كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

وأخيرا تعرفت إلى نيتشه

وأخيرا تعرفت إلى نيتشه

تاريخ النشر: 2018-10-12 | 22:33

فراس حج محمد

العزيزة الغالية، أسعدت أوقاتا وتجليا وحبا، أما بعد:

أذكر عندما كنا نناقش اللغة في الرواية مع الدكتور وليد الشرفا، كان صديقنا الشاعر الجميل خالد جمعة حاضرا، قال جملة ربما كشف فيها عن أنني، بحكم تديني، لم أقرأ الفيلسوف نيتشه. إن صديقنا خالدا بالتأكيد يرى أن نيتشة كان ملحدا، ولذا فإنني ما زلت متدينا، ولم يتضعضع إيماني الفطري ما دمت بعيدا عن نيتشه.

ربما كل الفلاسفة كانوا ملحدين، مع أن منهم من قاده البحث إلى الإيمان، فثمة من قال "لو لم يكن الله موجودا لاخترعناه". لم يكن نيتشة غائبا عني بالتأكيد، ولكنني لم أكن قرأت له كتبا، وإن كنت قرأت عنه كثيرا. لقد قرأت كتبا كثيرة في الفلسفة ولم يزعجني ما فيها من إلحاد ونفي للخالق أو "موت له"؛ إذ إنني أدرك على نحو يقيني قاطع أن شطحات الفلاسفة تشبه شطحات الشعراء والمتصوفين والعباقرة والعشاق، كلهم كان باحثا عما يعتقد أنها الحقيقة؛ ليرتاح، وليس ليكون تعبا وقلقا.

إن فكرة الإلحاد بحد ذاتها فكرة ساذجة جدا، ولذلك لم تكن لتؤثر في أفكاري كثيرا أو قليلا. فما يضير الخالق أن ينفي وجوده فيلسوف أو شاعر أو عبقري؛ هي أزمة فكر بلا شك، فلا أحد منهم يريد أن ينفي الخالق اعتباطا، وإنما لم يهده تفكيره إليه، بحكم عوامل عدة. 

المهم يا عزيزتي، تعرفت إلى نيتشه أخيرا، وعلى كتابه المربك "هكذا تكلم زردشت". بدا نيتشه في الكتاب قلقا ما بين الإلحاد المطلق والإيمان اليقيني. متذبذبا بين "الكفر" و"الإيمان"، لكنه بلا شك كان باحثا عن الحقيقة.

لا بد من الشك أولا للوصول إلى اليقين، هذا هو المبدأ الفلسفي العام الذي ينسب إلى ديكارت، وأحسن استخدامه والتعبير عنه، وإن كان علماء الكلام من فلاسفة المسلمين قد انتهجوه في أبحاثهم العقدية، فجاءوا بمبدأ "التخلية قبل التحلية". لقد سار طه حسين على المنوال ذاته في دراسته "في الشعر الجاهلي"، أراد الشك من أجل الإثبات، ولكنه شك ولم يثبت شيئا، ولعل خطأ طه حسين هو أنه نقل المبدأ الفلسفي من بحث الألوهية إلى مجال الشعر، فثمة فارق كبير بين الحقلين، ومن هنا كانت السقطات التي وقع فيها الكتاب. أحببت كتاب طه حسين، وقرأته في طبعته الأولى غير المعدلة بنهم وسعادة كبيرة، ولم أر فيه ما يدعو إلى التكفير. لماذا تراجع طه حسين عن بعض أفكاره؟ إنها معضلة فلسفية وفكرية أن يتراجع الكاتب عن أفكاره أو أن يتخلى عنها أو يعدل فيها.

كتاب "هكذا تكلم زردشت" جعلني أسأل نفسي أسئلة كثيرة: هل يجب علينا أن نقرأ الفلسفة؟ وهل لا توجد فلسفة إلا في كتب الفلاسفة؟ ولماذا نحشر الفلاسفة في خانة الملحدين فنخاف منهم؟ ولماذا يلجأ الفلاسفة إلى التعقيد؟ ماذا عليهم لو طرحوا أفكارهم بسهولة ويسر؟ ربما نحن مفتونون بالتعقيد، ونبحث عنه، وبقدر ما تكون معقدا في لغتك تقترب من الجمال والفلسفة، فالغموض حارس الذائقة العنيد، وإلا فأنت بسيط وساذج. ننفر من البساطة التي هي أعظم كلمة في معجم الفلسفة الكبير المتضخم. رواية "عالم صوفي" تقوم على الفلسفة وتعالج فكرة وجود إله، ولكنها عرضت الفكرة بقالب روائي جميل، غير معقد. الفيلسوف الفرنسي "لوك فيري" في كتابه "أجمل قصة في تاريخ الفلسفة"، يرى أن الفلاسفة عقدوا الفلسفة في اجتراحهم لغة معقدة غير مفهومة إلا من النخبة.

الفلسفة موجودة في كل شيء؛ أن تقول: "إن الحياة حلوة" هي فلسفة، وأن تقول: "لا إله إلا الله" فلسفة، وأن تقول: "الجمال نسبي" فلسفة، كما يمكنك أن تقول هذه المعاني كلها بألفاظ معقدة. من يدرك حكمة الحياة قد أدرك كنه الفلسفة، إذ لم تأت الفلسفة إلا لجعل الحياة أكثر فهما.

الجميلة الرائعة:

لم أشعر أنني كنت بحاجة لقراءة نيتشه إلا "من باب العلم بالشي ولا الجهل به"، فوراء كل تلك الغمغمات اللفظية واقع أجلى وأعظم من كل ما يقوله الفلاسفة والمفكرون، ولعل الحياة أبسط مما يتصورون، وربما هي أعقد مما نفكر فيها بسذاجة.

أتعرفين ما هو أكثر أمر يقلقني في تفكير هؤلاء المثقفين؟ هو أنه يجب عليك أن تقرأ لنيتشه وديكارت وكانت وهيكل وماركس وهيدجر وروسو، وأراهم مفتونين حد العظم بما يقول هؤلاء دون أن يكونوا قادرين على شرح أفكارهم أو هضمها. ثمة فرق بين أن تقرأ لتعي وتناقش، وبين أن تقرأ لتنقاد، مثقفونا في الغالب، يقرأون لينقادوا، وليس ليفكروا وينتجوا جديدا. انتهت عندهم الثقافة مظهرا محصورا في "نيتشه وفيروز وشرب النبيذ والعرق، والعلاقات المفتوحة مع النساء"، وإذا لم تكن من مرتادي البارات فأنت لا تستحق لقب "مثقف"، وستكون غريبا موحشا في جلساتهم البائسة. هكذا ينتهي نيتشه في عقول المثقفين دون أن يفكروا فيما بعد نيتشه. فكرة راودتني منذ فترة وهي الموازنة بين نوعين من الكتاب، الكتاب التأصليين والكتاب التناصيين، إنه لأمر محزن أن تدركي أن أغلب كتابنا الكبار هم كتاب تناصيون، وليسوا تأصيليين. إنها حالة سقم كبير في إنتاج المعرفة.

أرجو أن تكون فكرتي قد اتضحت بعيدا عن غمغمات الفلاسفة، متمنيا ألا يفهمني أحد خطأ، أو تأويلا عبثيا. دمت أجمل من الجمال، وأعمق من الفلسفة، أيتها الهادية إلى متون الفلسفة الروحية الجميلة.

أحبك هكذا دون فلسفة زائدة عن حد القلب المفتون فيك عشقا.

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط