج منها سهم يأمره بإكمال ما بدأ، يناشده أن يمنحه حق الاكتمال.

حاول البدء، كلمة، كلمتان، جملة عسيرة الميلاد، قرر أن يختصر الأمر، أن يكتب نصاً قصيراً لأن الأشياء الكبيرة لا يسعها إلاّ الكلام الموجز.

"كان حباً صادقاً وعميقاً ويانعاً كواحة من الرضا في صحراء من العيون الجاحظة، (رغب أن يكتب كعيون أشخاص مسلسل سمبسون الكرتوني لكنه أسقطها لأنها ستكون ثقيلة دم في هذا المكان)، أجمل ما كان فيه أنه كان طفلاً جميلاً. توقفا عن محاولة التحليق حين أدركا أن التحليق من الواحة الصغيرة نحو المسافات الواسعة لن يكون ممكناً ولن يتبعه هبوط آمن في بساتين موعودة وارفة الخضرة والثمر، (رغب هنا في أن يشيد بمحاولة عباس بن فرناس للطيران ويعبّر عن حزنه على مصيره، لكنه اعتبر ذلك ثقيلاً على الموضوع، ليس ثقيل الدم هذه المرة)، غادرا الواحة بهدوء، لم يدفناه، غادرا بهدوء بعد أن جمداه في لوحة ستصلح لأن تعلّق على جدار ما، في بيت ما، في زمن ما".

أنهى كتابة النص تحت السطر خارج الدائرة، كان متعباً من النحت في صخر الكلام. نظر إلى السطر مستفسراً منه إن كان راضياً، ابتسم السطر كطفل تسلم لعبة جديدة، ثم أشاح بوجهه دون كلام بعد أن تفحص اللعبة. أغلق دفتر اليوميات بحرص وحنان خشية أن يؤذي الطفل السطر.

تشتت تفكيره بين الفرح بابتسامة الطفل رغم قصرها والحيرة في تفسير إشاحة وجهه. قرر أن يتوجه بعد نزوله من القطار رأساً إلى معرض للأعمال الفنية، سيبحث عن بوستر للوحة فنية، ليس بمقدوره أن يشتري لوحة أصلية أو حتى مزورة، عن واحة خضراء، وإن لم يجدها وهذا ما يتوقعه، سيختار لوحة لجزيرة صغيرة تمتلئ باللون الأخضر وسط زرقة المياه، لوحة رآها أكثر من مرة في مثل هذه المعارض، وسيختار لها إطاراً بسيطاً ذهبي اللون. سيطلب من المعرض إنجاز تأطير اللوحة بأقصر وقت ممكن أملاً في أن يحملها معه عندما يعود مساء، ولن ينام قبل أن يعلقها على جدار غرفته قبل أن يغفو، وسيسأل وقتها السطر الطفل عن رضاه عسى أن ينام الليلة مع ابتسامة من الطفل لا تشوبها شائبة.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط